+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: كتاب اضواء عن ثوره لامام الحسين ع للسيد محمد الصدر -والسيره الكامله للسيد قدس

  1. #1
    الصورة الرمزية ملك المحاسبين
    ملك المحاسبين غير متواجد حالياً شطوط اتعيين ويقبض راتب
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    الدولة
    البصرة / اغنى مدينه
    المشاركات
    1,759

    افتراضي كتاب اضواء عن ثوره لامام الحسين ع للسيد محمد الصدر -والسيره الكامله للسيد قدس

    أضواء على ثورة الحسين

    تأليف
    السيد محمد الصدر

    مقدمة التحقيق

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد واله الطيبين الطاهرين

    هاهو سماحة آية الله العظمى السيد محمد الصدر يظهر لنا جوهرة أخرى من جواهر التأليف والتي طالما أنعش بها المكتبة الإسلامية.

    وهو هنا – كما عودنا في تأليفاته – يأتينا بما هو جديد في موضوع طالما تناولته أقلام العلماء والمؤلفين إلا اننا نجد هنا تأليفاً يختلف عما كتب سابقاً عن الإمام الحسين (ع) ونهضته فكل ما كتب في هذا الموضوع أما أن يكون مركزا في ذكر مناقب الحسين (ع) ونهضته فكل ما كتب في هذا الموضوع أما أن يكون مركزاً في ذكر مناقب الحسين (ع) أو مناقب أصحابه وذكر شجاعتهم أو التركيزفي ذم أعداء الأمام الحسين (ع) وفضحهم واستقراء كل رذيلة ومعصية قاموا بها، أو إثبات لعنهم. وحتى الذين كتبوا وحاولوا التعرف على أهداف الحسين (ع) والتصدي للاجابة على كثير من الشبهات حول هذه النهضة لم يكن تأليفهم وإجاباتهم تامة أو مقنعة بشكل كامل.

    ولكننا نجد هنا إن سماحة المؤلف يتطرق إلى أهم موضوع في هذه النهضة المباركة فيعرفنا بأهداف الحسين (ع) الحقيقة والممكن إحتمالها مع تخريج الأهداف التي لا ينبغي انتسابها للإمام الحسين (ع) والتصدي للاجابة على أغلب الأسئلة والشبهات التي يمكن ان تمر على الذهن بإسلوب إستدلالي علمي لا يقبل الشك أو التشكيك. وكذلك يتطرق سماحة المؤلف إلى موضوع لطالما عانا منه المنبر الحسيني فيعطي الطريق الصحيح الذي يجب ان يتبعه خطباء المنبر الحسيني لكي لا يقعوا في المحرمات من حيث لا يشعرون، فكثير من الخطباء



    تأخذهم العاطفة أو الميول الدنيوية بحيث يسيرون في طريق لا يريده الإمام الحسين (ع) نفسه.

    وفي الواقع لا استطيع ان أصور نفسي بأنني قد حققت هذا السفر الجليل الذي كتبه مرجع من أكبر مراجع المسلمين ومفكريهم إلا إني أقول إن هذا من نعم الله سبحانه ومنه علي.

    فأعرف أيها القاري الكريم أي جوهرة بين يديك، فما عليك إلا أن تعطيها قيمتها الحقيقية لتكون الإستفادة تامة إن شاء الله تعالى.

    تنبيه :-

    أود أن أنبه القاريء الكريم إلى أن إسلوب سماحة المؤلف في الكتابة إسلوب إستدلالي خال من التعبير الإنشائي المطول والحشو الزائد في الكتابة لذلك ستجد مادة علمية مركزة تحمل بين طياتها مضامين عدة . فاذا كنت تريد الإستفادة التامة من هذا الكتاب فلا بد من التركيز أثناء القراءة وعدم الشرود الذهني أو القراءة السطحية وإلا فاتك الشي الكثير. ففي بعض بحوث هذا الكتاب ستجد إن سماحة المؤلف يقسم لك الموضوع أو يجيب على عدة مستويات وكل مستوى تتفرع منه عدة أوجه وكل وجه ينقسم إلى عدة نقاط، وهكذا. فاذا سرحت في إحدى هذه الإنقسامات أو لم تفهمها بشكل صحيح ضاع عليك المطلب كله، أو لربما تفهم شيئاً خلاف ما يريده سماحة المؤلف. فإنك ستجده يطرح بعض المواضيع ثم يشكل عليها ويرجع فيرد هذه الإشكالات فيجب عليك ان تركز في مراد سماحة المؤلف هل هو إثبات هذه الأطروحة وتفنيد الإشكالات التي ممكن ان توجه إليها أو إبطال هذه الإطروحة وتأييد الإشكال المحتمل.

    ولذلك أنصح بإعادة قراءة الموضوع بل الكتاب بأكمله لأكثر من مرة، وهذا الرأي نتج عن تجرية شخصية فإن تحقيق هذا الكتاب اضطرني إلى إعادة




    قراءته مرات عدة وفي كل مرة تلفت نظري أشياء ومضامين لم اكن ملتفتاً إليها سابقاً.

    وبالفعل هذا ما حصل مع الطبعة السابقة المحققة لهذا الكتاب فإن المحقق في بعض مواضيع الكتاب قد فهم خلاف ما يريده سماحة المؤلف فغير بعض العبارات الموجودة طبقاً لما فهمه هو لا ما أراده سماحة المؤلف، فكان من الواجب عليه كمحقق ان يركز أكثر فيفهم الكتاب والمطالب الموجودة فيه.

    و لا أريد أن أتعرض إلى الأخطاء الكثيرة التي أرتكبها هذا المحقق، الا انني أردت فقط أن أنبه القاري الكريم إلى الجد في فهم ما يريده سماحة المؤلف والإستفادة التامة من هذا السفر الجليل ومعرفة القيمة الحقيقية لما بين يديه.

    وختاماً نسأل الله العزيز القدير أن يحفظ ويسدد خطى هذا العالم الجليل ويجعله دائم العطاء لخدمة الدين الحنيف ومذهب آل البيت الأطهار.

    والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً


    الفقير إلى الله
    كاظم العبادي الناصري
    النجف الأشرف



    التعريف بالمؤلف

    نسبه :-
    هو السيد محمد بن محمد صادق بن محمد مهدي بن اسماعيل بن صدر الدين محمد بن صالح بن محمد بن ابراهيم شرف الدين (جدآل شرف الدين) بن زين العابدين بن السيد نور الدين علي بن السيد على نور الدين (جد آل نور الدين) بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن تاج الدين ابي الحسن (جد آل أبي الحسن) بن محمد شمس الدين بن عبد الله بن جلال الدين بن أحمد بن حمزه الأصغر بن سعد الله بن حمزه الأكبر بن أبي السعادات محمد أبن أبي محمد عبد الله بن أبي الحرث محمد (جد آل ابي الحرث) بن أبي الحسن علي بن عبد الله أبي طاهر بن أبي الحسن بن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى بن أبي سبحى (جد آل أبي سبحة) ابن ابراهيم المرتضى بن الإمام أبي ابراهيم موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع).

    ولادته ونشأته

    ولد سماحة المؤلف في 17 ربيع الأول سنة 1362 هجري المصادف 23/3/1943 وهو يوم عيد المولد النبوي الشريف. ويذكر أن أبويه لم يكن عندهم أولاد وعند ذهابهم إلى الحج وزيارة قبر النبي (ص) توسلوا إلى الله بالرسول أن يرزقهم الله الولد وبالفعل استجاب الله دعاء الوالدين الشريفين فولد سماحة المؤلف في نفس اليوم الذي ولد فيه الرسول (ص)





    وعاش سماحته في كنف جده لأمه آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين وهو من المراجع المشهورين وعاش كذلك في كنف والده الحجة السيد محمد صادق الصدر (ره)حيث كان المؤلف وحيداً لوالده. وقد نشأ سماحته في بيت علم وفضل فأكتسب العلم منذ صباه بواسطة والده السيد محمد صادق الصدر وكان لنشأته وتربيته الدينية إنعكاس واضح في خلقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب الذي يستوعب كل الأسلئة الموجهة إليه حتى المحرجة منها وليس عجيباً ذلك فإن هي إلا( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء).

    دراسته وتدرجه العلمي

    بدأ سيدنا الدرس الحوزوي في سن مبكرة حيث تعمم وهو ابن أحد عشر سنة مبتدئاً بدراسة النحو وغيره (كما هو المعتاد حوزوياً) على يد والده السيد محمد صادق الصدر (ره) ثم على يد السيد طالب الرفاعي ثم على يد الشيخ حسن طراد العاملي أحد علماء الدين في لبنان حالياً، ثم أكمل بقية المقدمات على يد السيد محمد تقي الحكيم والشيخ محمد تقي الأيرواني وقد دخل سماحة المؤلف إلى كلية الفقه سنة (1376 هـ /1957 م) دارساً على يد ألمع أساتذتها فقد درس:-
    1- الفلسفة الألهية على يد محمد رضا المطفر (قد).
    2- الأصول والفقه المقارن على يد السيد محمد تقي الحكيم (صاحب كتاب الأصول العامة للفقه المقارن).
    3- الفقه على يد الشيخ محمد تقي الأيرواني.
    4- القواعد العربية على يد الشيخ عبد المهدي مطر.

    وكان من أساتذته في هذه الكلية بعض الأساتذة من ذوي الأختصاصات والدراسات غير الحوزويه كالسيد عباس الوهاب الكربلائي مدير اللغة الأنكليزية والذكتور حاتم الكعبي في علم الأجتماع والدكتور أحمد حسن الرحيم في علم النفس والدكتور فاضل حسين في التاريخ.

    وقد تخرج سماحته من كلية الفقه سنة (1381هـ / 1962 م) ضمن الدفعة الأولى من خريجي كلية الفقه في النجف الأشرف وكان من زملائه الذين تخرجوا معه:

    الشيخ الدكتور أحمد الوائلي / الشيخ مسلم الجابري / السيد عدنان البكاء / السيد أحمد زكي الأمين / السيد مصطفى جمال الدين / الشيخ محمود الكوتراني / الشيخ أحمد القبيسي اللبناني.

    ثم دخل سيدنا مرحلة السطوح العليا حيث درس كتاب الكفاية على يد السيد محمد باقر الصدر (قد) وبعض كتاب المكاسب عيى يد السيد محمد تقي الحكيم وقد كان لدراسته على يد هذين العلمين الأثر الأكبر في صقل موهبته العلمية التي شهد بها أساتذته أنفسهم ثم اكمل دراسة المكاسب على يد الشيخ صدرالباتكوبي الذي كان من مبرزي الحوزة وفضلائها.

    وبعدها ارتقى سماحة المؤملف إلى مجارج البحث الخارج. فحضر بحث الخارج عند: -

    1- السيد محمد باقر الصدر (قد) / دورة أصولية ونصف دورةوكتاب الطهاره.
    2- السيد المحقق الخوئي / دورة أصوليه كامله و كتاب الطهارة.
    3- السيد ابي أحمد في المكاسب .
    4- السيد محسن الحكيم في كتاب المضاربة.




    أما إجازته في الرواية فقد سئل سماحته في أحد الأستفتاءات الموجهة إليه فكان جوابه أن له إجازة من عدة مشايخ أعلاها من آية الله ملا محسن الطهراني الشهيربآغا بزرك صاحب كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) عن أعلى مشايخه الميرزا حسين النوري صاحب كتاب (مستدرك الوسائل) ومنهم أيضاً والده السيد الحجة محمد صادق الصدر وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين وابن عمه آية الله آغا حسين خادم الشريعة والسيد عبد الرزاق المقرم صاحب كتاب (مقتل الحسين (ع)) وآية الله السيد حسن الخرسان وآية الله السيد عبد الأعلى السبزواري وغيرهم.

    وقد أجيز بالإجتهاد من قبل أستاذه السيد محمد باقر الصدر في سنة (1396 هـ - 1977م) وقد كان عمره آنذاك أربع وثلاثين سنة.ولا بد لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلمية وآساتذته في هذه المسيرة مسيرته في طريق المعرفة الإلهية والعلوم الأخلاقية وكان آستاذه في ذلك أحد كسبة النجف الأشرف الذي يعتبره سماحة المؤلف أرقى شخص معاصر في هذا المجال قد تتلمذ على يده لعامين ثم وافاه الأجل (ره) عام (1400 هـ /1980م).
    وقد يخطر في الذهن : كيف يكون أحد كسبة النجف استاذاً لرجل دين وعلم من الأعلام كسماحة المؤلف؟.
    وجوابه : ان الحديث يقول (أخفى الله وليه بين عباده) فمقدار الأقتراب إلى الله ليس منوطاً بالعلم فقط وإنما بصلاح النفس وصفائها وفهمها إلى حقيقة العبودية واندماجها في هذا المعنى وهذا لا يحصل لكل أحد ولا يناله إلا من ارتضى الله من عالم أو كاسب.

    فاستمر سماحته على هذا الطريق الإلهي إلى حد الآن والذي لا يعرف مدياته وأسراره العرفانية إلا سماحته فهو يعتبرها من الأسرار التي بينه وبين ربه والتي لا يمكن البوح بها، وقد لمح إلى ذلك في إستفتاء خاص حيث قال ما مؤداه


    (ان الله قد أندر وحذر وجعل الحجج، ولكل إنسان إستجابة مع ذلك تتناسب مع قابلياته واستعداداته فكلما إستجاب الأنسان لها استحق المزيد).

    مؤلفاته:-
    1- نظرات إسلامية في إعلان حقوق الأنسان ..... مطبوع
    وهو مناقشة إسلامية للائحة حقوق الأنسان التي أصدرتها الجمعية التأسيسية التي تشكلت عقيب الثورة الفرنسية 1789م.
    2- فلسفة الحد ومصالحه في الأسلام ............. مطبوع
    3- أشعة من عقائد الأسلام ..... مطبوع وهو ثلاث بحوث تتكفل بعض جوانب أصول الدين.
    4- القانون الأسلامي – وجوده – صعوباته – منهجه .... مطبوع
    5- موسوعة الإمام المهدي ((عج)) صدر منها لحد الآن:-
    أ‌- تاريخ الغيبة الصغرى ... مطبوع.
    ب‌- تاريخ الغيبة الكبرى .... مطبوع.
    ج- تاريخ ما بعد الظهور ..... مطبوع
    د- اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني ....مطبوع.
    والخامس منها مخطوط ومن الممكن أن تصل هذه الموسوعة إلى إثني عشر جزءاً وقد عبر عنها سماحة المؤلف في إحدى جلساته بأنها مفتوحة لكل سؤال يأتي للذهن حول مسألة الإمام المهدي (( عج)).

    وفي الواقع أن هذه الموسوعة قد أغنت المكتبة الأسلامية عموماً والشيعية خصوصاً بما حوته من آراء وإجابات لكثير من الأسئلة التي تدور حول قضية الإمام المهدي (( عج)) وظهوره علاوة على ما حوته من مناقشة ونقد بعض الآراء الموجودة بإسلوب فريد يشعر بدقة وعلمية في الطرح وقد أقر بذلك


    وأعجب به كل من أطلع على هذه الموسوعة الضخمة علماً إن هذه الموسوعة صدرت وقد كان عمر سماحة المؤلف حينئذ (29) عاماً تقريباً كما يجدر الأشارة إلى المقدمة الرئيسية لهذه الموسوعة فقد كتبها سماحة السيد محمد باقر الصدر ((قد)) على شكل بحث موجز حول الإمام المهدي ((عج)) وقد قال في نهاية هذه المقدمة:

    (( وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيم الذي أمامنا فإننا بين يدي موسوعة جليلة في الإمام المهدي (عج) وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزاء وهو العلامة البحاثة السيد محمد الصدر – حفظه الله تعالى – وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تاريخ التصنيف الشيعي حول المهدي (ع) في إحاطتها وشمولها لقضية الإمام المنتظر من كل جوانبها وفيها من سعة الأفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثر من النكات واللفتات ما يعبر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة وإني لأحس بالسعادة وأنا أشعر بما تملاه هذه الموسوعة من فراغ وما تعبر عنه من فضل ونباهة وألمعية وأسال المولى سبحانه وتعالى ان يقر عيني به ويريني فيه علماً من اعلام الدين)).

    6- ما وراء الفقه ... مطبوع. وهو موسوعة فقهية مؤلفة من عشرة أجزاء تحتوي على أسئلة تخص الثقافة الفقهية المعمقة. وقد طرح فيها سماحة المؤلف آراء تخص المسائل الخلافية بين الفقهاء بشيء من الإستدلال ومهمته الأساسية في هذا الكتاب شرح أهم موضوعات المسائل في الفقه مّما لم يتعرض له الفقهاء بشيء من التفصيل.
    7- فقه الأخلاق .... مطبوع في جزئين حالياًََ . وهو يبحث عن


    الأحكام الأخلاقية والمستحبات في الفقه وقد سئل سماحة المؤلف عما احتواه فقه الأخلاق فاَجاب : ((إنه جواهر بين التراب)) إشارة لما فيه من اللمحات العرفانية العقلية والبعد الفكري في شرح مضمون العبادات المستحبة والواجبة.
    8- فقه الفضاء ....... مطبوع. اشتمل هذا الكتاب على بحوث شرعية تعد نادرة وجديدة في ميدان الفقه حيث خرج بنا سماحة المؤلف في هذا الكتاب إلى التكليف الشرعي خارج نطاق الأرض وهو نقص كانت تعاني منه المكتبة الإسلامية فحاول سماحته في هذا الكتاب أن يضع خطوة من هذه الخطوات في هذا الطريق.
    9- بحث حول الكذب .............. مطبوع.
    10- بحث حول الرجعة ............. مطبوع.
    11- كلمة في البداء .............. مطبوع.
    12- الصراط القويم ........ مطبوع. وهو رسالة عملية تحتوي على فقه متكامل ومختصر في الفتاوي التي تفيد المقلدين.
    13- منهج الصالحين ..... مطبوع، وهو رسالة عملية مكونة من خمسة أجزاء محتوية على فقه فتوائي متكامل يتصف بالتفصيل والتعرض للمسائل الحديثة التي لم يتطرق إليها الفقهاء السابقون.
    14- مناسك الحج .......... مطبوع.
    15- كتاب الصلاة ............... مطبوع.
    16- كتاب الصوم .......... مطبوع.
    17- أضواء على ثورة الحسين (ع)) ......... مطبوع.
    18- مّنة المّنان في الدفاع عن القرآن ................ مخطوط. وهو مجموعة من المحاضرات التي يلقيها سماحة المؤلف على الطلبة في يومي الخميس


    والجمعة من كل أسبوع إضافة إلى أيام التعطيل الدراسي ومما تتميز به هذه المحاضرات هو روح التجدد والجراَة في نقد الآراء وتفنيدها فلقد خرق سماحة المؤلف – دامت افاضاته – عادة المفسرين في تفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة مبتدءاً بالعكس أي من سورة الناس وله في اتخاذ هذا المنهج رأي سديد طرحه في بداية البحث التفسيري حيث قال :
    (( السبب في ذلك ان من عادة المفسرين اي يرموا يثقلهم كله او جله في السور الطوال التي يبتديء بها القرآن حتى اذا وصلوا إلى المنتصف او اكثر ترددت عبارة ( كما قلنا فيما سبق) فلا يعطون السور الأخيرة حقها لانهم أجهدوا أنفسهم في المبتدأ)) . فاتخذ سماحة المؤلف هذا النهج من باب سد النقص الذي من الممكن حصوله بسبب ما قلناه وإشباع آخر القرآن بحثاً وتفسيراً لتكتمل صور التفسير العامة المشكلة من محاولات المفسرين في تفسير القرآن الكريم.
    19- دورة كاملة في علم الأصول من بحث الخارج الإستدلالي الذي حضره عند السيد الخوئي ((قد )) ......... مخطوط.
    20- دوره كامله في علم الأصول من بحث الخارج الإستدلالي الذي حضره عند السيد محمد باقر الصدر ((قد)) ... مخطوط.
    21- مباحث في كتاب الطهارة الإستدلالي في شرح العروة الوثقى من تقريرات السيد محمد باقر الصدر ((قد )).......... مخطوط.
    22- مباحث في كتاب الطهارة الإستدلالي في شرح العروة الوثقى من تقريرات السيد الخوئي ((قد )).......... مخطوط.
    23- بحث المكاسب الإستدلالي .......... مخطوط . والذي درّسه السيد أبو

    أحمد((قد)) وكانت المحاضرات تلقى باللغة الفارسية إلا إن سماحة المؤلف كان يكتب المطالب كلها خلال الدرس بالعربية.
    24- اللمعة في اَحكام صلاة الجمعة ........ مخطوط . وهي التقريرات لبحث تفصيلي عقده في شهر رمضان المبارك المرحوم سماحة الحجة إسماعيل الصدر ((قد)).

    وله عدة مشاركات أيضاً في مجلاّت عديدة كمجلةالأيمان ومجلةالنجف ومجلة العرفان اللبنانية ومجلة الأضواء وغيرها.

    كما له بحوث متفرقة في الفقة والتفسير وقواعد اللغة العربية والمقالات الإجتماعية.

    والحمد لله على أن وفقني للأختتام مصلياً ومسلماً على سيد الأنام محمد وآله البررة الكرام.


    كاظم العبادي الناصري
    26 شعبان 1417
    النجف الأشرف


    مقدمة الطبعة الأولى

    لا أريد الآن التعريف بثورة الحسين عليه السلام و لا ينبغي لي ذلك بعد أن علم الخالق والمخلوقون بأنها غنية عن التعريف بحدودها وصمودها وأرتفاعها واتساعها. ويكفي أنها هي التي صنعت التاريخ ولم يصنعها التاريخ. وهي التي قدمتم الأمثولة الكبرى للتضحية في سبيل طاعة الله بكل ما يملك الفرد من نفس ونفيس. فالتعريف بها تعريف بالمعرف والمعرف لا يعرف. وأنما يهمني الآن التعريف بهذا الكتاب الذي بين يديك، وذلك أن القاريء انما يستطيع ان ينال منه الفائدة المطلوبة إذا أتصف بالصفات التي نشير إليها وإلا فسوف يكون الأعراض له أولى وأحجى.

    أولاًُ: أن يكون موضوعي التفكير. لم يختر سلفا إتجاهاً مغايراً، بل يحاول أن يحكم عقله الخالص في كل ما يسمع من الأمور مطبقاً ذلك على الكتاب الكريم والسنة الشريفة فإنما هي المحك الرئيسي للمسلمين في تشخيص الحق من الباطل.

    ثانياً: أن يكون للفرد إطلاع كاف على تاريخ الحسين عليه السلام وأصحابه واهل بيته قبل وأثناء وبعد واقعة كربلاء. فإن سرد هذا التاريخ خارج عن اختصاص هذا الكتاب. ومن هنا تعمدت حذفه وتكلمت حوله معتمداً على الإطلاع العام في أذهان القراء عن ذلك. فإن لم يكن القاريء الكريم مطلعاً على هذا التاريخ فالأفضل له أن يراجع مصادره أولاً. ثم يراجع هذا الكتاب ثانياً.

    ثالثاً : أن يكون للفرد اطلاع كاف عن أوضاع الخطباء المذكّرين بثورة الحسين عليه السلام أساليبهم وأقوالهم. فإني أخذت هذا الواقع المعاش ولو من



    بعض جوانبه وتكلمت حوله. فإن لم يكن القارئ قد أطلع على ذلك فليسال من يعرف من الأخرين.

    رابعاً: أن يكون للفرد بعض التساؤلات عن حوادث الطف وتاريخ الحسين عليه السلام ولم يجد عنه جواباً قد دفنه في ذهنه ريثما يحيي من جديد. فإن كان من هذا القبيل فليقرأ كتابي هذا فإني كرسته لأجل هذا الغرض، وهوالجواب على أهم الأسئلة المثارة حول التاريخ الأسلامي الحسيني وأسبابه ونتائجه وتصرفات أصحابه، من حيث إمكان تصحيح ما صح عنهم وإبطال ما بطل. وينبغي الألمام سلفاً كما أشرنا في غضون الكتاب أيضاً، إلى العجز عن التعرف على الحكمة الحقيقية لتصرفاتهم (رضوان الله عليهم) كما أن المشار إليه في الكتاب هو مجموعة من الاسئلة المشهورة في الأذهان وليس جميع ما قد يخطر في الذهن نظرياً عنها. من حيث إن اثارتها أو الجواب عليها قد يثير حزازات أو مضاعفات نحن في غنى عنها في ظرف أحوج فيه إلى صقل الإيمان والدعوة إلى وحدة الكلمة بين المسلمين وزرع الألفة والحب بينهم.

    وعسى لهذا الجهد المتواضع أن ينال رضا الله عزوجل أولاً وأخيراً.ورضا القارئء الكريم وأن يعفى عما فيه من قصور وتقصير.

    و لا ينبغي وأنا في ختام المقدمة أن أهمل الاشارة إلى حاجة هذا الكتاب إلى المصادر فهو كما يراه القارئ خال منها، مع أنه أحوج الناس إليها. وما ذلك إلا لضيق تواجدها وضيق الوقت عن مراجعتها، ومن هنا أمكننا أن ندعو الله عزوجل أن يوفر الفرصة لطبعة أخرى من هذا الكتاب تكون هي الكفيلة بالمصادر جميعها إنه ولي كل توفيق

    شهر صفر الخير عام 4141


    محمد الصدر

    مقدمة الطبعة الثانية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قبل حوالي سنوات سنحت الفرصة أن أتكلم خلال عدد من المحاضرات عن الحسين (ع) وادافع عن ثورته بما أوتيت من المحاضرات عن الحسين (ع) وأدافع عن ثورته بما أوتيت من عزم في إجابة بعض الأشكالات والشبهات التي قد تخطر في الذهن ضد ذلك. فكان هذا نحو من حسن التوفيق بفضل رب العالمين.

    وكان من حسن التوفيق تارة آخرى أن سنحت الفرصة لتسجيل ذلك على الورق في زمن غير بعيد من إلقاء تلك المحاضرات، قد لا يعدو ان يكون شهراً واحداً. كما هو واضح من تاريخ تأليفه، فإني ألقيتها خلال شهر محرم الحرام وكتبتها في شهر صفر لنفس السنة. فكانت النتيجة هي هذا الكتاب بطبعته الأولى.

    وكان من حسن التوفيق ثالثاً:انني بالرغم من أنني لم أستطع نشره بشكل رسمي – لو صح التعبير – فإنه واجه رغبة عارمة في المجتمع وفي قلوب المؤمنين فتعددت طبعاته واستنساخاته في داخل العراق وخارجه. وهذا من حسن الظن الذي ينعم به الله سبحانه على عبده ويجعله في نفوس إخوانه المؤمنين.

    وعلى العادة، في أغلب ما أكتب، وأنا قليل الأمكانيات أجتماعياً واقتصادياً وعلمياً. أعني قلة الكتب والمصادر... فقد كتبت هذا الكتاب اعتماداً على حافظتي وذهني فقط. في حدود ما تصيّدت من نصوص ومفاهيم خلال



    مراجعاتي العامة خلال حياتي العلمية. ولم يكن من الممكن في العجالة إرجاع كل حديث إلى مصدره. ولئن كان عندي شيء قليل من الكتب، فإنها بلا شك لا تسمن و لاتغني من جوع في تخريج هذه المجموعة من النصوص. ولذا بادرت إلى إصداره بقوة قلب خالياً من المصادر واعتذرت عن ذلك في المقدمة وتم الأمر. و لا بأس بذلك فان الطريقة القديمة للتأليف كانت على ذلك وليس بدعاً غير مقبول من طرق التأليف. وإنما يستند في واقعة على الوثاقة الشخصية للمؤلف. كما كان السلف الصالح يستند إليها. فليكن هذا واحداً منها.

    ثم إنني فجأة وعلى غير توقع استلمت نسخة مليئة بالهوامش والمصادر.قام بها أحد الفضلاء الساكنين في سورياً. كأنه أشفق على هذا الكتاب من هذا النقص فحاول تبني الموقف جزاه الله خيراً. وهو طبع بتوقيع رمزي له وللمطبعة على ما أعتقد. وأن كان بإخراج جيد وورق صقيل.

    إلا أنه قد علق عليه بدون أن يفهم مقصودي. وأعطى لنفسه الحرية في التصرف أكثر من اللازم. ومن هنا أعتقد أنه بالرغم من جهده فإنه لم يكن موفقاً في عمله. غير أن نقطه القوة فيه هو أنه ألفتنا إلى بعض المصادر التي لم تكن تخطر على البال

    وبقي هذا الكتاب متأرجحاً من حيث المصادر حتى تصدى له جناب الأخ المفضال الشيخ كاظم العبادي الناصري دام عزه لخوض غمار هذا البحر الواسع.وتعب عليه تعباً متكاملاً وكان يعرض ما يكتبه عليّ جزاه الله خيراً. وكان المجموع هو هذا الكتاب الذي بين يديك.

    ولم يخل تعليقه من بعض النواحي من بيان بعض الأشكالات، ولو ضمناً، على المؤلف. وأنا عرفت ذلك ورضيت به، أخذاً بحرية التفكير المحفوظة لدينا في الحوزة العلمية الشريفة جيلاً بعد جيل.





    وعلى أي حال ففد كانت نتيجة اعتمادي الكامل على حافظتي وذهني في تأليف الكتاب ملفتة للنظر في التحقيق الذي قام به : أذكر منها ما يلي:

    أولاً : ان هذه المصادر التي ذكرها قد لا تكون هي نفس المصادر التي أخذت الأحاديث والنصوص منها خلال حياتي. بدليل أن بعض مصادر الهامش مما لم يصدف لي الأطلاع عليه. ولكن لا بأس. ما دام الكتاب المذكور مصدراً للنص، ولو في الجملة.

    ثانياً: أن النقل يكون أحياناً بالمعنى أو بالمضمون لا باللفظ، لوضوح أن الذاكرة أقرب إلى المعنى منها إلى اللفظ. ولكن لا بأس. ما دام المعنى موجوداً. كما يوجد دليل في الشريعة على جواز النقل بالمعنى. وهذا على أي حال، ما يتضح للقاريء خلال استعراضه للكتاب.

    ثالثاً : أنه قد يكون بعض النصوص لا توجد في المصادر إطلاقاً، وإنما وجد في الذهن إما بإعتبار الحدس واما باعتبار التصيد من عدد من النصوص أو من القواعد العامة. وأوضح أمثلة ذلك النص القائل : ( دعوا الناس على غفلاتهم) فإنني بالوجدان لا أعلم أنني أخذته من كتاب أو من مصدر آخر.

    رابعاً: أن الجهة النفسية قد تتدخل في النصوص المنقولة. ومن أوضح أمثلته ما ذكرته خلال الكتاب من أن الأمام الحسين (ع) كان يتمثل بأبيات رابعة العدوية. وقد كررته في الكتاب أكثر من مرة وهذا ما سمعته من قبل بعض الخطباء وارتكز في ذهني بصفته مناسباً لمقتضى الحال على أي حال.

    وقد استشكلوا عليّ في ذلك بإعتبار أن رابعة هذه متأخرة عن ذلك العصر، كما هو المشهور من تاريخها، فأجبته اعتماداً على ذاكرتي أيضاً: كلا فإنها كانت في زمن النبي (ص) والصحابة. إلا أنها كانت منعزلة عنهم بصفتها امرأة متزهدة. وإلى الآن اتذكر أني وجدت ذلك في بعض المصادر إلا انني


    يتعذر عليّ تذكر عنوان ذلك الكتاب.

    فهذا مختصر من تاريخ تأليف هذا الكتاب من الناحية الأجتماعية والنفسية معاً.

    بقي علي أن أشير إلى أن جناب الشيخ الذي حقق هذه الطبعة اعترض على بعض التخريجات للطبعة التي أشرنا إليها. وانه راجع تلك الكتب فعلاًولم يجد النص. كما أنه لم يجدها في مصادر أخرى. وتعليقي على ذلك: بإمكان أن تكون الطبعة مختلفة أو امكان الغفلة أوالخطأ المطبعي وغير ذلك.فالأرجح، كما فعلنا الآن هو ذكر المصدر المذكور في تلك الطبعة مع الإشارة إليها بحرف (ط) ليكون المصدر على عهدته ولئلا تبقى بعض النصوص بدون مصدر وتكون النتيجة في ذمة المفكرين الآخرين.

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

    الثالث من شهر رمضان المبارك عام 1417 للهجرة.

    محمد الصدر




    الأعتذار عن الأحاطة التامة

    نحن عندما ننظر إلى أي أمر معقد أو مربوط بالحكمة الألهية أو بتصرف أحد المعصومين من قول أو فعل أو أحد الراسخين في العلم، فسوف نواجه وعورة في السير وصعوبة في الرؤية إلى حد قد يكون أحياناً أننا نجد الباب مغلقاً أمامنا تماماً للصعود الذي نطمع به ونطمح إليه، في هذا السبيل. وذلك بعد ملاحظة الأمور التالية:

    الأمر الأول : أنه تم البرهان في مباحث العقيدة الأسلامية على أن العلم الألهي والحكمة الألهية لا متناهيان ومطلقان ولا حد لهما، وان اطّلاعه جل جلاله على الواقعيات على مختلف المستويات أكيد وثابت على أوسع نطاق. بل كل صفاته الذاتية هكذا جل جلاله وكثير من أسمائه فهو لا متناهي العلم والقدرة والحكمة والعدل والرحمة والحياة والوجود والجود والنعمة إلى غير ذلك. كما ثبت أن العقل الأنساني مهما تسامى، فهو محدود بحدود لا يمكنه ان يتعداها، كما سنشير إليه، ومن البديهي أن المحدود يستحيل أن يدرك اللا محدود . إذن فليس للأنسان أن يدرك العلم الألهي والحكمة الألهية كما هي وانما ينال منهما بقدر استحقاقه وقابليته وبمقدار عطاء الله له، و (العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء) (1).

    الأمر الثاني : أننا نشعر وجدانا بعدم إحاطتنا بالواقعيات على واقعها، لا من ناحية العقل (النظري) ولا من ناحية العقل (العملي)(2) . فإن العقل

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) الوافي للفيض الكاشاني. ج1 ص 7 . المقدمة الأولى.
    (2) العقل النظري : هو إدراك ما ينبغي أن يُعلم .
    = العقل العملي : هو إدراك ما ينبغي أن يُعمل


    لا شك يدرك عدداً من القضايا كبيراًَ جداً بوضوح تام ووجدان كامل.

    ولكنه حين يأتي إلى قضايا أخرى بعدد كبير أيضاً، فإنه يشك فيها و لا يستطيع أن يعطي حولها قناعة أو جزماً معيناً. اما لأنها غير واضحة لذاتها أو للشك في تحقق موضوعها وموردها أو لوقوعها موقع التعارض والتزاحم مع قضايا اخرى، ولعلم العقل يجهل المحصّل أو النتيجة التي ينبغي البت بها بعد التزاحم. و لاشك أننا لو كان عندنا إدراك للواقعيات لما تورطنا في مثل هذه الشكوك والجهالات.

    الأمر الثالث : أننا حين نتحدث عن أمر تاريخي كواقعة الحسين عليه السلام. فإننا يمكن أن نتمثل بهذا المثل وهو قولهم (يرى الحاضر ما لا يرى الغائب)(3) . ومن الواضح انهم كانوا حاضرين ونحن غائبون، وهم مشاهدون ونحن غير مشاهدين. إذن فليس من حقنا أن نعترض على أية واقعة تاريخية لم نشاهدها ولم نحط بها خيراً. اَذ لعل أهلها والقائمين بحوادثها قد علموا ما لم يعلم من القرائن والحوادث والعلاقات وشخصوا التكليف لهم بأن يفعلوا كذا أو يتركوه وليس لنا أن نفتح أفواهنا ضدهم بشيء ونحن غير ملمين بالموضوع من جميع جهاته. مع انهم لا شك كمعاصرين للأحداث وملاحظين لها حال وقوعها : انهم ملمون بها من جميع جهاتها.

    الأمر الرابع : أن عدداً من الأمور النظرية والعلمية، مما يتعذر على عقولنا ادراك واقعياتها، يمكن من الناحية المنطقية طرح أفكار محدودة تحمل محتملات معقولة على شكل (أطروحات) نحاول أن نجمع القرائن على صحتها من ناحية، وندفع بها الاَستدلال المضاد من ناحية أخرى. أن المشكك حين
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

    ( وهذا لتعريف ذكره نصاً سماحة المؤلف في أحدى محاضرات التفسير
    (3) مجمع الأمثال ح2 ص509 ، بتصرف.


    يطعن في أي أمر انما يطعن في حكمة فاعله وصوابه، ويحاول أن يستدل بهذا على ذلك. ومن هنا تأتي الأطروحة أو تلك لأجل حمل الفاعل على الصحة والصواب وأن فعله قابل للقبول. ومعناه ان الأستدلال الذي اراده الخصم قد فشل. إذ بدخول الأحتمال يبطل الأستدلال. لأن الأستدلال من الناحية المنطقية يحتاج إلى الجزم بنتيجته؛ وهذه الأطروحات تخلخل هذا الجانب وتطيح به، ومعه يسري الفساد إلى نتيجة الأستدلال نفسها.

    وهذا التكوين النطري(4) ، يمكن تطبيقه على كثير من حوادث التاريخ، بالنسبة إلى كثير من المعروفين السابقين وخاصة ما اذا كانوا معصومين. بل المعصومون أولى بالصحة في هذا الصدد، وأوكد من حيث قبول أفعالهم وأقوالهم، بعد ثبوت عصمتهم ببرهان ليس الآن محل ذكره. فإن لم نكن نعرف وجه الحكمة الحقيقية من بعض أمورهم فلا أقل من وجود أطروحة أو أكثر لحملها على الصحة. مما يبطل الإستدلال والتشكيك ضدهم جزماً.

    الأمر الخامس : ان الهدف أو الحكمة من كل قول أو فعل وارد عن معصوم أو غيره. لا ينحصر أن يكون هدفاً واحداً، بل يمكن أن يكون متعدداً، سواء ما نعلمه من الأهداف أو ما نحتمله منها. أو الأهداف التي تكون بالحكمة الألهية. والمهم الآن امكان تعدد الأهداف لأي تصرف. ومن هنا يمكن أن تتعدد الأطروحات المحتملة المصححة لتلك التصرفات.

    الأمر السادس : أنه ثبت في الفلسفة أن أي شيء في الخليقة فإن لوجوده نحواً من الحكمة والهدف أو قل : العلة الغائية(5)، كما يعبرون هناك

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (4) التكوين النظري : أي وجود صورة ذهنية بدون الألتفات إلى أنها موجودة في الخارج أم لا.
    (5) العلة الغائية : وهي السبب الذي لأجله يحصل الفعل. فيقول العلاّمة الحلي في كشف المراد (ان كل =



    وكل موجود مشمول لذلك، سواء كان أنساناً أم حيواناًٍ أم جماداً أم ملائكه أم غيرها من الأمور. لا يشذ عن ذلك حتى الأفعال الأختيارية للفاعلين المختارين من الناس أو غيرهم. فإنها بالرغم من أنها اختيارية منسوبة لأصحابها ويستحقون عليها المدح أو القدح، إلا انها بصفتها خلقاً من خلق الله سبحانه فهي منسوبة إليه جل جلاله. ومن ثم يكون إيجادها – طبقاً لتلك القاعدة – ذا حكمة وعله غائية.

    ومن هنا يمكن القول أو يثبت الأمر، أن أي فعل من أفعالنا فهو له نحوان من المقاصد : نحو يعود إلى الفاعل نفسه ونحو يعود إلى الخالق جل جلاله لا يختلف في ذلك فعل الأنسان البسيط عن العظيم والعالم عن الجاهل ولامعصوم عن غير المعصوم وهكذا.

    فمثلاً، يمكن القول : ان الحسين عليه السلام انما قام بحركته العظيمة، من أجل غرضه الشخصي. بينه وبين نفسه، وذلك لأجل قيامه بواجب من الواجبات الموكولة إليه والمكلف بها. تماماً كما لو صلينا صلاة الظهر امتثالاً لأمر الله سبحانه علينا وجوباً من ناحية وطمعاً بالثواب الناتج منها من ناحية اخرى. وقد أمر الله الحسين عليه السلام، كما سيأتي شرحه، بهذه الحركة، فهو يمتثل هذا الأمر. متوخياً الثواب العظيم. والمقامات العليا التي ذخرها الله سبحانه له والتي لن ينالها إلا بالشهادة.

    ومحل الشاهد الان، هو أن التساؤلات عن حركة الحسين عليه السلام، انما هو من قبيل التساؤلات عن الحكمة الالهية فيها، وليس عن الأغراض الخاصة بالحسين عليه السلام منها كما شرحناه ومن هنا يكون الأعتراض عليها أعني هذه الحركة، والطعن في أهدافها، انما هو طعن بالحكمة الألهية مباشرة
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    = فاعل بالقصد والأرادة فأنه انما يفعل لغرض وغاية ما وإلا لكان عابثاً فإن الفاعل للبيت يتصور الإستكنان أولاً فيتجلد او إلى ايجاد البيت ثم بوجد الأستكنان بحصول البيت) . نقذ ص 95 ط قم.



    وليس في اَغراض الحسين عليه السلام منها. لأن أغراضه الشخصية لم تكن – بكل بساطة – الا الأمتثال وتحصيل الثواب. شأنه في ذلك شأن أي مؤمن آخر يمتثل عملاً واجباً أو مستحباً.

    الأمر السابع : أننا لا ينبغي، ونحن ننظر إلى فهم التاريخ الأسلامي، أن ننظر إلى القادة المعصومين سلام الله عليهم كقادة دنيويين ، كما عليه تفكير طبقة من الناس، يدّعون التمسك بالفكر الديني ولكنهم متأثرون بالأتجاه المادي الدنيوي. فهم يعتبرون المعصومين قادة دنيويين كبراء. بل هم بهذه الصفة خير من خير القادة الموجودين خلال العصور كلها. في اتصافهم بعمق التفكير وحصافة الرأي وشجاعة التنفيذ ونحو ذلك. ومعه يكونون هم المسؤولون عن أهداف حركاتهم وأقوالهم وأفعالهم ولا تكون تلك الأمور منسوبة إلى الحكمة الإلهية بأي حال.

    إلا انني أعتبر ذلك خطأ لا يغتفر، بل لا بد في النظر إليهم كقادة، من أخذ كل الأصول الدينية والعقائد الصحيحة بنظر الأعتبار. وقد ثبت أنهم معصومون مسددون من قبل الله سبحانه. فالسؤال عن الحكمة لا بد وان يكون راجعاً إلى الحكمة الإلهية لا إلى آرائهم الشخصية مهما كانت مهمة.

    وأوضح دليل على ذلك : هو أننا إذا أعتبرناهم قادة دنيويين، فإننا ينبغي ان تعترف بفشهلم في كثير من المهمات التي قاموا بها فعلاً. وتكون كثير من أفعالهم خالية من الحكمة والمصلحة، بل تكون واضحة الفشل من الناحية الدنيوية. فمثلاً أن الأمام الحسين عليه السلام قد خرج إلى الكوفة وبالتالي إلى كربلاء وهو يعلم انه سوف يموت وان عائلته سوف تسبى. وليس الأمر منحصراً به. بل يعلم بذلك عدد مهم من الناس. ومن هنا نصحه المتعددون أن



    يعيد النظر في عمله ويستدرك مهمته(6). ولكنه مع ذلك كان مهتماً بها مقبلاً عليها، مهما كانت النتائج. فلو نظرنا إليها نظراً دنيوياً لكانت في نظرنا حركة فاشلة تماماً. واذا جردنا من الأمام الحسين عليه السلام قائداً دنيوياً كان رأيه خالياً من الرشد والحكمة، وحاشاه.

    إذن، فالأمر لا بد عائد إلى الأمر الإلهي والحكمة الإلهية، والله سبحانه يريد بإيجاد هذه الحركة أهدافاً تعدل هذه التضحيات الجسام التي قدمها هذا
    ــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (6) ونذكر لك بعضاً من الذين كانوا مشفقين على الحسين (ع) ونصحوه بعدم الخروج وهم:
    أولاً : المسوّر بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري – تاريخ أبن عساكر ج13 ص69
    ثانياً : عبد الله بن عباس – وسيلة المال في عد مناقب الآل ص 687 مقاتل الطالبين
    الكامل لابن الأهير ج3 ص276
    ثالثاً : عبد الله بن جعفر – تاريخ الطبري ج6 ص219 – البداية والنهاية ج8 ص163 - البحار ج44 ص366 .
    رابعاً : أبو بكر المخزومي بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي القرشي وهو أحد الفقهاء السبعة ولد في خلافة عمر وكان يقال له راهب قريش لكثرة صلاته وكان مكفوفاً وهو من سادات قريش توفي سنة 95 هـ - مروج الذهب ج3 ص6 . الطبري ج6 ص216 .
    خامساً : عبد الله بن جعدة – أنساب الأشراف ج1 ق1 .
    سادساً : جابر بن عبد الله – تاريخ الأسلام للذهبي ج1 ص342.
    سابعاً : عبد الله بن مطيع – العقد الفريد ج3 ص133 - البحار للمجلسي ج44 ص371 .
    ثامناً : عمرو بن سعيد – تاريخ ابن عساكر ج13 ص70 .
    تاسعاً : محمد بن الحنفية – تاريخ الأسلام للذهبي ج1 ص342 ج3 ص276 البحار ج44 ص331
    عاشراً : السيدة أم سلمة – أسرار الشهادة للدربندي ص192 البحار ج44ص331 .
    الحادي عشر : عبد الله بن الزبير – تاريخ أبن عساكر ج13 ص67 - البحار ج44 ص364 .
    الثاني عشر : عبد الله بن سيمان والمنذر بن المشمعل الأستيان – البحار للمجلسي ج44 ص373
    - الكامل لابن الأثر ج4 ص17
    - اسرار الشهادة ص230.
    الثالث عشر : الطرمّاح بن الحكم – البحار للمجلسي ج44 ص369 أسرار الشهادة ص226 .
    الرابع عشر : عبد الله بن عمر - أسرار الشهادة ص220 منير الأحزان لأبن لما الحلي – اللهوف لأبن طاووس البحر ج44 ص365 .




    الأمام العظيم سلام الله عليه، والأمام نفسه مؤيّد ومسَدّد من قبل الله سبحانه، ومن هنا استطاع أن يعلم بنحو أو آخر بالأمر الإلهي المتوجه إليه بإيجاد هذه الحركة. اما بالأمر الموروث إليه من قبل جده رسول الله صلى الله عليه وآله. أو بالعلم اللدنّي (7) أو التسديد الإلهي الموجود لديه كواحد من المعصومين عليهم السلام.

    وهنا يمكن أين يُستدل ببعض الأدلة الدينية على امكان النظر إلى المعصومين (ع) كقادة دنيويين، نذكر منها أهمها، كما يلي:-
    الدليل الأول : قوله تعالى ( وشاورهم في الأمر)8 . الدالة على أن النبي (ص) مأمور بمشاورة أصحابه في اموره، وهو انما يحتاج إلى هذه المشاورة بصفته قائداً دنيوياً أو لو كان مؤيداً ومسدداً لما احتاج إلى هذه المشاورة. ثم أنه اذا ثبت ذلك للنبي (ص) بنص الأية الكريمة، ثبت في غيره من المعصومين بطريق أولى، بصفته خيرهم وأعظمهم. ويمكن الجواب على ذلك من وجوه نذكر بعضها:-

    الجواب الأول : أننا اذا أمكننا أن نجرد من أي قائد معصوم قائداً دنيوياً، فلا يمكن أن يكون ذلك محتملاً في حق النبي (ص). لأن ذلك الأتجاه الفكري، اذا حصل تشكيكه في كون سائر المعصومين ذوي تأييد وتسديد ألهيين، فانه لا
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (7) العلم المدّني : وهو علم ربّاني لهامي والعلم المدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري عزوجل. وها هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف (تفسير القاسمي ج11 ص 4097 نقلاً عن الغزالي) ونجد مصداق هذا العلم في قوله تعالى (فوجدا عبداً من عبادنا ءاتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لّدنا علما) الكهف اية 65 أي علم لا صنعة فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى يحصل من طريق الأكتساب والدليل على ذلك قوله (من لدنا) فهو علم وهبي غير اكتسابي يختص به أولياءه وآخر الأيات تدل على أنه كان علماً بتأويل الحوادث ((الميزان ج 13 ص342)).
    (8) آل عمران آية 159.



    يمكن ذلك في نبي الأسلام (ص). لأن ذلك الأتجاه الفكري يعترف بالأسلام، واعترافه هذا معناه الأعتراف بنزول الوحي على النبي (ص) في القرآن وغير القرآن، و لا نعني من التسديد الإلهي إلا ذلك. واذا نفينا ذلك، فمعناه نفي نزول الوحي على النبي (ص)، بصفته قائداً دنيوياً كما يعتبرون، اذن، فسوف يكون ذلك كفراً بالإسلام وخروجاً عنه. وبالتالي فلا يمكن أن يجتمع الأيمان بالأسلام مع افتراض أن يكون النبي (ص) قائداً دنيوياً غير مسدد. ومن الواضح أن هذه الأية الكريمة التي ذكرها المستدل نازلة على النبي (ص) فانه لا يكون غيره اولى بذلك منه، كما ذكره في الأستدلال.

    الجواب الثاني : أننا يمكن أن نناقش دلالة الآية على ذلك من عدة وجوه:-

    الوجه الأول : ان الآية الكريمة بنفسها دالة على أن هؤلاء الذين يكون النبي (ص) مأموراً بمشاورتهم، هم أناس واطئون من الناحية الثقافية والأيمانية، ومن الواضح أن مشاورة مثل هذه الطبقة لا تكون منتجة للنتائج العظيمة التي يتوخاها المستدل. ودلالتها على ذلك في عدد من فقراتها كما سنرى. فانه تعالي يقول ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك. فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (9) .

    فأولاً : قوله : (فبما رحمة من الله لنت لهم) يعني لولا هذه الرحمة المتزايدة، كما استحقاقهم هو الغضب عليهم وانتقاد تصرفاتهم والجزع من

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (9) آل عمران أية 159


    معاشرتهم.

    ثانياً : قوله : (لا نفضوا من حولك) بعنوان أن النبي اذا كان غليظ القلب فسوف يقسو عليهم بالنصيحة والتوجيه اذن فسوف يضيقون به ذرعاً.

    ويتركونه. وهذا الدليل على ايمان متدن. اذا لو كان الأيمان عالياً لكان اللازم لهم اتباع النبي (ص) على كل حال حتى لو ضرب ظهورهم أو أعناقهم.
    ثالثاً : قوله : (فاعف عنهم) الدال على أنهم مذنبون في حقه يحتاجون إلى العفو عنهم.
    رابعاً : قوله : ( واستغفر لهم) الدال أنهم مذنبون أمام الله سبحانه يحتاجون إلى استغفار. وهذا هو فرقه عن الوجه السابق.
    وبالعفو عنهم والأستغفار لهم سوف تزداد رحمة النبي (ص) وعطفه علهيم. وبالتالي فأن الأحجى والأرجح به (ص) أن لا يعامهلم حسب استحقاقهم بالعدل بل حسب مقتضيات الرحمة الإلهية، فان ذلك أفضل للمصلحة العامة.

    وعلى أي حال. فمشاورتهم وهم بهذا المستوى المتدني، لا ينتج نتائج القيادة النبوية، ولا يكون مطابقاً للحكمة الحقيقية على أي حال.

    ومن هنا لا يكون قوله : (فإذا عزمت) يعني نتيجة للمشاورة معهم، بل نتيجة للأسباب الحقيقية لذلك العزم بما فيها لاوحي الإلهي.

    الوجه الثاني : للجواب على الأستدلال بالأية الكريمة:
    أن قوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر) ليس بمعنى المشاورة الحقيقية التي يريد أن يفهمها المستدل. بل هي شكل من أشكال التخطيط السلوكي يجعله الله سبحانه للنبي (ص) بقوله تعالى : (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في

    الأمر). لكي ينال النبي (ص) مصالح عامة عديدة، يمكن أن نفهم منها مايلي:
    أولاً : أن يهديهم بسلوك الرحمة والشفقة معهم.
    ثانياً ك أن يكفي شرّذي الشر منهم.
    ثالثاً : ان مشاورتهم نحو من الأختبار والأمتحان لهم، ليرى النبي (ص) عملياً أنهم ناصحون له في الأراء التي سيبدونها والأقتراحات التي يقولونها أم لا.
    رابعاً : ان مشاورتهم نحو من التدريب لهم على هذا الأسلوب حين يكونون هم محتاجون إلى مشاورة غيرهم، فلا ينبغي أن يتكبروا عن ذلك بعد أن كان نبيهم (ص) يتخذ هذا الأسلوب بنفسه. وهم لا شك أنهم محتاجون إلى المشاورة في تاريخ حياتهم الطويل، لانهم ليسوا معصومين، وقد يصبحون موجودين في زمان ومكان خال من معصوم يمكنهم الأهتداء برأيه والأستعانة بتسديده، كما كانوا يعتمدون على النبي (ص).

    الوجه الثالث : ان هذا الأمر في هذه الآية الكريمة يمكن أن يكون وارداً بعنوان ((اياك أعني فاسمعي يا جاره))(10) يعني ان يكون المخاطب بها النبي (ص) والمراد غيره. وعندنا عدد من الموارد القرآنية على هذا النحو كقوله تعالى (عبس وتولى أن جآءه الأعمى وما يدريك لعلّه يزّكى أو يذّكّر فتنفعه
    ____________________
    (10) يضرب هذا المثل لمن يتكلم بكم ويريد به شئيا غيره وأول من قام ذلك سهل بن مالك الفزاري. ذلك أنه مر ببعض أحياء طّي فسأل عن سيد الحي فقيل له حارث بن لأم . فأم رحله فلم يصبه شاهداً فقالت له أخته أنزل في الرحب والسعة فوقع في نفسه منها شيء فدلس بقباء الخباء يوماً وهي تسمع كلامه فجعل ينشد ويقول
    يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزارة
    أصبح يهوى حرةً معطارة أياك أعني فاسمعي يا جارة
    مجمع الأمثال ج1 ص83 – بتصرف – الفاخر لأبي طالب المفضل ص 158 – بتصرف- .



    الذكرى)(11) . إلى آخر المورد. وكقوله تعالى : ( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)(12) . إلى غير ذلك من الموارد.

    الوجه الرابع : أننا لو تنزلنا عن قبول الوجوه السابقة ، فمعنى ذلك : أن ظاهر القرآن الكريم دال على حاجة النبي (ص) إلى مشاورة غيره من البشر. وليس مؤيداً ولا مسدّدا بالوحي الإلهي والحكمة الإلهية. فيكون هذا الظهور غير محتمل دينياً على الأطلاق. وكل ظهور قرآني أو غيره ينافي القواعد العامة العقلية أو النقلية. فانه يسقط عن الحجية ولا بد من تأويله بحيث يوافق تلك القواعد. فإننا اذا تنزلنا وقبلنا في حق أي معصوم أنه قائد دنيوي، فلا يمكن ذلك بالنسبة إلى النبي (ص) قائد بني الأسلام، والقول بذلك خروج عن دينه الحنيف.

    وبهذا ينتهي الحديث عن الأستدلال بالآية الكريمة.

    الدليل الثاني : لإمكان أن نحمل القائد المعصوم على أنه قائد دنيوي : أننا مكلفون بعرض محاسن الدين الأسلامي للكفار والفساق والدنيويين عموماً – لو صح التعبير – ومن الواضح أن هذه الطبقات لا تؤمن بالمعصوم معصوماً، بل غاية ما يستطاع اقناعهم به هو كونه قائداً دنيوياً فذا حكمياً رشيداً ناجحاً في قيادته. فاذا توقف عرض محاسن الأسلام عليهم على هذا النحو من التفكير أصبح صحيحاً ومتعيناً.
    ________________________


    (11) سورة عبس آية (1-4)
    (12) سورة الحاقة آية (44-46).



    وجواب هذا الدليل: أن الصحيح – رغم كل ذلك – ليس هو ذلك. فان هؤلاء غير المتدينين بالأسلام، والمشار إليهم في الدليل يمكن تقسيمهم إلى عدة أقسام في حدود ما ينفعنا في المقام.

    القسم الأول: أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه موافق لنا في المذهب فلا يحتاج إلا إلى تفهيمه بحقيقة عقيدته وصفات قادته في صدر الأسلام.
    القسم الثاني : أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه يتخذ أي مذهب آخر من مذاهب الأسلام الرئيسية. فيتم تفهيمه بالحقيقة عن طريق عرض التواريخ الواردة إلينا من جميع علماء وقادة الأسلام الأوائل. من حيث ان كل المذاهب تعتقد بالضرورة لقادتها كرامات ومعجزات وتأييدات الهية ونحو ذلك. مما يكاد أن يكون بالغاً حد التواتر، فالأمر ليس خاصاً بمذهب دون مذهب، بل هو أمر متفق عليه بين سائر المذاهب. فحيث أن كل المذاهب تعتقد به، فلا ضير على أي مذهب أن يعتقد به.
    القسم الثالث: أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه يعتنق ديناً آخر غير الأسلام، وأهمّه النصرانية واليهودّية. فمثل ذلك يتم تفهيمه بالحقيقة عن طريق عرض التواريخ الواردة في دينه نفسه عن قادته الأوائل من حيث أن دينه قائم على ذلك بل كل الأديان قائمة عليه، وهو أمر متسالم بينها، على أن جميع الأنبياء والأولياء وأضرابهم أصحاب معجزات وكرامات وألهامات وتسديدات، فلا ضير على أي شخص اذا اعتقد ذلك في قادة دينه.

    وهذه التوراة وهذا الأنجيل الموجودان طافحان بذلك في عشرات بل مئات المواضع منها. كما هو واضح لمن يراجعها. والنسخ منها متوفرة في كل العالم بلغات عديدة والرجوع إليها سهل. مما يوفر علينا مهمة الأستشهاد السريع على ذلك بل الأمر يتعدى النصرانية واليهودية إلى غيرها من الأديان


    كالبوذية والهندوسية والسيك وغيرهم، فإنهم جميعاً يؤمنون لقادتهم بشكل وآخر حياة مليئة بالكرامات والتسديدات، ومن ثمّ فهم ليسوا من قبيل البشر الأعتياديين على أي حال.

    القسم الرابع : أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه ملحد لا يعتقد أي دين. فمثل هذا الفرد أو هذا المستوى لا يمكن البدء معه بالتفاصيل، بل لا بد من البدء معه بالبرهان على أصل العقيدة لنصل معه بالتدريج إلى التفاصيل.

    واذا تم كل ذلك، لم يبق دليل على امكان التنزّل عن الأعتقاد بالعصمة لقادتنا المعصومين عليهم السلام، وكذلك ثبوت التأييد والتسديد الإلهي لهم.

    كما ثبت وجوده بالدليل، وليس هنا محل تفصيله. اذن، مقتضى الأدب الأسلامي الواحب أمامهم هو التسليم لأقوالهم وأفعالهم بالحكمة. وانها مطابقة للصواب والحكمة الإلهية. والتوقيع لهم على ورقة بيضاء – كما يعبرون – ليكتبوا فيها ما يشاؤون. وهذا من مداليل وجوب التسليم المأمور به في الآية الكريمة. وهو قوله تعالى : ( أن الله وملآئكته يصلُون على النَبيِ يآ أيّها الّذين آمنوا صلُوا عليه وسلّموا تسليماً)(13) .

    واذا ثبت لنا بنص القرآن الكريم عن النبي (ص) أنه (ليس لك من الأمر شيء)(14) وأن (الأمر كلّه لله)(15) مع أنه خير الخلق وأفضلهم وأولاهم بالولاية. وقد نص القرآن الكريم على الأطراء عليه ووصفه بأوصاف عالية


    _________________________

    (13) سورة الأحزاب آية 56.
    (14) سورة آل عمران أية 128
    (15) سورة آل عمران أية 154


    جداً، فهي في العديد من أياته، كقوله : ( وإنَك لعلى خلق عظيم)(16) وقوله ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى)(17) وقوله : (سيؤتينا الله من فضله ورسوله)(18) وقوله (مطاع ثم أمين)(19) وقوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)(20) وقوله ( محمد رسول الله ) (21) إلى غير ذلك. فمن تكون له هذه المزايا العظيمة وغيرها مما نعرف أو لا نعرف، يستحق حسب فهمنا أن يكون الأمر بيده. ومع ذلك فان الله سبحانه ينص على نفي ذلك: (ليس لك من الأمر شيء) (22) واذا كان خير الخلق كذلك فغيره أولى بذلك.

    اذن، فليس شيء من تصرفات المعصومين عليهم السلام مما يرتبط بالمصالح العامة، مؤكل إليهم و لا ناتجاً عن رأيهم. وانما هو وارد إليهم من الحكمة الإلهية. أما عن طريق جدهم النبي (ص) أو عن طريق التسديد الإلهي الخاص بأي واحد منهم.


    ¬ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ


    (16) سورة القلم أية 4
    (17) سورة النجم آية 3 -4
    (18) سورة التوبة آية 59
    (19) سورة التكوير آية 21
    (20) سورة النساء آية 59
    (21) سورة الفتح آية 29
    (22) سورة آل عمران آية 128


















    تعارض الروايات

    هناك اشكال موجود في عدد من الأذهان، يفيد الجواب عليه بصدد المعنى الذي تحدثنا عنه.يحسن عرضه ومحاولة الجواب عليه: فإنه قد يخطر في الذهن :ان الروايات متعارضه في نسبة التأييد والتسديد إلى المعصومين سلام الله عليهم، فبينما عدد من الروايات تنص على وجوده كالمضامين التالية: (( ان الأمام اذا أراد أن يعلم شئياً أعلمه الله تعالى به))23 . وقولهم (( اننا نزداد في كل جمعة ولولا ذلك لنفذ ما عندنا)) (24) وقولهم : ((ان الأعمال تعرض على الأمام عليه السلام في كل عام في ليلة القدر))(25) وقولهم : (( ان العلم على اقسام : خطور في البال وقرع في السمع ونكت في القلب)) (27) . وانما يتحدثون عمن هو دون النبي (ص) للتسالم على نزول الوحي عليه. فلا حاجة له إلى كل ذلك.واذا تم ذلك إجمالاً لغيره كان المعصومون اولى به من غيرهم. ويندرج في ذلك قول النبي (ص) لعلي عليه السلام:
    ________________

    (23) أصول الكافي للكيليني ج1 باب 101 ص258 الحديث الثالث.بتصرف بصائر الدرجات ج7 ص315.
    (24) أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج1 ص185 بصائر الدرجات ج2ص213 .
    (25) أصول الكافي للكيليني ج1 ص251 الحديث الثامن بتصرف واقتضاب.
    (26) بصائر الدرجات للصفار ج9 ص148 . ملحق بنفس الرحمن النوري (قد).
    (27) أصول الكافي ج1 ص264 الحديث الثالث بتصرف أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج1 ص191



    (( انك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع))(28) وقوله أيضاً: (( يا علي ما عرف الله الا انا وأنت))(29) إلى غير ذلك من ألسنة الروايات.

    في حين يوجد في بعض الروايات ما يدل على ضده. أما بمضمون قول الأمام عليه السلام: (( انني ربما بحثت عن الجارية فلم أجدها))(30) . مع أنها في الغرفة المجاورة. وأما بمضمون قوله: (( لم أدّع ولم يدّع أحد من آبائي أننا نعلم الغيب))(31) .

    وفي مثل ذلك: قد يقول المستشكل :أن الروايات هنا متعارضة والروايات المتعارضة تسقط عن الحجية. واذا سقطت عن الحجية لم يبق دليل على وجود الألهام والتسديد للمعصومين (ع) غير النبي (ص)، لأن الطائفة الدالة على ذلك تكون قد سقطت بالمعارضه.

    ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه نذكر أهمها:
    الجواب الأول: أن مضمون الطائفة الثانية الدالة على حيرة الأمام عليه السلام في البحث عن الجارية ونحو ذلك. انما يكون في الحكمة الإلهية لدفع احتمال الربوبية عنهم عليهم السلام. لأن من تكون له مميزات عليا ومهمة، لا شك ان الناس بالتدريج قد تعتقد به الربوبية.

    وهذا ما حصل فعلاً في التاريخ لعدد من الناس كعلي عليه السلام وبوذا والمسيح وغيره. وهذا ما لا يريد الله حدوثه وسريانه في المجتمع رحمة بالناس عن الضلال والجهل.

    فمن هنا تحصل هذه الحوادث البسيطة أمام الناس، لكي يندفع أحتمال
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (28) نهج البلاغة. تحقيق د. صبحي الصاّالح . خطبة 192 ص 301
    (29) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص38 و ص 165 – مختصر البصائر ص125.
    (30) بصائر الدرجات ص 57. اصول الكافي على هامش مرآة العقول ج1 ص 186.
    (31)مرآة العقول للمجلسي ج3 ص 112. (ط)


    الربوية بوضوح وبالحس وبالعيان. وهذا لا يعني أنهم أناس عاديون، بل يبقى مضمون الطائفة الأولى من الأخبار الدالة على التسديد لهم قائماً.

    الجواب الثاني: أن مضمون الطائفة الثانية الدال على حيرة الأمام عليه السلام في البحث عن الجارية ونحوها، يكون في الحكمة الإلهية، لأثبات السيطرة الإلهية والقهر الإلهي على المعصومين، لكي يفهم الناس أجمعون أن هذه المميزات التي دلت عليها الطائفة الأولى وغيرها، انما هي هبات من الله سبحانه وليس قائمة بهم ذاتا. فا لله هوالذي شرفهم وطهرهم وعلمهم واجتباهم وهداهم وعظّهم وسدّدهم وعصمهم إلى غير ذلك من الصفات.

    ولو انقطعوا عن العطاء الإلهي طرفة عين، أو أوكلوا إلى أنفسهم طرفة عين، لكان في الأمكان انقطاع كل هذا العطاء الإلهي. ولذا ورد عن الأمام: ( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً و لا أقل من ذلك ولا أكثر يارب العالمين)) (32).

    فلأجل اثبات السيطرة الإلهية والتحسس بالعطاء الإلهي باستمرار، يكون مضمون الطائفة الثانية من الأخبار. حتى يكون محسوساً أن الأمام مهما كان عظيماً، فانه اذا أوكل إلى نفسه فسوف يحتار في مكان الجارية ولم يتسطيع ان يجدها. والأمر في كل شيء هكذا أيضاً.

    الجواب الثالث : ان المعصومين عليهم السلام عموماً، بما فيهم النبي (ص) وغيره لهم عالمان: عالم الظاهر الذي يعايشون به الناس وعالم الباطن الذي يتصلون عن طريقه بالله سبحانه. ويأخذون منه التسديد والتأييد . ومن الممكن القول: ان لكل من هذين العالمين قوانينه وقواعده الخاصة به. وأن كلاً من هذين العالمين يؤثر ويشتغل بالأستقلال عن العالم الثاني. ومن هنا كانت
    _____________________________________
    (32) مفاتيح الجنان ص 596


    الطائفة الأولى من الروايات وهي الدالة على الألهام والتسديد، تعبيراً عن العالم الباطن لهم عليهم السلام. والطائفة الثانية الدالة على حيرة الأمام في البحث عن الجارية تعبيراً عن العالم الظاهر لهم عليهم السلام. فتكون كلتا الطائفتين صادقة في حقهم عليهم السلام.

    إلا ان هذا الجواب بالذات لا ينبغي المبالغة في نتائجه، لأننا لو أخذناه على سعته للزم منه: أنهم عليهم السلام لا يستعملون الألهام الباطني في علاقاتهم الظاهرية على الأطلاق. وهذا غير صحيح بكل تأكيد. ومن موارد النقض على ذلك تصريح الأمام الحسين عليه السلام بمقتله قبل خروجه إلى العراق(33) ، إلى غير ذلك الكثير منهم سلام الله عليهم.

    نعم ، يمكن أن يكون ذلك مبرراً لبعض الأمور فقط. كالذي ورد في الطائفة الثانية من المضمون، وكذلك يصلح أن يكون أحد التفاسير لإقبالهم سلام الله عليهم على الموت عن اختيار وطواعية. فقد يكون بعنوان غفلتهم عن نتائج ذلك المخطط، أخذاً بجانب الظاهر من الحياة الدنيا. على أن لذلك عدة مبررات أخرى قد نتعرض لها في مستقبل هذا البحث.

    هذا، وأما نفيهم سلام الله عليهم عن أنفسهم تلقي الوحي (34) . المراد به أحد أمور:

    الأمر الأول : التقية في مقابل الأرجاف بذلك من قبل المغرضين.
    الأمر الثاني : أن المنفي في الرواية هو عدم ادعاء ذلك. وهو لاينفي وجوده الواقعي لهم.
    ــــــــــــــــــــــــــ

    (33) اللهوف لأبن طاووس ص 12 – مثير الأحزان لأبن نما الحلي ص 33 – ألأسرار الشهادة ص 223
    (34) المختصر للشيخ حسن بن سليمان الحلي. ص 20 . وهذا المعنى موجود أيضاً في نفس الرواية التي تقول (اني أبحث عن الجارية فلا أجدها).


    الأمر الثالث : أن المنفي عن الرواية هو الوحي الخاص بالنبوة(35) . اذا لا أشكال بنزول الوحي على شكل آخر على عدد من الخلف منهم انسان وحيوان، كأم موسى ومريم بنت عمران والنحل(36) وغيرهم بنص القرآن الكريم. فليس غريباً أن ينزل الوحي، بسبب رحمةالله ونعمته، على أعاظم الخلق عند الله سبحانه، بما فيهم المعصومون سلام الله عليهم.


    ________________
    (35) وهو نوع من أنواع الأيحاء يكون بالخطاب. أي يسمع فيه النبي كلاماً موجهاً إليه من قبل جبرائيل (ع) أو الله سبحانه وتعالى مباشرة.
    (36) لأم موسى - ) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) سورة طه آية 38 ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) سورة القصص آية 7.
    مريم بنت عمران – (فأرسلنا إليها روحنا) سورة مريم آية 17 ( واذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ......... ) آل عمران أية 42.
    النحل – ( واوحى ربك إلى النحل) سورة النحل آية 68.


    اصحاب المعصومين

    اذ قد يخطر في الذهن السؤال، عما اذا كان أصحاب المعصومين رضوان الله عليهم، وبعض الخاصة من أقاربهم، كالعباس بن علي ومسلم بن عقيل وحبيب بن مظاهر الأسدي (37) وأضرابهم، ايضاً يمكن حمل أقوالهم وأفعالهم على الصحة والحكمة كالمعصومين سلام الله عليهم. مع أنه لا ملازمة في ذلك. للأحتمال الراجح بل المتعين أن للعصمة دخلاً في الألهام والتوجيه لهم عليهم السلام، وهي غير متوفرة في أصحابهم عليهم الرضوان. فلا يكون الدليل السابق شاملاً لهم. فإن كانت النتيجة صحيحة، أعني مطابقة أعمالهم للحكمة، فلا بد أن يكون ذلك بدليل آخر، لا بنفس الدليل السابق.

    وجواب ذلك : أن الدليل على ذلك متوفر في عدد من خاصة أصحاب الأئمة سلام الله عليهم وذلك لعدة وجوه:

    الوجه الأول : أن مثل هؤلاء الخاصة معصومون بالعصمة غير الواجبة،
    ________________

    (37) حبيب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر الأسدي الفقعسي . أجمع أرباب المصادر أنه كان شخياً صحابياً مما رأى النبي (ص) وسمع وروى حديثه ونزل الكوفة وصحب أمير المؤمنين (ع) وحضر معه جميع حروبه وكان من شرطة الحميس وهو ممن كاتب الحسين للقدوم إلى الكوفة وكانت له مواقف مسجلة في صفحات التاريخ مع مسلم بن عقيل وآخذ البيعة للحسين على يده. وبعد قتل مسلم وهاني اختفى في بيته وعشائرة فراراً من السلطة آنذاك . وبعد أن ورد إليه رسوم الحسين يخبرة بنزول الحسين كربلاء خرج ومعه غلامه متخفياً حتى وصل كربلاء قبل اليوم العاشر منالمحرم فكانت له يوم الطف أيادي بطولية ومواقف مركزة في جانب المعسكر الحسيني بحيث يقول التاريخ عنه (أنه لما قبل حبيب هد مقتله الحسين (ع)).مقتل آل بحر العلوم ص489


    كما أن الأئمة معصومون بالعصمة الواجبة، فإن العصمة على قسمين :-

    القسم الأول: العصمة الواجبة، وهي التي دل الدليل العقلي على ثبوتها بالضرورة للأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام. كما هو مبحوث في العقائد الأسلامية. وهذه المرتبة عطاء من قبل الله إليهم، لا ينالها غيرهم ولا يمكن أن يكون الدليل عليها دليلاً على غيرهم أيضاً.

    القسم الثاني العصمة غير الواجبة، وهي مرتبة عالية جداً من العدالة، والإنصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه، بحيث يكون احتمال صدورالذنب عن الفرد المتصف بها نادراً أو منعدماً، لمدى الملكة الراسخة لديه والقوة المانعة عن الذنوب فيه.

    وفكرتها نفس الفكرة السابقة لأن معناها واحد من الناحية المنطقية، الا انها تفرق عنها ببعض الفروق:

    أولاً: عدم شمول البرهان على العصمة الواجبة للعصمة الأخرى.
    ثانيا : عدم شمول العصمةالواجبة للخطأ و النسيان بخلاف الأخرى.
    ثالثاً: ملازمة العصمة الواجبة مع درجة عالية من العلم، بخلاف الأخرى فإنها قد تحصل لغير العالم كما تحصل للعالم.
    رابعاً : انحصار عدد أفراد المعصومين بالعصمة الواجبة بالأنبياء والأوصياء. وأما العصمة الأخرى فبابها مفتوح لكل البشر في أن يسيروا في مقدماتها وأسبابها حتى ينالوها، وليست الرحمة الإلهية خاصة بقوم دون قوم.

    إذا عرفنا ذلك،أمكننا القول بكل تأكيد : أن عدداً من أصحاب الأئمة عليهم السلام معصومون بالعصمة غير الواجبة هذه. ومعه يتعين حمل أقوالهم وأفعالهم على العصمة والحكمة، شأنهم في ذلك شأن أي معصوم.

    الوجه الثاني : أن أمثال هؤلاء الأصحاب والمقربين للأئمة عليهم


    السلام، قد ربّاهم المعصومون عليهم السلام، وكانوا تحت رعايتهم وتوجيههم وأمرهم ونهيهم ردحاً طويلاً من الزمن، إلى حد يستطاع القول انهم فهموا الأتجاه المعمق والأرتكازي –لو صح التعبير- للمعصومين سلام الله عليهم. ومن هنا كان بإستطاعتهم ان يطبقوا هذا الأتجاه في كل أقوالهم وأفعالهم.

    كما يستطاع القول : أن الأصحاب رضوان الله عليهم تلقوا من الأئمة عليهم السلام توجيهات وقواعد عامة في السلوك والتصرف أكثر مما هو معلن بين الناس بكثير. بحيث أستطاعوا ان يطبقوا هذه القواعد طيلة حياتهم.

    الوجه الثالث : أن هؤلاء من خاصة الأصحاب هم من الراسخين في العلم، وقد أصبحوا كذلك لكثرة ما سمعوا ورووا عن المعصومين (ع) ابتداء بالنبي (ص) وانتهاء بالأئمة عليهم السلام، من حقائق الشريعة ودقائقها وأفكارها.

    وقد يخطر في البال : أن عنوان (الراسخون في العلم)(38) خاص بقسم من الناس ولا يمكن أن يشمل قسماً آخر. فهو خاص اما بالأئمة المعصومين عليهم السلام أو بمن هو معصوم بالعصمة الواجبة بما فيهم الأنبياء عليهم السلام . وأما شمول هذا العنوان لغيرهم فهو محل اشكال. وخاصة بعد ان ورد في بعض الروايات (39) تفسيره بأحد هذين المعنيين.
    وجوابه : أن أخص الناس ممن يمكن اتصافه بهذه الصفة هم المعصومون عامة والأئمة خاصة، وهم القدر المتيقن من هذا العنوان، أعني الراسخين في العلم. وهم فعلاً كذلك . ولا يمكن أن يضاهيهم بدرجتهم أحد. ومن هنا ورد التفسير في ذلك (40) الا أن هذا لا ينافي أن يكون الباب مفتوحاً لكثرين في ان
    ________________________
    (38) سورة آل عمران آية 7.
    (39) أصول الكافي للكليني ج1باب 77 ص 213.
    (40) مجمع البيان للطرسي ج2 ص 701.


    يتصفوا بهذه الصفة. بعد ان يصلوا إلى جرجات عالية من طهارة النفس والأخلاص واليقين. وان اهم وأخص من يمكن ان يتصف بذلك هم أصحاب الأئمة عليهم السلام. ممن تربوا على أيديهم وانصاعوا إلى توجيهاتهم.

    فإذا تم لنا ذلك أمكننا أن نعقب عليه ما يتصف به الراسخون بالعلم من مزايا وصفات تفوق غيرهم بما لا يقاس ولا يعرفه الناس بما فيه الأطلاع على مراتب من تفسير وتأويل القرآن الكريم. وكذلك الأطلاع على كثير من واقعيات الأمور التي لا يعرفها الا الخاصة من الخلق. وانما نحن نعترض ونستشكل لمدى جهلنا بهذه المراتب العليا ولمدى قصورنا وتقصيرنا لا اكثر ولا أقل.

    الوجه الرابع : أن هؤلاء من خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام من (المقرّبين).بعد أن نلتفت ان (سورة الواقعة) من القران الكريم قسمت البشر إلى ثلاثة أقسام لا تزيد و لا تنقص هم :

    أولاً : أصحاب الشمال (41) أو أصحاب المشئمة(42) وهم أصحاب النار هم فيها خالدون.
    ثانياً : أصحاب اليمين (43) .
    ثالثاً: المقربون (44) .

    اذن فالأخيار من الناس، غير (أصحاب الشمال) على قسمين : أصحاب يمين ومقربون. وهذان القسمان يختلفان كثيراً في الدرجات عند الله سبحانه إلى

    ______________
    (41) سورة الواقعة . آية 41
    (42) سورة الواقعة اية 5
    (43) سورة الواقعة . آية 38 و 90 و 91
    (44) وهم السابقون كما عبر عنهم القرآن فيقول الله تعالي (السابقون السابقون أولئك المقربون)
    سورة الواقعة آية (10 – 11 ).


    حد يستطاع القول : أن العوالم التي يعيشونها في الجنان بعد هذه الحياة ليس من جنس واحد بل هي من جنسين مختلفين تماما. و لا يمكن ايضاح تفاصيله في هذه العجالة . يكفي ان نشير إلى ان الجنة الموصوفة في ظاهر القرآن الكريم والتي يطمع بها سائر الناس انما هي جنة أصحاب اليمين. وأما جنات المقربين فهي شي آخر ومن جنس مختلف لا يشبه ذاك على الأطلاق.
    وينبغي الألتفات إلى ان الباب بالرحمة الإلهية مفتوح لكل أحد في ان يصبح من أصحاب اليمين أو المقربين، بمقدار ما أدى من عمل وبمقدار ما يطيق من قواه العقلية والنفسية والروحية ونحو ذلك من الأمور.
    فإذا تم لنا ذلك أمكننا بكل تأكيد أن نقول: ان خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام. هم فعلاً من المقربين وليسوا فقط من اصحاب اليمين.

    ومن كان من المقربين كان من المهمين المسددّين من قبل الله سبحانه جزماً بنص القرآن .ومثاله نزول الوحي على مريم بنت عمران (45) وآسية بنت مزاحم (46) زوجة فرعون وأم موسى (47) والعبد الصالح (48) وكلهم ليسوا من الأنبياء ولا المرسلين.

    واذا ثبت كون خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام ، الراسخين في العلم ومن المقربين، فلا عجب في اتصافهم بأوصاف تفوق غيرهم بمراتب مثل قوله (ص) : ((سلمان منا أهل البيت)) (49) وقوله (( ما أقلت الغبراء وما أضلت
    ______________
    (45) سورة آل عمران. آية (42 -43) – سورةمرية آية 17
    (46) ( وقالت أمرات فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى ان ينفعنا او نتخذه ولداً وهم لا يشعرون) سورة القصص آية 9.
    (47) سورة طه آية 38 – سورة القصص آية 7
    (48) فوجدا عبداً من عبادنا ءاتيناه رحمةمن عندنا وعلمناه من لدنا علما) سورة الكهف آية 65.
    (49) الميزان في تفسير القرآن للطبطباتي ج16 ص 292 – أسد الغابة لأبن الأثر ج2 ص 328.
    - وسلمان الفارسي هوابوعبد الله ويعرف بسلمان الخير مولى رسول الله (ص) وسئل عن نسبه


    الخضراء ذي لهجة أصدق من أبي ذر))(50) وما ورد من أن حذيفة(51) وميثم التّمار(52) وحبيب بن مظاهر كان لديهم علوم خاصة قد نسميها:


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    = فقال : أنا سلمان ابن الأسلام. أصله من فارس من رام هرمز وقيل أنه من حبي وهي مدينة أصفهان وكان أسمه قبل الأسلام مابه بن بوذ خشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك قد قال فيه رسول الله (ص): (ان الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان). وكان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلاتهم وذوي القرب من رسول الله . قالت عائشة: كان لسلمان مجلس من رسول الله (ص) بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله (ص). وسئل علي(ع) عن سلمان فقال : (علّم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت). وكان عطاته خمسة آلاف فاذا خرج عطاؤه فرقه وأكل من كسب يده وكان يسف الخوص وهو الذي أشار على رسول الهل (ص) بحفر الخندق لما جاءت الأحزاب فلما أمر رسول الله بحفرة احتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال رسول الله (ص) (سلمان منا أهل البيت). توفي سنة 35هـ آخر خلافة عثمان وقيل أول سنة 36 هـ وقيل توفي في خلافة عمر والأول أكثر. قال العباس بن يزيد : قال أهل العلم عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال أبو نعيم : كان سلمان من المعمرين يقال أنه أدرك عيسى بن مريم وقرأ الكتابين. أسد الغابة ج2 ص 328.
    (50) أسد الغابة لأبن الأثر ج1 ص 301 – الكنى والألقاب ج1 ص 74.
    وأبو ذر الغفاري هو جندب بن جنادة وقيل ندب بن السكن مهادري أحد الأركان الأربعة، روي عن الأمام الباقر (ع) انه لم يرتد مات في زمن عثمان بالربذة سنة 31 أو 32 هـ بعد ما نفي هناك. له خطبة يشرح فيها الأمور بعد النبي وقال فيه النبي ( ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر) الكنى والألقاب ج1 ص 74.
    (51) حذيفة بن اليمان وهو حذيفة بن الحسل ويقال حسبل بن جابر بن عمرو...... بن عبد الله العبسي واليمان لقب حسل بن جابر، هاجر إلى النبي (ص) فخيره بين الهدرة والنصرة فاختار النصرة وشهد مع النبي أحد وقتل أبوه بها ويذكر عند اسمه. وحذيفة صاحب سر رسول الله (ص) في المنافقين لم يعلمهم أحد الا حذيفة أعلمه بهم رسول الله (ص) وسأله عمر أفي عمّالي أحد من المنافقين قال : نعم. وكان عمر اذا مات ميت يسأل عن حذيفة فإن حضر الصلاة عليه صلّى عليه عمر وان لم يحضر حذيفة الصلاة لم يحضر عمر. وشهد حذيفة الحرب في نهاوند فلما قتل النعمان بن مقرن أمير ذلك الجيش أخذ الراية وكان فتح هندان والري والدينور على يده وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين وتزوج فيها. وأرسله رسول الله(ص) ليلة الأحزاب سرية ليأتيه بخبر الكفار . وكان مؤته بعد قتل عثمان بأربعين ليلة سنة 36 هـ. اسد الغابة ج1 ص 39.

    علم المنايا والبلايا أو علم ما كان وما يكون أو علم الجفر ونحو ذلك. ومثله ما ورد : أن علياً عليه السلام قال لابنه العباس عليه السلام وهو صغير: ((قل واحد. فقال : واحد، فقال له قل اثنين. فرفض))(53) لأنه عليه السلام يجد الوجود الإلهي والنور الإلهي هو الواحد الأحد، ولا شيء غيره . اذن فلا يوجد أثنان ليقول : اثنين. وهذا كان ثابتاً له في صغره فكيف يصبح وماذا ينال من مدارج اليقين في كبره؟. إلى غير ذلك من الروايات.

    الوجه الخامس : أن التصرفات المهمة التي ترتبط بالمصالح العامة وبالحكمة الإلهية في تدبير المجتمع وتسبيب أسبابه، هي دائماً محل عناية الله

    __________________

    (52) ميثم التمّار : كان ميثم (رض) عبداً لأمراة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين (ع) واعتقه على كثير واسراراً خفية من أسرار الوصية فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة = *** وينسبون علياً (ع) في ذلك إلى المخرقة والأيهام والتدليس حتى قال (ع) له يوماً بمحضر خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص ( يا ميثم انك تؤخد بعدي وتصلب وتطعن بحربة فإذا كان ذلك اليوم الثالث ابتدر منحراك وفمك دماً فتخضب لحيتك فانتظر ذلك الخضاب فتصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة. وأمض حتى أريك النخلة التي تصلب على جدعها) فأراه اياها. فكان ميثم يأتيها ويصلي عندها ويقول بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذيت. ولم يزل يتعاهدها حيث قطعت، وحتى عرف الموضع الذي يصلب عليه في الكوفة وحد في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة (رض) فقالت من أنت قال أنا ميثم. قالت : والله لربما سمعت رسول الله (ص) يذكرك ويوصي بك علياً (ع) في جوف الليل فسألها عن الحسين (ع) فقالت : هو في حائط له قال : أخبريه أنن يأحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب العالمين انشاء الله فدعت بطيب وطيبت لحيته، وقال أما أنها ستخضب بدم. فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وحبس معه المختار بن ابي عبيدة فقال له ميثم انك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (ع) فتقتل هذا الذي يقتلنا فلما دعى عبيد الله بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد الله يأمره بتخلية سبيله فخلاه وأمر بميثم أن يصلب فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على تحت خشبته ورشة وتجميره فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم فقيل لابن زياد قد فضحكم هذا العبد فقال ألجموه وكان أول خلق الله ألجم في الأسلام. الكنى والألقات ج3 ص217 .

    (53) خاتمة المستدرك للعلامة النوري ج 3 ص 815 . نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول (قد).



    سبحانة وتدبيره، وكل شيء يتوقف على ذلك فهو حاصل لا محالة بقدرة الله سبحانة، وكل مانع يمنع عنه فهو منتف بقدرته أيضاً. لكن مع حفظ ظاهر الأسباب والمسببات المعهودة بطبيعة الحال. والمقصود صدق ما ورد من ((ان لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله جل جلاله)) (54) . وأن الأمور تسير كنظام الخرز يتبع بعضها بعضاً. الأمر الذي ينتج أن ما يريده الله سبحانه في البشر حاصل لا محالة. و لا يستطيع أحد على الأطلاق تغييره.

    وأن خطر في ذهنه كونه مؤثراً أو فاعلاً لشيء من الأشياء قلّ أو كثر من هذه الجهة أو أي جهة أخرى.

    فاذا تم لنا ذلك : أمكننا القول بأن تصرفات الأئمة سلام الله عليهم وأصحابهم لا شك مندرجة في هذا النظام الإلهي العام. ومؤثرة في سير التاريخ البشري عامة والأسلامي خاصة. وحيث عرفنا ان كل ما يريده الله سبحانه في هذا التاريخ فإنه لا بد من حدوثه، يعني حتى لو توقف على أي سبب خارق للطبيعة. ومن المستطاع القول عندئد ان الالهام والتوجيه الإلهيين لهؤلاء ضروري في هذه المرحلة من التاريخ. بل في كل مرحلة منه، بل ليس من الضروري في الفرد أن يعلم كونه موجهاً ومسدداً من قبل الله سبحانه، بل قد يكون كذلك من حيث لا يعلم لمدى أهمية تأثيره في المصالح العامة والتاريخ الأسلامي أو العالم.

    و لاشك أننا نستطع ابراز بعض النقاط لأصحاب الأئمة عليهم السلام، لايضاح مدى تأثير أعمالهم وأقوالهم في التاريخ القريب والبعيد:
    النقطة الأولى : كونهم منسوبين إلى الأئمة عليهم السلام مع أن تأثير الأئمة أنفسهم في التاريخ أوضح من أي يخفى وقد يكون ذلك عن طريق
    _____________

    (54) كشف المراد للعلامة ص 306


    أصحابهم . بل كثيراً ما يكون ذلك.

    النقطة الثانية : كون الدين الأسلامي في صدر الأسلام كان محصوراً في منطقة محدودة وغير منتشر في بقاع عديدة من العالم مما بلغه بعد ذلك.

    النقطة الثالثة : قوة الأعداء المتربصين بالدين وأهل الدين بالمكر والحيلة والغيلة، من الداخل ومن الخارج على السواء .

    النقطة الرابعة : الأعداد لظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان فإن نجاح حركته اذ يريد أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(55) .
    وكما هي وضيفته الإلهية في ذلك .
    أقول : نجاحها يتوقف على أسباب وتلك الأسباب ينبغي أن يعدها الله قبله. وهو جل جلاله فاعل ذلك لا محالة. لأن ظهور المهدي عليه السلام وعد والله لا يخلف الميعاد.

    وقد يخطر في الذهن : أنه يكفي الإعداد للظهور في العشر السنوات الأخيرة السابقة عليه في علم الله سبحانه. قلنا : كلا، فإن الحال في هذه العشر سنوات ايضاً تحتاج إلى سبب وسببه يحصل في العشر السنوات التي قبلها . وهكذا إلى ان يصل إلى عصر صدر الأسلام، ويتصل بالأئمة المعصومين عليهم السلام وأصحابهم. بل يتصل بما قبل الأسلام منذ نزول آدم عليه السلام فما بعده، لأن ذلك كله نظام واحد متصل ومتسلسل يتبع بعضه بعضاً في الحكمة الإلهية كنظام الخرز.

    الوجه السادس : ان ما ذكرناه من الوجوه السابقة قد يناقش في عمومها لكل أصحاب الأئمة أو قل: لكل تصرفاتهم. وان كان الوضع السابق يجعلها شاملة على أي حال. ولكن المقصود الآن . ان بعض التصرفات من بعض
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (55) البرهان للمتقي الهندي : الباب 11، الحديث (2-3) – أعيان الشيعة للاميني ج2 ص46


    أصحابهم غير الخاصة منهم، يمكن ان تكون على خطأ أو قابلة للمناقشة بشكل وآخر. وليس بالضرورة ان تكون الأقوال والأفعال والتصرفات الموجودة في ذلك الحين، ضرورية الحمل على الصحة. ويكون التاريخ مسؤولاً عن تصحيحها . بل يمكن نقدها واعتبارها باطلاًُ فعلاً، وتحميل مسؤوليتها على أصحابها. سواء اعتبرناهم معذورين فعلً عنها غفلة أو جهلاً او غير معذورين باعتبار التفاتهم اليها وتعمدهم لها. وهذا يكون موكولاً إلى الباحث التاريخي ولا حاجة الآن إلى تسمية احد بهذا الصدد.

    إلقاء النفس في التهلكة

    ينبغي لنا، ونحن بصدد الحديث عن حركة الحسين عليه السلام وثورته، أن نتصدى للجواب عن بعض الأسئلة الرئيسية بهذا الصدد. ومن أهمها ما قد يرد على بعض الألسن من أن الحسين عليه السلام القى نفسه في التهلكة، والقاء النفس في التهلكة حرام بنص القرآن(56) .

    وهذا لاوجه لا يخص الأمام الحسين عليه السلام، وان كان فيه أوضح باعتبار القرائن المتوفرة الواضحة التي تدل على مقتله لو سار في هذا الطريق وعدم امكانه الحصول على الأنتصار العسكري المباشر، ولكنها ايضاً شبهة موجودة بالنسبة للأئمة الآخرين عليهم السلام، من حيث سيرهم في طريق الموت في حين انهم يعلمون بحصوله. كما هو المبرهن عليه والوارد عندنا في حقهم (57) ، وقد حصلنا فكرة كافية عن احاطة علومهم فيما سبق. اذن فهم يعلمون بحصول هذه الوفاة في هذا الطريق فلماذا ساروا فيه ؟ سواء كان المراد الأمام الحسين أو غيره من المعصومين. وهل السير في ذلك الا السير في طريق التهلكة المحرمة بنص القرآن الكريم؟.

    ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه نذكر أهمها:
    الوجه الأول : انه يمكن القول ان الآية الكريمة : ( ولا تلقوا بأيديكم
    _____________
    (56) وهو قوله تعالى ( وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا إن الله يحب المحسنين) سورة البقرة . آية 195.
    (57) أصول الكافي للكليني ج1 ص258 – باب 102- أعلام الورى للطبرسي ص340 – مراة العقول للمجلسي ج3 ص108.


    إلى التهلكة)(58) . خاصة غير عامة. فإن خصوصها وعمومها انما هو ناشيء من المخاطب فيها في قوله: ولا تلقوا . والمخاطب فيها غير محدد.

    وأوضح المصاديق الآخرى من القرآن الكريم لذلك قوله تعالى : ( وإن منكم الا واردها كان على ربك حتماً مقضياً)(59) . فإن المخاطب فيها غير محدد، واذا لم يكن محدداً لم يكن عمومها أكيداً، كما يفهم سائر الناس.
    وقد يستشكل : أن الظاهر هو العموم، وان الضمير يعود إلى سائر المسلمين. بما فيهم الأئمة عليهم السلام.

    وجوابه : أن هذا صحيح لو خلي وطبعة غلا انه توجد في الآية التي نتحدث عنها قرائن صارفة عن كون الخطاب للمعصومين سلام الله عليهم.

    فإنه تعالى يقول : (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)(60) . ومن الواضح أن الامرين الأول والآخير : (أنفقوا) و (احسنوا) خاص بغير الأئمة عليهم السلام بل بغير المعصومين وغير الراسخين في العلم عموماً. لأن أمثال هذه المستويات العليا من الادراك لا تحتاجه، وانما يعتبر بالنسبة إليهم من توضيح الواضحات. بل يكون الخطاب هذه الأمور قبيحاً وحاشا لله وكلامه من القبح. آذن فالمخاطب غيرهم سلام الله عليهم.

    اذن، فقط وقع النهي عن التهلكة في سباق الخطاب لغيرهم عليهم السلام فنعرف من وحدة السياق – وهي قرينة عرفية مبحوثة في علم (الأصول) :- ان النهي عن التهلكة، غير شامل لهم ايضاً. ومعه لا يمكن القول : بأن القرآن الكريم نص عليهم بعدم القاء النفس في التهلكة. كما يريد
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (58) سورة البقرة. آية 195
    (59) سورة مريم . آية 71.
    (60) سورة البقرة. آية 195.




    المستشكل ان يقول.

    الوجه الثاني : أنه بعد أن ثبت ان المعصومين عليهم السلام مسدّدون بالألهام من قبل الله سبحانه. اذ يكون عندهم نوعاً من التكاليف : ظاهرية وباطنية. أما الظاهرية فهي الموافقة لظاهر الشريعة والمعلنة بين الناس. وأما الباطنية فهي التعاليم التي يعرفونها بالإلهام فإذا تعارض الأمران : الظاهري والباطني، كان الباطني أهم كما هو أخص ايضاً، فيتقيد اطلاق الآية الكريمة – لو تم- بغير هذا المورد. فلا يكون هذا المورد على المعصوم حراماً بل يكون واجباً بمقتضى الإلهام الالهي الثابت لديه. فيتقيد اطلاق الآية الكريمة – لو تم – بغير هذا المورد. فلا يكون هذا المورد علىالمعصوم حراماً بل يكون واجباً بمقتضى الإلهام الالهي الثابت لديه. فيتقدم نحوه بخطوات ثابتة متمثلاً أمر الله سبحانه وراجياً ثوابه الجزيل ببذل النفس في هذا السبيل. وهذا الأمر لا يختلف فيه الأمام الحسين عليه السلام عن غيره من المعصومين عليهم السلام.

    الوجه الثالث : أنه من الممكن ان لا يراد من (التهلكة) المنهي عنها في الآية الكريمة ... التهلكة الدنيوية بمعنى تحمل الموت أو المصاعب العظيمة، كما يريد الناس ان يفهموا منها. بل يراد منها الهلاك المعنوي وهو الكفر والقاء النفس في الباطل والعصيان والانحراف، وهو أمر منهي عنه بضرورة الدين.

    وبتعبير آخر: ان المراد من التهلكة ليس هو التهلكة الدنيوية، بل التهلكة الآخروية، وهو التسبيب إلى الوقوع في جهنم بالذنوب والباطل ، ولا أقل من احتمال ذلك، بل من الواضح أن التعاليم الآخرى الموجودة في سياقها كما سمعنا فيما سبق، هي من الطاعات، اذن فتكون قرينة محتملة، على ان المراد من هذا النهي : التحذير عن ترك الطاعات والوقوع في المعاصي (61) .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وهنا يشير سماحة المؤلف إلى ان الآية الكريمة تعطي أوامر في سياق قرآني واحد وهو (أنفقوا- ولا تلقوا – احسنوا) فإذا لاحظنا أن الأمر الأول والأخير (الإنفاق والإحسان) انهما من الأمور التي يرجى عند العمل بها الحصول على الجزاء والثواب من الله عزوجل اخروياً أي ان العبد = عندما ينفق أو يحسن لوجه الله انما يأمل ان يرى أثر عمله أو طاعته آخروياً وهو رضى الله سبحانه =


    واذا تم ذلك : لم يكن في الآية أي دليل على ما يريد الناس أو يميل إليه المستدل، بل تكون بعيدة عن ذلك كلّ البعد.

    الوجه الرابع: أننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجوه السابقة، وقلنا بحرمة التهلكة. فإنها انما تحرم ما دام صدق العنوان موجوداً، أو قل: إذا كان العرف يوافق على أنها تهلكة فعلاً. وأما إذا لم تكن كذلك خرجت عن موضوع التهلكة فلم تصبح محرّمة . ولا شك أن المفهوم عرفاً وعقلائياً ان التهلكة انما تكون كذلك والصعوبة انما تكون صعوبة، فيما اذا كانت بدون عوض أو بدل. فلو مّر الأنسان بصعوبة بليغة من دون نتيجة صالحة لتعويضها كان ذلك (تهلكة). وأما اذا كانت نتائجها حسنة فليست تهلكة بأي حال.

    ونحن نرى الناس كلهم، تقريباً بل تحديداً، يضحّون مختلف التضحيات في سبيل نتائج أفضل، سواء من ناحية الأرباح الاقتصادية أو المصالح الاجتماعية او النتائج السياسية او الثمرات العلمية او أي حقل من حقول هذه الدنيا الوسيعة. فإنه يحتاج إلى تضحية قبل الوصول إلى نتائج . ومن الواضح أن هذه النتائج ما دامت مستهدفة لم يتعبرها الناس تهلكة أو خسارة، بل يعتبرونها ربحاً وفيراً، ورزقاً كثيراً، لأنها مقدمات لها، على أي حال.

    فإذا طبقنا ذلك على حركة الحسين عليه السلام، أمكننا ملاحظتها مع
    ___________________________
    = وتعالى عليه وبالتالي دخوله إلى الجنة فلا ينتظر الجزاء في الدنيا أو من الشخص المقابل فاذا كانت نتيجة هذين الأمرين نتيجة آخروية يكون الأمر الثالث (( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أمراً آخروياً أيضاً لأنه واقع بنفس السياق فتكون التهلكة تهلكة آخروية وهو دخول جهنم لترك الطاعات والوقوع في المعاصي. وأشار إلى هذا المعنى عدد من المفسرين ومنهم الفخر الرازي الذي أعطى في تفسير هذا المقطع من الآية عدة وجوه منها وجه قريب للمعنى السابق فيقول: قوله: (( ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة ) هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو القاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الأنسان على ترك العبودية والأصرار على الذنب. إنتهى.


    نتائجها بكل تأكيد، سواء النتائج المطلوب تحققها منها في الدنيا أو المطلوب تحققها في الآخرة. فإنها نتائج كبيرة ومهمة جدّاً، ولعلنا في المستقبل القريب لهذا البحث سنحمل فكرة كافية عن ذلك. وليس من حقنا أصلاً أن نلاحظ هذه الحركة منفصلة عن النتائج، خاصة بعد أن نعلم علم اليقين أن الحسين عليه السلام انما أرادها لذلك وأن الله سبحانه انما أرادها منه لذلك. اذن فتس***ها الواقعي واعطاؤها قيمتها الحقيقية، انما تكون مع ملاحظة نتائجها لا محالة.

    ومن الواضح عقلاً وعرفاً وعقلائياً، أننا اذا لاحظناها مع نتائجها لم تكن (تهلكة) بأي حال. بل كانت تضحية بسيطة، مهما كانت مريرة، في سبيل نتائج عظيمة ومقامات عليا في الدنيا والآخرى لا تخطر على بال ولم يعرفها مخلوق، ويكون الأمر بالرغم من أهميته القصوى، بمنزلة التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة. وفي مثل ذلك لا يكون حق أحد الأرجاف بأنها (تهلكة). فإذا لم تكن تهلكة لم تكن مشمولة لحكم التحريم في الآية الكريمة.

    الوجه الخامس : أنه لا يحتمل فقهاً وشرعاً في الدين الأسلامي، ان تكون كل تهلكة محرمة. بل الآية الكريمة أو وجد لها اطلاق وشمول، فهي مخصصة بكثير من الموارد . مما يجب فيه القاء النفس في المصاعب الشديدة أو القتل أو يستحب كالجهاد بقسميه الهجومي والدفاعي ومثل كلمة الحق عند سلطان جائر(62) . ومثل تسليم المجرم نفسه إلى القضاء الشرعي ليقام عليه الحد الذي قد يؤدي به إلى الموت كالرجم والجلد والقطع وغيرها. وكلها جزماً من مصاديق التهلكة بالمعنى العام، ولكنها واجبة حيناً ومستحبة أحياناً.

    إذن، فليس كل تهلكة محرمة، فكما أصبحت الأمور المذكورة جائزة.
    _______________________

    (62) اسعاف الراغبين لمحمد الصبان على هامش نور الابصار للشبنجي ص77 – التهذيب للطوسي ج6 ص 187.



    مستثناه من عموم الآية الكريمة، فلتكن ثورة الحسين عليه السلام كذلك.

    وما يمكن أن يكون دليلاً على الإستثناء أحد ثلاث أمور متصورة، أصبحت سبباً لقناعة الأمام الحسين عليه السلام بحركته:

    الأمر الأول : الألهام الذي يأمره بالخروج في هذا السبيل أمراً وجوبياً(63)
    الأمر الثاني ان تلقي الوجوب عن جده نبي الأسلام (ص)(64).
    الأمر الثالث : أنه رأى مصلحة عامة واضحة الصحة وبعيدة المدى، بحيث يكون سلوك هذا السبيل من قبيل التضحية بالأمور الخاصة من أجل المصالح العامة.

    بقية الحديث عن التهلكة

    واذا تم لنا، كما حصل فعلاً مما قلناه، تأويل الآية بالشكل المعقول الذي يصرفها عن محل الكلام ومورد الأشكال، اذن، سوف لن يكون سير الحسين عليه السلام في هذا السبيل وسير غيره من المعصومين عليهم السلام في طريق موتهم لا يكون أمراً محرماً، بل هو جائز يختاره برضاه وطيب نفسه من أجل رضاء الله عزوجل والنتائج المطلوبة في المستقبل ولكننا مع ذلك نعرض في ما يلي الوجوه الآخرى لتفسير ذلك مما قيل أو يمكن أن يقال في هذا الصدد.
    _________________________________________

    (63) أصول الكافي ج1 ص244 – بتصرف واقتضاب – أسرار الشهادة للدربندي ص226.
    (64) البحار للمجلسي ج44 ص328 – مثير الأحزان لابن ثماص ص22 - اللهوف لأبن طاووس ص11.

    الوجه الأول : النظر إلى المعصوم عليه السلام، كقائد دنيوي. ومن المعلوم أن القائد الدنيوي قد لايلتفت أو لا يتأكد من وقوعه في الموت في هذا الصدد الذي هو فيه، وانما يأتيه سبب الموت على حين غرّة.غير ان هذا الوجه غير تام لأكثر من جواب .

    أولاً: المنع عن النظر إليهم كقواد دنيوين، بعد كل الذي برهنا عليه من كونهم مسددين ملهمين من قبل الله سبحانه وتعالى.
    ثانياً: اننا حتى لو نظرنا إلى التسبيب الطبيعي، فإنه كثيراً ما يكون من الراجح جداً حصول الموت في الطرق التي سلكها الأئمة في التسبيب لموتهم.
    وأوضح مصاديق ذلك حركة الحسين عليه السلام. اذا كان هو يعلم بموته، وكذلك عدد ممن ناقشه في سيره وأراد صرف رأيه عنه(65) ، كان ممن يرجح حصول مثل هذه الكارثه التي حصلت له.

    ومعه فمن سخف القول : أن الأمام عليه السلام، لم يكن ملتفتاً إلى ذلك أو محتملاً له سلفاً.وإلا فقد أنزلناه إلى مرتبة وضيعة من التفكير.

    الوجه الثاني : ما هو المشهور بين بعض المفكرين في الدين. من أن المعصوم وإن كان بحسب طبعه الأول معصوماً عن الخطأ والنسيان.إلا أنه في تلك الواقعة، يعني حين يريد الله سبحانه التسبيب إلى موته.يجعله ناسياً او جاهلاً بالنتائج. فيذهب في هذا الطريق وهو لايعلم(66).

    أقول: وهذا الوجه انما يكون حراماً اذا كان عمدياً. وأما اذا كان عن جهل أو نسيان، فلا يكون محرماً. لاستحالة تكليف الناسي والجاهل.
    _________________
    (65) قد مرّ ذكر أسمائهم سابقاً مراجع
    (66) مرآة العقول للمجلسي ج3ص122 .

    مادام بهذه الصفة. والمفروض ان هذه الصفة تلازم المعصوم عليه السلام إلى حين تورطه في الحادث.

    الا أن هذا الوجه – أيضاً- ليس بصحيح، لأنه منقوض بما دل من الروايات الواردة عنهم عليهم السلام، على علمهم بحصول الموت لدى السير في هذا الطريق قبل التورط فيه. كالذي ورد عن الحسين عليه السلام حين يقول (( أني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربه سغباً لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصير على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين))(67) .

    ثم قال في نفس الخطبة : (( ألا فمن كان باذلاً فينا مهجته مواطناً على لقاء الله نفسه. فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً ان شاء الله تعالى))(68).

    وكل ذلك واضح الدلالة في علمه عليه السلام، بموته وموت كل أصحابه سلام الله عليهم أجمعين.

    وكذلك الأمام الرضا عليه السلام، حين مشى بطريق الموت فإنه قال فيما قال لأبي الصلت الهروي(69): (ان خرجت اليك وأنا مكشوف الرأس
    __________________
    (67) اللهوف لأبن طاووس ص26 – ابن نما الحلي ص29 – كشف العمة للاربلي ج2ص241- مقتل الخوارزمي ج21ص5.
    (68) نفس المصدر.
    (69)أو الصلت الهروي : هو عبد السلام بن سالم الهروي روى عن الرضا (ع) ثقة صحيح الحديث قاله النجاشي والعلامة. له كتاب وفاة الرضا (ع) وكان كما يشعر به بعض الكلمات مخالطا للعامة وراوياً لأخبارهم فلذلك التبس أمره على بعض المشايخ فذكر انه عامي قال الأستاذ الأكبر في التعليقة بعد نقل كلام الشهيد الثاني في تشيعه: لا يخفى أن الأمر كذلك فإن الأخبار الصادرة عنه في العيون والأمالي وغيرهما الصريحة الناصعة على تشيعه بل كونه من خواص الشيعة أكثر من أن تحصى وعلماء العامة ذكروه. قال اذهني في ميزان الأعتدال : عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي رجل صالح الا انه شيعي: ونقل عن الجعفي: انه رافضي خبيث.وقال الدار قطني انه وافضي متهم وقال ابن الجوزي انه خادم للرضا شيعي مع صلاحه. وروي أن المأمون حبس أبا


    فكلمني وان خرجت إليك مقنع الرأس فلا تكلمني . فحين خرج إليه مقنع الرأس هابه أبو الصلت أن يتكلم معه))(70) ، مضافاًإلى الرواية التي تقول: ((فقال له : إلى أين انت ذاهب يا ابن رسول الله؟ فقال : إلى حيث أرسلتني))(71). اذن فهو يعلم انه أرسله إلى الموت. ولم تكن إلى ذلك الحين دلالة طبيعية أوعرفية دالة على ذلك.

    الوجه الثالث: أن المعصوم عليه السلام يعلم بتكليف شرعي من الله عزوجل، بالالهام أو بالرواية عن جده النبي (ص) . تكليفاً وجوبياً أو استحبابياً بالسير في هذا الطريق، طريق الموت. فهو بذلك يؤدي امتثاله لذلك التكليف الوجوبي أو الأستحبابي قربة إلى الله تعالى ورجاء لرضاء الله سبحانه وثوابه. تماماً كالعبد المؤمن الاعتيادي حين يصلي أو يصوم أو يحج أو يتعبد عبادة واجبة أو مستحبة. وهذا أحسن الوجوه التي عرفناها للجواب على مثل هذا السؤال على تقدير دلالة الآية الكريم على حرمة التهلكة. وقد عرفنا فيما سبق عدم دلالتها على ذلك اطلاقاًُ.





    _________________

    الصلت بعد وفات الرضا (ع) سنة فضاق صدره فدعى الله بمحمد وآل محمد فدخل عليه أبو جعفر الجواد (ع) فضرب يده إلى القيود ففكها وأخذ بيده وأخرجه من الدار والحرسه والغلمة يرونه فلم يستطيعوا أن يكلموه فخرج من باب الدار وقال له أبو جعفر (ع) : (امض في ودائع الله فإنك لن تصل إليه و لايصل إليك أبداً) الكنى والألقاب ج1ص100 .
    (70) الدمعة الساكبة ص 86 - عيون أخبار الرضا للصدوق ج2ص245.
    (71) نفص المصدر.


    رضا الله رضانا أهل البيت

    سمعنا الأمام الحسين عليه السلام فيما سبق في الخطبة المروية عنه انه قال: (( رضا الله رضانا أهل البيت))(72) .؟ فنزيد هنا اعطاء فكرة كافية عن ذلك فإن فهم هذه الجملة يحتوي على تقسيمين :

    التقسيم الأول : النظر إلى معنى الرضا في هذا الجملة، فإننا تاره نفهم نفس الرضا بصفته عاطفة نفسية محبوبة. وأخرى نفهم منها : الأمر المرضي، يعني الذي يتعلق به الرضا كما هو المتعارف عرفاً التعبير عنه بذلك ولو مجازاً.

    التقسيم الثاني : النظر إلى ما هو المتبدأ والخبر في هذه الجملة فانه قد يكون (رضا الله) مبتدأ و (رضانا) خبر، كما هو مقتضى الترتيب اللفظي لهذه الجملة. كما انه قد يكون العكس صحيحاً ، وهو أن يكون (رضا الله) خبراً مقدّما و (رضانا ) مبتداً مؤخرا.

    واذا لاحظنا كلا التقسيمين ، كانت الأحتمالات أربعة بضرب أثنين في أثنين . ولكل من هذه المحتملات معناها المهم. ويمكن ان نعطي فيما يلي بعض الأمثلة لذلك في الفهوم التالية:-

    الفهم الأول : ان يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي ويكون (رضا الله ) في هذه الجملة هو المبتدأ . فيكون المعنى : ان الأمر الذي يرضاه الله عزوجل نرضاه نحن أهل البيت. وهذا هو الفهم الاعتيادي والمناسب مع السياق في هذه الخطبة .من حيث إنه عليه السلام يعبر عن رضاه بمقتله لأنه أمر مرضي لله
    ______________
    (72) أسرار الشهادة للدربندي ص227 – كشف الغمة للاربلي ج2 ص241.


    عزوجل

    الفهم الثاني : أن يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي، ويكون ( رضا الله ) في هذه الجملة خبراً مقدما. فيكون المعنى: أن الأمر الذي نرضاه نحن أهل البيت يرضاه الله عزوجل. أو قل : هو مرضي لله عزوجل بدوره.

    وهذا أمر صحيح وعلى القاعدة، مطابق لما ورد عنهم عليهم السلام: بمضمون ((اننا أعطينا الله ما يريد فأعطانا ما نريد))(73) . فتكون تلك الجملة بمعنى الفقرة الثانية من هذه الجملة ، كما هو واضح للقارئ اللبيب.

    الفهم الثالث: ان يكون المراد بالرضا معناه المطابقي، وليس الأمر المرضي. ويكون (رضا الله) في هذه الجملة مبتدأ . وليس خبراً مقدماً.

    فيكون المعنى : ان رضا الله سبحانه هو رضا أهل البيت عليهم السلام. وهذا صحيح أيضاً ومطابق للقاعدة. ألأن الفلاسفة والمتكلمين المسلمين قالوا: انه ورد في الكتاب الكريم والسنةالشريفة نسبت كثير من الأمور إلى الله سبحانه كالرضا والغضب والحب والبغض والكره والارادة وغير ذلك من الصفات(74) . مع أنه قد ثبت في مودر آخر ، ان الله تعالى ليس محلاً للحوادث (75) ، ويستحيل فيه ذلك: وكل هذه الأور من قبيل العواطف
    _______________
    (73) لم نعثر على هذا الحديث بما في أيدينا من مصادر التحقيق. ويبدو أن سماحة المؤلف قد آخذ هذا المضمون من عدة روايات مجتمعة لا من رواية واحدة. والظاهر ان هذه العبارةغير مودجوة نصاً في الروايات وانما من تعبير المؤلف لمضمون عدد من الروايات وقد أشار إلى ذلك بقوله: (بمضمون).
    (74) وقد استدلوا على ذلك بالقرآن الكريم فمثلاً:
    الرضا كما في قوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) البينة آية 8.
    الغضب : كما في قوله ( فعليهم غضب من الله) النحل آية 106
    الحب : كما في قوله (ان الله يحب المحسنيين) البقرة آية 195
    الكره : كما في قوله (كره الله انبعاثهم) التوبة آية 46.
    الإرادة : كما في قوله. (واذا اراد الله بقوم سوء) الرعد آية 11
    (75) أنظر مثلاً : كشف المراد للعلامة ص 294



    المتجددة التي تستحيل على ذات الله سبحانه. فكيف صح نسبتها إليه سبحانه في الكتاب والسنة؟ .

    وقد أجاب الفلاسفة والمتكلمون بعدة أجوبة عن ذلك كان من اهمها: انه جل جلاله يجعل هذه العواطف المتجددة في نفوس أوليائه وأنبيائه وأصفيائه . فإذا علمنا أن أهل البيت هم أولياء الله وأصفيائه، اذن فيصدق: ان رضا الله رضاهم أهل البيت. لأن رضا الله كما قال الفلاسفة ليس قائماً بذاته جل جلاله بل قائم بذواتهم سلام الله عليهم.



    لماذا لم يعمل الحسين عليه السلام بالتقية؟

    لا شك أن التقية واجبة عندنا بنص القرآن الكريم والسنة الشريفة اجماع علمائنا: أما القرآن الكريم ففي أكثرمن آية واحدة كقوله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة). . وأما السنة الشريفة فأكثر من نص كقوله عليه السلام: ((التقية ديني ودين آبائي))(77) . وقوله (ع) لا دين لمن لا تقية له))(78) . وقوله (ع) : ((التقية درع المؤمن الحصينة))(79). ويغر ذلك وأما الاجماع فهو واضح لمن استعرض فتاوى علمائنا، بل الحكم يعتبر من ضروريات المذهب.

    اذن فالتقية واجبة. وهذا ما حدى بالمعصومين عليهم السلام جميعاً العمل بها الا الحسين عليه السلام. فلماذا لم يعمل بها هذا الإمام الجليل. إذ من الواضح أن أحداً من المعصومين غيره لم يتحرك مثل حركته، بل كانت الثورات متعددة، والحروب في داخل البلاد الأسلامية وخارجها موجودة. وهم معرضون عنا لا يشاركون بأي شيء منها. حتى لو كان الثوار والمحاربون من أبناء عمومتهم كذرية الحسن أوالحسين الذين تحركوا خلال العهدين الأموي والعباسي بكثرة، عدّ منهم في (مقاتل الطالبيين) عشرات. الا أن المعصومين سلام الله عليهم. لم يكونوا من بينهم بأي حال من الأحوال. بل كانوا
    ________________________
    (76) سورة آل عمران آية 28
    (77) أصول الكافي ج2ص219حديث 12 – باقتضاب – ططهران
    (78) أصول الكافي ج2ص217 الحديث الثاني – باقتضاب – مختصر بصائر الدرجات ص101.
    (79) أصول الكافي ج2 ص221حديث 23 – بتصرف واقتضاب.






















    يسلكون سلوكا مغايراً لذلك تماما عملاً بالتقية الواجبة التي يحسون بضرورتها التشريعية والواقعية عليهم سلام الله عليهم.لا يستثني من ذلك الا واحد معين منهم هو الإمام الحسين عليه السلام في حركته العظيمة. فلماذا كان ذلك؟ .
    والأسباب المتصورة لذلك عدّة أمور محتملة وإن لم تكن كلها صحيحة. الا أننا نذكر الأمور التي قد تخطر على بال القاريء الإعتيادي أيضاً:

    الأمر الأول : ان الأخبار الدالة على وجوب التقية لم تكن صادرة في زمن الحسين عليه السلام، لأنها انما صدرت عن الإمامين الصادقين عليهم السلام وهما عاشا بعد واقعة كربلاء بحوالي قرن من الزمن. واذا لم تكن هذه الأخبار موجودة ، فلا دليل على وجوب التقية يوم حركة الحسين عليه السلام. ومن هنا لم يعمل بها.

    إلا أن هذا الوجه غير صحيح لأكثر من جواب واحد:

    أولاً : أن هذه الأخبار المشار إليها تدلنا على حكم واقعي ثابت في الشريعة، يعلم به المعصومون جميعاً سلام الله عليهم بما فيهم الحسين عليه السلام. فإنهم جميعاً عالمون بجميع أحكام الشريعة المقدسة.

    ثانياً: أن الآيات الكريمة دالة على ذلك أيضاً، وقد كانت موجودة ومقروءة في زمن الحسين عليه السلام.

    الأمر الثاني : أن الحسين عليه السلام كسائر المعصومين عليهم السلام، عمل بالتقية ردحاً طويلاً في حياته. وانما ترك العمل بها من ناحية واحدة فقط ، هي الناحية التي أدت إلى مقتله في واقعة الطف. وهي رفض الطلب الصادر من قبل الحاكم الأموي بالبيعة له(80) وتهديده بكل بلاء اذا لم يبايع. الأمر الذي استوجب صموده عليه السلام ضد هذا المعنى حتى الموت.

    _______________
    (80) البحار للمجلسي ج4ص326 مناقب ابن شهر آشوب ج2ص208 اللهوف لابن اووس ص11

    الأمر الثالث : ان الأدلة في الكتاب والسنة على مشروعية التقية، ليست دالة على الألزام والوجوب بل على الجواز على ما سنرى.

    أو – بتعبير آخر- : ان العمل بالتقية رخصة لا عزيمة . ومن هنا يمكن القول

    ان الإمام الحسين عليه السلام كان مخيراً يومئذ بين العمل بالتقية وبين تركها ولم يكن يحب العمل بالتقية في حقه. وما دام مخيراً فقد اختار الجانب الأفضل في نظره، وهو فعلاً الأفضل في الدنيا والأفضل في الأخرة، وهو نيله للشهادة بعد صموده ضد الأنحراف والظلم والظلال.

    ومن هنا ، أيضاً، كان عمل أصحاب الأئمة والمعصومين عموماً. مع العلم أنهم كانوا عارفين بالأحكام متفهمين للشريعة مرتفعين في درجات الايمان.

    فعمار بن ياسر(81) عمل بالتقية حين طلب منه مشركو قريش الطعن
    _______________
    (81) عمار بن ياسر : هو بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين .... بن يشجب المذحجي وهو من السابقين الأولين إلى الأسلام وهو حليف بني مخزوم امه سمية وهي أول من استشهد في الإسلام وقد قال فيه رسول الله (ص) : ( من عادى عمّاراً عاداه الله ومن أبغض عماراً بغضه الله) وعن علي (ع) قال : (جاء عمار يستأذن على النبي (ص) فقال : إئذنوا له مرحباً بالطيب المطيب). وعن عائشة قالت : قال رسول الله (ص) : ( ما خيّر عمار بين أمرين إلا اختار ارشدهما) ومن مناقبه أنه قدمها ضحى فقال عمار : ما لرسول الله بد من ان نجعل له مكانا لستضل فيه ويصلي فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قبا. وقال عبد الرحمن السلمي: شهدنا صفين مع علي(ع) فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين الا رأيت أصحاب النبي (ص) يتبعونه كأنه علم لهم وشهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلّ سيفاً وشهد صفين ولم يقاتل وقال لا أقاتل حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله (ص) يقول : (تقتله الفئة الباغية) فلما قتل قال خزيمة ظهرت له الضلالة ثم تقدم فقاتل حتى قتل : وقتل عمارفي صفين وعمره يومئد (94) سنة وقيل (93) سنة وقيل (91) سنة . واختلف في قاتله فقيل قتله أبو العارية المزني وقيل الجهنيطعنه فسقط فلما وقع اكب عليه آخر فاحتز رأسه . أسد الغابة ج4 ص 43.- بتصرف واقتضاب


    بالأسلام ونبي الأسلام . وبتلك المناسبة نزلت الآية الكريمة(82). في حين ان عدداً من الآخرين تركوا العمل بها ودفعوا حياتهم في سبيل ذلك كميثم التمار وسعيد بن جبير (83) وحجربن عدي(84) وزيد بن علي.
    ____________
    (82) سورة النحل آية 106 وهو قوله تعالى : ( من كفر بالله بعد ايمانه الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله....... ).
    (83) سعيد بن جبير: لقد كان سعيد من التابعين وكان معروفاً بالزهد والعبادة وعلم التفسير وكان يسمى (جهبد العلماء) وكان يصلي خلف الإمام زين العابدين(ع) فأخذه خالد بن عبد الله القسري وأرسله إلى الحاج فلما رآه قال له : ما اسمك؟ قال : سعيد بن جبير، قال : بل شقي بن كسير. قال : أن أمي أعلم بأسمي منك. قال : شقيت وسشقيت أمك. قال الغيب يعلمه غيرك قال : لأبدلنك ناراً تلظى .قال: لو علمت ان ذلك بيدك لآتخذتك الأهاً. قال: فما قولك في محمد؟ قال : نبي الرحمة وامام الهدى. قال فما قولك في علي : أهو في الجنة أو في النار؟ قال لو دخلتها وعرفت من فيها عرفت أهلها. قال : فما قولك في الخلفاء؟ قال : لست عليهم بوكيل. قال : فأيهم أحب إليك؟ قال : أرضاهم للخالق. قال : فأيهم أرضى للخالق؟ قال : علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم. قال أبيت ان تصدقني! قال : بل لم أحب ان اكذبك. قال الحجاج. فاختر أي قتله أقتلك. قال سعيد : اختر لنفسك يا حجاج فوالله ما تقتلني قتله إلا قتلك الله مئلها في الآخرة قال : أفتريد أن اعفو عنك؟ قال ؟ ان كان العفو فمن الله . وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر) قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه فلما خرج من الباب ضحك. فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده وقال : ما أضحكك ؟ قال : عجبت من جرأتك على الله وحلم الهل عنك. فأمر الحجاج بالنطع فبسط فقال أقتلوه قال سعيد : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين. قال : شدوا به لغير القبلة؟. قال سعيد : فأينما تولوا فثم وجه الله . قال كبوه على وجهه. قال سعيد : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى . قال الحاج : اذبحوه. قال سعيد : أما اني أشهد وأحاج ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمداً عبده ورسوله. خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة. ثم دعى سعيد الله فقال : اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي فذبح على النطع رحمه الله . ولم يعش الحجاج بعده الا خمس عشرة ليلة ظل ينادي فيها مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم اخذ برجلي (( وفيات الأعيان لابن خلكان ج2 ص372 ط بيروت مقارنة بمروج الذهب للمسعودي ج3 ص164).
    (84) حجر بن عدي : بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة... بن كندة الكندي وهوالمعروف بحجر الخير وهو بن الأدبر وانما قيل لأبيه عدي الأدبر لأنه طعن على اليته مولياً فسمى ألأدبر .وفد على النبي (ص) هو واخوه هاني وشهد القادسية وكان من فضلاء الصحابة وكان على كندة بصفين وعلى الميسرة يوم النهروان وشهد الجمل أيضاً مع علي (ع) وكان من أعيان أصحابه ولّما ولّي زياد العراق وأظهر من الغلفة وسوء السيرة ما أظهر . خلعه حجر ولم يخلع معاوية وتابعه جماعة من شيعة

    الشهيد(85) وغيرهم.

    ولو كانت التقية واجبة الزاماً لكان حال هؤلاء وغيرهم على باطل، مع العلم أنهم لا شك على حق لأنهم متفقهون بالأحكام الأسلامية جزماً. ولاشك انها – مع ذلك – مشروعة ، فيتعين ان تكون مشروعة بنحو التخيير لا بنحو الألزام.
    ومما دل على ذلك ما روي عن رجلين من اهل الكوفة أخذا. فقيل لهما: ابريا من أمير المؤمنين عليه السلام. فبريء واحد منهما وآبى الآخر . فخلي سبيل الذي بريء . وقتل الأخر . فقال الأمام الباقر عليه السلام: (( اما الذي بريء فرجل فقيه في دينه واما الذي لم يبرأ فرجل تعجل الجنة))(86) .
    ______________

    = علي (ع) فكتب فيه زياد إلى معاوية فأمره بأن يبعث به وبأصحابه اليه فبعث بهم مع وائل بن حجر الحضرمي ومعه جماعة فلما أشرف على مرج عذراء قال اني لأول المسلمين كبر في نواحيها فأنزل هو واصحابه عذراء وهي قرية عند دمشق فأمر معاوية بقتله فشفع اصحابه في بعضهم فشفعهم ثم قتل حجر وستة معه وأطلق ستة ولما أرادوا قتله صلى ركعتين ثم قال لو لا ان تضنون بي غير الذي بي لأطلتهما وقال لا تنزعوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دما فاني لاق معاوية على الجادة. وقال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام لمعاوية بعد مقتل حجر والله لا تعد لك العرب حلماً بعدها ولا رأياً قتلت قوماً بعث بهم أساري من المسلمين . وكان قتله سنة 51هـ وقبره مشهور بعذراء وكان مجاب الدعوة. أسد الغابة ج1ص385
    (85) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ويكنى بأبي الحسين وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زياداً وعمراً وعلياً وخديجة. وقد خرج بثورة ضد الحكم الأموي المتمثل بهشام بن عبدالملك آنذاك ولكن غدر به من بايعه من أهل الكوفة والمدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان والذين وصل عددهم إلى مائة الف تقريباً ولكن عند خروجهع وافاه 218 من رجاله فقال زيد سبحان الله فأين الناس قيل هم محصورون في المسجد فقال لا والله ما هذا لمن بايعاً بعذر.ومع هذا العدد القليل خرج فقاتل وأصيب بسهم في جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ فمات على اثره ودفنوه أصحابه في العباسية ولكنه أخرج وصلب (وقيل انه استمر مصلوباً إلى أيام الوليد بن يزيد) وبعدها أحرق بالنار ثم جعل في قواصر ثم حمل في سقيفة ثم ذري في الفرات. مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص127.
    (86) أصول الكافي ج2ص221 حديث 21 ط طهران
    ولذا يمكن القول: بأنه لم يثبت أن ترك التقية حرام. الا قوله في أحدى الروايات(( التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له))(87).

    وهي لا شك دالة على الألزام . إلا أنها ساقطة بالمعارضة مع الروايات الدالة على الرخصة، كالرواية السابقة(88) . فيبقى حكم التقية على التخيير.

    والأيات الكريمة أيضاً غير دالة على الألزام منها قوله تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الآ أن تتقوا منهم تقاة. ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)(89) .
    وقوله تعالى : ( من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم))90).

    وفي كلتا الايتين يعتبر حكم التقية استثناء من أمر حرام وهو : موالاة الكافرين في الاية الأولى والكفر في الآية الثانية. والأستثناء من مورد الحضر أو الحرمة لا يدل على أكثر من الجواز وذلك كما قال الفقهاء حول قول تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا)(91) . فإن حكم الصيد في إستثناء من جانب حرمته في حال الأحرام مع احتمال استمراره بعده. فيكون دالا على مجرد الجواز.

    نعم، قد تكون التقية واجبة الزاماً، فيما اذا توقف عليها هدف اجتماعي عام مهم. كالمحافظة على بيضة الأسلام. الأ أنه لم يكن الأمر يومئد هكذا ، بل
    _______________
    (87) أصول الكافي ج2 ص224 حديث 2 ط طهران.
    (88) رواية الرجلين اللذين اخذ من أهل الكوفة.
    (89) سورة آل عمران آية 28.
    (90) سورةالنحل . آية 106.
    (91) سورة المائدة. آية 2

    بالعكس على ما سوف نعرف، فإن حفظ الأسلام يومئذ كان متوقفاً على التضحية لا على التقية.

    الأمر الرابع : من أسباب ترك الإمام الحسين عليه السلام للعمل بالتقية:

    أننا حتى لو تنزلنا عما قلناه في الأمر الثالث، وفرضنا التقية الألزامية . الا ان هذا الحكم بالألزام ساقط بالمزاحمة مع الأهم . اذا من الواضح من سياق الآيات ان الأمر بالتقية انما هو في موارد فردية متفرقة، والإمام الحسين عليه السلام واجه قضايا عامة تقتضي ترك التقية والعمل بالتضحية:

    أهمها : الطلب منه بمبايعة الحاكم الأموي يؤمئذ ، يزيد بن معاوية(92) .
    وهو ما يترتب عليه نتائج وخيمة بالغة في الأهمية ، قد تؤدي إلى اندراس الأسلام الحقيقي منذ عصره إلى يوم القيامة.

    ومن القضايا العامة المهمة التي واجهها سلام الله عليه: طلب أهل الكوفة لمبايعتهم له وولايته الفعلية عليهم (93) . وهو حكم عام ومهم شرعاً ومتقدم على حكم التقية.

    وكلا الأمرين لم يوجهه أحد من أولاده المعصومين التسعة عليهم السلام. ومن هنا كان عملهم بالتقية متعيناً. ومن الممكن القول أنهم لو واجهوا ما واجهه الحسين عليه السلام، لكان رد فعلهم كرد فعله تماماً.

    الأمر الخامس : أن الحسين عليه السلام، علم علماً طبيعيا أو الهامياً، أنه سوف يموت على كل حال حتى في مكة، فضلاً عن غيرها من بلاد الله . ولذا ورد عنه (( انهم سوف يقتلوني حتى لو وجدوني متعلقاً بأستار الكعبة))(94)

    _______________
    (92) البداية والنهاية لأبن كثير ج2ص146 – مروج الذهب للمسعودي ج3 ص65
    (93) اللهوف لابن طاووس ص14 – تاريخ الفتوح لابن اعثم ج5 ص46 – اسرار الشهادة للدربندي ص199.
    (94) مرآة العقول للمجلسي ج2ص194- مثير الأحزان لابن نما الحلي ص41.
    ومن يكون حاله هو العلم اليقين بموته يرتفع عنه حكم التقية من قاتله. وله أن يفعل ما يشاء . تصور شخصاً محكوماً عليه بالأعدام. وسوف يصعد عما قليل على خشبة المشنقة. فعندئذ تهون الدنيا في نظره ويمكنه ان يفعل أو يقول ما يشاء تجاه جلاّديه . لأنهم سوف لن يزيدوا على قتله على أي حال.

    فعلى ذلك كان حال الإمام الحسين (ع) . ومعه فضّل ان يموت بهذا الشكل عن ان يموت خامل الذكر محوطاً بالذلة والنسيان.

    الا أن هذا الوجه بمجرده لا يتم، لأنه عليه السلام لو كان قد قبل بالمباعية لكفوا عن العزم على قتله، وهذا واضح لديه ولدى غيره. اذن فالعلم بموته انما بصفته رافضاً للمبايعة صامداً ضدها. اذن فيرجع هذا الوجه إلى وجه آخر مما ذكرناه كالوجه الرابع السابق.

    الأمر السادس : ان حكم التقية وان كان نافذ المفعول عليه (عليه السلام) وغيره من البشر. الا أنه مخصص في حقه عليه السلام، فهو خارج عن حكمها بالتخصيص والاستثناء . وقد ثبت لديه التخصص اما بالالهام وأما بالرواية عن جده رسول الله (ص) (95) . ولذا لم تكن التقية في حقه واجبة ولا تركها عليه حراماً.
    وربما عد من الأدلة في هذا الصدد ، ما ورد من بكاء النبي (ص) على مقتل الحسين عليه السلام يوم ميلاده(96) ، لعلمه المسبق بذلك . وهو ما يستفاد
    ______________________
    (95) البحار للمجلسي ج44 ص328 - اسرار الشهادة للدربندي ص224
    (96) الخصائص الكبرى ج 2 ص125 – آمالي الصدوق ص118 الحديث 5 – البحار للمجلسي ج44ص250- تاريخ أبن عساكر ترجمة الأمام الحسين ص183.
    - ولهذا بكاه عدد من الصحابة (رض) منهم سلمان الفارسي حيث مرّ على كربلاء حين مجيئه إلى المدائن فقال هذه مصارع اخواني وهذا موضع مناحتهم ومهراق دمائهم يقتل بها ابن خير الأولين والأخرين. (رجال الكشي ص13 ط هند) . وكذا بكاه أمير المؤمنين في مسيره إلى صفين نزل =



    منه جواز حركته واحترام ثورته .فيكون مخصصاً لما دل على حرمة التقية لو وجد.

    وهذا الوجه اكيد الصحة لو تم بالدليل كون التقية عزيمة لا رخصة . وهو الوجه الذي يشمل أهله وأصحابه وأهل بيته الذين رافقوه في حركته وآزروه في ثورته. فإن التقية أن كانت واجبة في حقهم أساساً، فهي لم تكن واجبة عندئذ، بل مستثناة عنهم بأمر امامهم الحسين نفسه . حيث أوجب عليهم المسير معه والقتل بين يديه(97). بل التقية لم تكن واجبة من هذه الناحية على أي واحد من البشر على الأطلاق ، تمسكاً بما ورد عنه سلام اله عليه: (( من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكّبه الله في النار))(98).

    وهو دال بوضوح على لزوم نصره ووجوب ترك التقية من هذه الناحية. وكذلك ما ورد عنه أنه قال عليه السلام حيث بقى وحيداً بعد مقتل أصحابه وأهل بيته: (( هل من ناصر ينصرنا وهل من ذابّ عن حرم رسول اله))(99). وسنذكر بعونه تعالى ان هذا انما قال الحسين عليه لأجل اقامة الحجة
    ____________________

    = فيها وأومأ بيده إلى موضع منها فقال ها هنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم ثم أشار إلى موضع آخر وقال ها هنا مهراق دمائهم ثقل لآل محمد ينزل ها هنا ثم قال : واه لك يا تربة ليحشرن منك أقواماً يدخلون الجنة بغير حساب وأرسل عبرته وبكى من معه لبكائه وأعلم الخواص من صحبه بأن ولده الحسين يقتل ها هنا في عصبة من أهل بيته وصحبه هم سادة الشهداء لا يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق (مقلت المقرم نقلاً عن كامل الزيارات ص27).
    بل يتعدى الأمر إلى الأأنبياء السابقين على نبينا الأعظم (ص) فلقد بكاه آدم(ع) والخليل ابراهيم معه فإنه كالشهيد مع الأنبياء مقبلاً غير مدبر وكأني نظر إلى بقعته وما من نبي الا وزارها وقال انك لبقعة كثيرة الخير فيك يدفن القمر الزاهر) كامل الزيارات لابن قولويه 67.
    (97) مثير الأحزان لابن نما ص 39 البحار للمجلسي ج45 ص86 أمالي الصدوق ص131
    (98) أمالي الصوق ص 132 – مقتل الخوارزمي ج1 ص227 البحار ج44 ص315.
    (99) اللهوف لابن طاووس ص 49 كشف الغمة للأربلي ج2 ص262.



    على الأخرين

    كما يشمل أهله وأصحابه رضوان الله عليهم وجوه آخرى لترك التقية مما سبق. كالأمر الثالث الذي ذكرناه وهو كونها تخيرية وليس الزامية. والأمر الثاني والأمر الرابع ، فراجع.

    والسر في سقوط التقية ، كما أشرنا عن جميع البشر في ذلك العصر، من هذه الجهة، لا ينبغي ان يكون خافياً وحاصله: ان الناس لو كانوا قد استجابوا بكثرة وزخم حقيقيين ، واذا كانت أعداد مهمة منهم قد أدركت مصالحها الواقعية في نصر الحسين عليه السلام لتحقق النصر العسكري له فعلاً، ولفشل عدوه الأموي الظالم . بل في المستطاع القول بأنه مع حسن التأييد يكون زعيماً فعلياً على كل بلاد الأسلام، فيحكمها بالعدل وبشريعة جده رسول الهف. غير ان المجتمع في ذلك الحين كان متخاذلاً جاهلاً. ولله في خلقه شؤون.

    حدود أهداف الحسين (ع)

    حينما نريد أن نتحدث عن أهداف الحسين عليه السلام في ثورته، فإنما نتحدث ، كما أسلفنا في حدود فهمنا ومدى ادراكنا، وهوالبعيد عن فهم الواقعيات والمحجوب اساساً عن الوصول إلى تلك المستويات . فنحن نتحدث عن أقصى ما ندركه من أمر منطقي ومعقول. كإطروحة مقبولة ومحتملة في هذا الصدد وليس كشيء قطعي وناجز، ونحن نعلم أن ما خفي علينا من الحق أكثر مما أتضح لنا بكثير . وخاصة ونحن نعرف – كما سبق أيضاً- بأن أقوال المعصومين وأفعالهم مطابقة للحكمة الألهية ومساوقة للعلم الألهي، لما لهم من التأييد والتسديد منه جلّ جلاله . ومن المعلوم ان الحكمة والعلم الالهّيين غير محدودين ونحن محدودون ( ولا يمكن للمحدود ان يدرك اللا محدود).

    ولو تنزلنا عن ذلك جدلاً، أمكننا القول بأن الواحد من المعصومين عليه السلام هو أفضل من أفضل واحد من البشر رأيناه أو سمعنا عنه، في جميع المستويات وعلى أي صعيد . والفرد مهما أوتى من قوة تفكير وحدة ذكاء فهو أدنى منهم بمراتب عظيمة. ومن المعلوم أن الأدنى لا يمكن ان يدرك جميع ما لدى الأعلى، ولا يمكن أن يفهم مستواه الا اذا كان مساوياً له.

    خذ اليك مثلاً : أن الطفل الدارس في المدارس الإبتدائية أو من هو على شاكلته هل يصح ان نتصور أن يفهم الرياضيات المعمّقة والفلسفة المحققة أو علوم الفيزياء أو الكيمياء المفصلة. وهكذا مستوى أي واحد منا تجاه أي واحد من المعصومين عليهم السلام. اذن فالتعرف على كل حقيقتهم وأهدافهم إن لم يكن محالاً، فهو بمنزلة المحال.


    ولكن في حدود ما نفهم، فإننا حين نريد أن نطرح بعض الأفكار عن أهداف الإمام الحسين عليه السلام في ثورته، فتلك الأفكار لا بد أن تكون حاوية على عدد من الشروط لا بد منها. و لا يمكن أن تكون أفكارنا جزافية أو مطلقة.


    الشرط الأول : أن يكون الشيء الذي نتصوره هدفاً للامام الحسين عليه السلام أمراً مرضياً لله عزوجل لا تشوبه شائبه عصيان أو أن يكون مرجوحاً في الشريعة المقدسة. بما في ذلك حب الدنيا وطلب المال والجاه والسيطرة المنفصلة عن الأمر الألهي والتكليف الشرعي.

    الشرط الثاني : ان يكون الهدف الذي نتصوره مناسباً مع حال الحسين عليه السلام وشأنه . لا أن يكون هدفاً موقتاً أو متدنياً أو ضئلاً. فإن ذلك مما لا يصح له وجود هذه التضحية الكبيرة التي أقامها الحسين عليه السلام وعاناها . فإنها عندئذ لا تكون معقولة ولا عقلانية، وانما لابد أن يكون الهدف معمقاً وواسعاً وأكيداً وشديداً، بحيث يسع كل هذه التضحيات.

    الشرط الثالث : أن يكون أمراً متحققاً، أما في الحال أو في الأستقبال. و لا يجوز أن نطرح له هدفاً فاشلاً وغير متحقق أو غير قابل للتحقق . فإنه خلاف الحكمة الالهية . و لايمكن أن ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحكمة اللا متناهية.

    مثال ذلك: أن الإمام الحسين عليه السلام لو كان قد استهدف النصر العسكري العاجل أوازالة حكم بني أمية أو ممارسة الحكم في المجتمع فعلاً. فهذا ونحوه من الأهداف القطعية الفشل . لأنها لم تحدث ولم يكن من الممكن أن تحدث . إذن فهو ليس بأمر مستهدف ، وان تخيله بعض من المفكرين أوعدد منهم، الا أنه لا شك في بطلانه ، لأن هدفه عليه السلام راجع إلى أهداف.


    الحكمة الألهية، ومثل هذه الأهداف لا يمكن أن تكون فاشلة، لأن الله تعالى كما هوحكيم هو قادر، فهو يستطيع أن ينفّذ ما في حكمته بكل تقدير.فلو استهدف الله سبحانه هدفاً لحصل. وحيث أنه لم يحصل فهو اذن غير مستهدف.

    الشرط الرابع: أنه يمكن أن يقال : ان من شروط فهم أهدافه عليه السلام، ان يكون مذكوراً في كلامه. لأننا انما نعلم بالأمور من أصحابها وأهل الحل والعقد فيها. وقديماً قال الشاعر : وأهل البيت أرى بالذي فيه. وليس لنا أن نضيف من عندنا شيئاً. وانما نسمع منه سلام الله عليه مثل قوله: (( انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (ص) آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر))(100) . بعد أن وصف المجتمع بضعف الدين وقلة الإلتزام بالتعاليم : (( ولم يبق من الدين الا صبابة كصبابة الاناء وخسة عيس كالمرعى الوبيل. الأ ترون ان الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه))(101).

    فالغرض من هذا العرض، هو أن الهدف إن كان مذكوراً في كلامه سلام الله عليه أخذنا به، وان لم يكن قد ذكره أعرضنا عنه . ولم نعتبره هدفاً حقيقياً له.

    الا أن هذا الشرط غير صحيح . لعدة أجوبة يمكن أن تورد ضده:

    الجواب الأول : ضعف الروايات الناقلة لكلامه سلام الله عليه، اذن فلم يردنا عن طريق صحيح بيان أهدافه سلام الله عليه. فلو اشترطنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة الأهداف اطلاقاً.

    الجواب الثاني : أن هنا كقانوناً عرفياً وشرعياً ، متبعاً في التفاهم بين جميع الناس، وان لم يكن يلتفت إليه الكثيرون بصراحة. وهو قانون : ((كلّم الناس
    ________________
    (100) مقتل الخوارزمي ج1ص188 – مناقب بن شهر آشوب ج3ص241 نجف
    (101) اللهوف لابن طاووس ص 34 – تاريخ الطبري ج3 ص225.


    على قدر عقولهم)(102) والحسين عليه السلام. لا شك ان المجتمع في ذلك الحين لم يكن يطيق فهم واستيعاب اهدافه الحقيقية من حركته، لأنه كان حديث عهد بالدين وبشريعة سيد المرسلين، ولم يكن المجتمع يومئذ تربى بالمقدار المطلوب، وانما كان فهمه للدين بسيطاً وتطبيقه للتعاليم قليلاً، ما عدا نفر يسير من الناس. وبالتالي لم تكن هذه الألف وحوالي النصف من السنين قد مّرت وأثرت في تربية المجتمع وتكامل فهمه العقلي والنفسي تكاملاً معتداً به . وكلما مرت السنين أكثر كان هذا التكامل اكثر لا محالة.

    فإذا لم يكن بيان أهدافه ممكنا عندئذ، فخير له أن يطويها في نفسه وان يكتمها عن غيره، وانما يقول للآخرين بمقدار ما هو ممكن فقط، مما لا يكون هو الهدف الحقيقي لحركته عليه السلام. و لا أقل من احتمال ذلك . الأمر الذي يسقط به هذا الشرط الرابع.

    الجواب الثالث : على هذا الشرط: ان هناك بعض الأعمال يعتبر التصريح بأهدافها افساداً لها ، وتكون عنذئذ عقيمة وغير منتجة، وهذا أحد التأويلات المهمة لما ورد(( استعينوا على أموركم بالكتمان)(103).

    وما ورد : (( من أن التصريح بالشيء قبل انجازه موجب لافساده))(104) .

    وهذا المعنى ظاهر للعيان بالتجربة، في كثير من الأمور الشخصية والعامة اذن فمن المحتمل ان يكون تصريح الحسين عليه السلام بأهدافه قبل حركته، مفسد لها مخرب لنتائجها . ومن هنا سيكون المتعين عليه كتمان ما يريده والصمت عما
    _________________
    (102) أصول الكافي ج1 ص67 حديث 15
    (103) اسعاف الراغبين على هامش نور الأبصار للشبلنجي ص77 – بتصرف- تحف العقول للبحراني ص 40.
    (104) مرآة العقول لللمجلسي ج9 ص 186- بتصرف.


    يستهدفه حفظاً للنتائج من الضياع اذ من المؤسف حقاً وجدا، وجود حركة مهمة من هذا القبيل الذي قام به سلام الله عليه وتضحية ضخمة على هذا الغرار ، ومع ذلك لا تكون منتجة ولا نافعة . اذن فمن الضروري أن تكتم أهدافه الحقيقية في سبيل صحتها وانتاجها. اذن فهذا الشرط الرابع، وهو أن نتوقع سماع الأهداف منه عليه السلام، ليس بصحيح . وهذا بخلاف، ما سوف نذكره بعون الله تعالى من الأهداف ، فإنها انما تاتي بعد انجاز حركته ووجودها والقائها . بل بعد حصول عدد معتد به من نتائجها . وانما يختص ما قلنا بالتصريح بالهدف قبل الحركة لا بعدها.


    الأهداف المحتملة للحسين (ع)


    ما يحتمل ان يكون هدفا للامام الحسين عليه السلام في حدود تفكيرنا وادراكنا، كما يلي. نذكرها جميعاً لنرى ما هو صحيح منها وما هو قابل للمناقشة، بعد الالتفات إلى أننا نفينا خلال الحديث السابق عن الشروط عدداً من الأهداف التي قد تخطر في الذهن. كالانتصار العسكري المباشر أو مباشرة الحكم فعلاً ونحو ذلك، لأنها لم تكن جامعة للشرائط . اذن فهي ليست هدفاً للحسين عليه السلام في حركته.اذن فينبغي ان نعرض عنها الآن ونذكر غيرها مما يدور في الحسبان.

    الهدف الأول : ان لا يبايع الحاكم الأموي يومئد كما طلب منه فإنه عليه السلام رفض ذلك بكل قوة وصمود. كما ورد عنه أنه قال : (( ومثلي ليبايع مثله))(105) . فقد تحمل القتل وهذه التضحيات الجسام في سبيل ترك هذه البيعة الدنيئة.

    وقد يناقش هذا الهدف بعدة مناقشات، يحسن بنا أن نذكر المهم منها، لكي يتكامل فهمنا لهذا الهدف في نفس الوقت من خلال الحديث:-

    المناقشة الأولى : أنه كان يمكنه سلام الله عليه تجنب كلا الأمرين :
    المبايعة ولاتضحية معاً فلماذا اختار التضحية مع امكانه تجنبها؟
    غير ان هذه المناقشة بمجردها غير تامة. للوضوح التاريخي أنه عليه السلام كان مكرها على أحد أمرين : المبايعة أو الشهادة (106)، ولم يكن في
    ______________

    (105) اللهوف لابن طاووس ص 11 ابن نماص14 الخوارزمي ج1ص184
    (106) البحار للمجلسي ج45 ص9 – اللهوف ص 41 – الخوارزمي ج2ص6


    مستطاعة طبيعياً أن يتجنبهما معاً. لمدى الضغط العظيم الذي وجهته الدولة يومئذ عليه طبعاً للمبايعة، وتهديداً بالموت ان تركها.

    ويدل على هذا الأمر مضافاً إلى وضوحه التاريخي، الارتكاز العام لفهم الدولة الأموية يومئذ . وكذلك ما فعل يزيد بن معاوية بسائر معارضيه من المحاربة والتنكيل ، ولم يكن الحسين (ع) ببدع من ذلك، كما يعبرون.

    ويدل عليه أيضاً ، ما ورد عنه عليه السلام من قوله (( الا وان الدّعي)(107) بن الدّعي قد خيرني بين السلّة(108) والذلة. وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنين))(109) والدّعى بن الدعي هو الحاكم الأموي.والسلّة هو سل السيف للقتل، والمراد به التهديد بالقتل. والذلة هوالمبايعة والدخول تحت السيطرة الأموية. وقوله : وهيهات منا الذلة، يعني هيهات منا المبايعة كما يريد الحاكم الأموي. كما قال في الخطبة نفسها: ((ان نؤثر بيعةاللئام على مصارع الكرام))(110) كما يدل على ذلك ما ورد من ان الحكم القائم يومئذ دسّ في مكة أربعين من العتاة وبثهم ما بين الناس، وأوصاهم ان يقتلوا الحسين عليه السلام ذلك ومن هنا خرج من مكة قاصداً المدينة المنورة لكي كون مقتولاً خارج الحرم المكي الذي جعله الله آمنا وحرّم فيه كل أشكال اهراق
    ____________________________
    (107) الدّعي : المتهم في نسبه والذي يدعى غير أبيه – اقر الموارد ج1ص373 – مجمع البحرين ج1 ص144 – بتصرف
    (108) السلّة : سل الشيء من الشيء سلاً : انتزعه واخرجه في رفق كسل السيف من الغمد – اقرب الموارد ج1ص535 – مجمع البحرين ج5ص398 – بتصرف
    (109) اللهوف لابن طاووس ص 41 – مقتل الخوارزمي ج2ص6
    (110) نفس المصدر
    (111) أسرار الشهادة للدربندي


    الدم حتى الصيد(112). فكره عليه السلام ان يكون سبباً لهتك هذا الحرم المقدس.

    اذن ، فلم يكين مستطيعاً أن يتجنب كلا الامرين : البيعة والتضحية، معاً بل كان مكرها أن يقبل باحدهما.وقد اختار لنفسه أعلاهما وأشرفهما وهو التضحية .

    المناقشة الثانية : ان هذا الهدف انما هو هدفه الشخصي من حركته، ونحن نريد التعرف على ما يكون محتملاً من أهداف الحكمة الألهية في ذلك.
    وقد أشرنا في مقدمات هذا البحث . على ثبوت كلا هذين النحوين من الأهداف . غير أن هذه المناقشة ايضاً لا تتم لعّدة وجوه . نذكر المهم منها:-

    أولاً: أن انقسام الأهداف كما ذكرنا وإن كان صحيحاً . غير ان الباحث او المفكر، كما يطمح ان يتعرف على الهدف الثابت في الحكمة الإلهية ، يطمح ايضاً ان يتعرف على الهدف الشخصي سواء بسواء.
    فالقول : باختصاص الطموح بأحد النوعين من الأهداف دون الثاني قول بلا موجب.
    اذن ، فحتى لو كان عدم المبايعة هدفاً شخصياً، فنحن يحسن بنا ان نلتفت اليه ونأخذه بنظر الإعتبار.

    ثانياً : ان عدم المبايعة هنا ، كما هو هدف شخصي للحسين عليه السلام، هو هدف للحكمة الالهية ايضاً. وأوضح سبيل إلى ايضاحه ان نقيس الأمر بحصول المبايعة. فكم سوف يحصل من المفاسد بوجودها، وكيف يتغير الدين الخالص ، ويبقى متغيراً فاسداً – وحاشاه – إلى يوم القيامة. وهذا بكل تأكيد خلاف الحكمة الالهية . اذن فوجود البيعة مخالفاً للحكمة الالهية ، فيكون
    ________
    (112) سورة الأعراف آية (94-96)

    عدمها موافقاً لها لا محالة

    المناقشة الثالثة : لهذا الهدف- أنه هدف وقتي منوط فمحالة بحياة الإمام الحسين عليه السلام. كما هو منوط بحياة الحاكم الأموي . لوضوح انه لا معنى للمبايعة لدى موت أحدهما. ونحن انما نريد الإطلاع على الأهداف الدائمية لا الأهداف الوقتية . غير أن هذه المناقشة غير صحيحة . ونورد عليها ما يشبه الوجهين اللذين أوردناهما على المناقشة السابقة.

    أولاً : أن هذا الهدف وان سلمنا انه هدف وقتي، الا ان اختصاص تعرّف الباحب أو المفكر بالأهداف الدائمة وغير الوقتية، بلا موجب، بل نحن نريد التعرف على كلا الشكلين من الأهداف..
    ثانياً : أن هذا الهدف وان كان منوطاً بحياة هذين الشخصين، الا أنه – مع ذلك- ليس وقتيا بل مستمراً. ولنا ان نقيس ذلك إلى صورة حصول المبايعة. فكما ان المفاسد مع حصول المبايعة سوف لن تكون وقتية بكل تأكيد، كذلك المصالح والأهداف الناتجة عن ترك المبايعة سوف لن تكون وقتية. ويكفي بها ان تكون تخلصاً ودفعاً لتلك المفاسد المستمرة. اذن فهي اهداف مستمرة.

    المناقشة الرابعة: لهذا الهدف . أن الإمام الحسني عليه السلام لم يكن مضطراً أو مكرهاً على هذين الأمرين: البيعة أو التضحية . بل كان يمكنه ان يتجنبهما معاً.كما قلنا في المناقشة الأولى . ولكننا قلنا هناك: انه يمكنه ان يتجنبهما وهو مرتاح في بلده. ولم يكن هذا صحيح كما عرفناه.

    أما هنا فنقول : انه كان يمكنه أن يخرج إلى بلاد بعيدة لا تنالها يد الأموين ، كاليمن أو الهند أو الأفغان أو غيرها لنجوا من القتل والبيعة معاً.
    وخاصة وان الدول في ذلك الحين لم تكن تملك امكانيات الدول الحاضرة. ولم


    يكن في استطاعتها الحرب في الأماكن البعيدة وقد ورد عن بعض ناصحيه والمشفقين عليه من الخروج(113) هذا المعنى. فلماذا لم يفعل؟ وجواب ذلك يتم في وجوه . نذكر أهمها:-
    أولاً : ان ما قاله المستشكل من ضعف الدول القديمة وان كان صحيحاً، إجمالاً الا انه ليس صحيحاً تماماً. اذ يكفي ان تصور كيف سار الفتح الأسلامي في ذلك القرن الأول نفسه. بل قبل مقتل الحسين عليه السلام إلى العراق وايران وسوريا وفلسطين ومصر وأذلّ الجبابرة والقياصرة والأكاسرة. فكيف حصل ذلك الا باستعداد تام ومعنويات عالية.

    كما يكفي أن نتذكر كيف خاض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، قبل مقتل الحسين بمدة طويلة حروباً مروّعة كصفين والنهروان . أما عن الحديث عن حروب الجاهلية السابقة على الاسلام فحدث و لا حرج.

    اذن ، فالناس في ذلك الحين ، كانوا مقاتلين شجعاناً . ومتدربين على تحمل أنواع المصاعب في سبيل ما يطمحون إليه من الأهداف أو ما يؤمرون به من الأغراض . اذن فمن المحتمل جداً، بل السائغ تماماً، ان نتصور ان الحسين عليه السلام أينما ذهب فسوف يرسل الحاكم الأموي خلفه جيشاً عرمرماً(114) للقضاء عليه وقتله او أن يدس إليه من يقتله غيلة أينما وجده. وليس كل ذلك على المفسدين ببعيد.

    اذن فهذا التخيير بين السلّة واللذة ) أو ( البيعة والتضحية) كان عليه السلام مكرها عليه في كل وجه الأرض المنظور يومئذ بكل تأكيد. ولم يمكن النجاة منه على أي حال.
    ________________
    (113) ومنهم ( محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس) تاريخ الطبري ص219 الكامل في التاريخ ج4 ص7 وص16
    (114) عرمرماً الشديد والجيس الكبير (قرت الموارد ج2 ص773)

    ثانياً : ان الأمام الحسين عليه السلام لو ذهب بعيداً، لأرجف عنه أعداؤه انه ذهب منهزماً عن المواجهة وفاراً من الملاقاة ولو صفوه بكل عظيمة. والأعلام يومئذ وفي كل يوم على استعداد لذلك على أي حال. وهذا ما لا يريده لنفسه بعد أن كان يعيش من نقطة قوة وبروز في المجتمع بصفته سبط الرسول (ص) وابنه وسيد شباب أهل الجنة والإمام المفترض الطاعة لطائفة من المسلمين.

    كيف، ونحن نجد أعداءه قد أرجفوا ضده، بالرغم من تضحيته وصبره وصموده. فكيف كان عليه الحال لو اختار الاحتمال الآخر. وان كان يدرك ان فيه بعض المصالح على أي حال. يكفي ان هذا الارجاف عندئذ يستطيع ان يسيطر في المجتمع الجاهل. وان يسلب بعض نقاط القوة التي كان يعيشها الحسين عليه السلام فقد لا يكون عندئذ ناجحاً في عمله. حتى لو ذهب إلى مكان بعيد.

    ثالثاً: اننا لا ينبغي أن نتوقع أن يذهب الحسين عليه السلام إلى أي نقطة من العالم كيف كانت. ولذا لم يذكر له الذين ناقشوه على الخروج إلا منطقة واحدة هي اليمن. وقالو له : (ان فيها شيعة لابيك)(115) . لأن أباه أمير المؤمنين عليه السلام ذهب إلى اليمن بأمر النبي (ص) ردحا من الزمن ورآه اليمنيون وأحبوه.

    أما ذهابه إلى مناطق اخرى. فغير معقول إطلاقاً إمّ لكونهم ضد الحسين عليه السلام، كما حصل في الكوفة وكربلاء، وأما لانهم غير مسلمين أساساً، وأما لأنهم غير عرب أساساً . يتعذر العيش معهم لاختلاف لغتهم. وأما لأنهم متخلفون حضارياً بحيث يضيع وجوده بينهم وينقطع خبره عن الآخرين. وكل
    _______________________
    (115) الخوارزمي ج1ص188 – مناقب بن شهر آشوب ج2ص240 ط نجف

    ذلك غير معقول ولا يريده الحسين لنفسه.

    وأكرر الآن : ان المكان الوحيد البعيد الذي كان مناسباً نسبياً، لم يكن الا اليمن، وهو الوحيد الذي ذكروه له. الا أنه رفضه. وكان رفضه بحسب فهمنا معتمداً على الوجهين الأولين اللذين قلناهما قبل قليل لهذه المناقشة فراجع وفكر. مضافاً إلى أمور آخرى تعرفها من أجوبة المناقشات السابقة.

    وحيث لم تتم مناقشة واحدة لهذا الهدف الحسيني الجليل. اذن يتعين الاخذ به، وهو ترك البيعة ليزيد بن معاوية، واختيار التضحية عليه. فاذا تم هدف آخر فيما يلي، كان نوراً على نور. والا ففي هذا الهدف الكفاية.

    الهدف الثاني : الممكن لحركة الحسين عليه السلام. الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى اياه بها، ذلك الأمر المعروف لديه اما بالالهام أو بالرواية عن جده النبي (ص)(116) . وكان يطلب ثواب الله وجزاءه الآخروي على ذلك تماماً كما يفعل أي مؤمن حين يؤدي أي واجب ديني كالصلاة أو الصوم او الحج.

    ويدل على ذلك : ما ورد عن جده (ص) أنه قال له في المنام : (( يابني : انه لا بد لك من الشهادة وان لك درجات عند الله عزوجل لن تنالها الا بالشهادة))(117) . كما يدل عليه ما ورد : انه بعد مقتله عليه السلام وضعت أخته الحوراء زينب سلام الله عليها يديها تحت جسده الطاهر وقالت : ((اللهم تقبل منا هذا القربان))(118) . لوضوح ان القبول انما يكون لعمل من أعمال الإمتثال والطاعة.

    وهذا الهدف، صحيح بكل تأكيد ، كما انه بكل تأكيد هدف شخصي
    __________________
    (116) البحار للمجلسي ج44 ص328 أسرار الشهادة للدربندي ص224
    (117) أمالي الصدوق . مجس 30ص135 الخوارزمي ج1ص187 البحار ج44ص328
    (118) الكبريت الأحمر ج3ص13 عن الطراز المذهب.


    له وليس من أهداف الحكمة الالهية في حركته. فان الحكمة الالهية وان كانت تريد امتثاله وطاعته سلام الله عليه. الا أن هذا مما يعود إليه لا أنّه يعود على غيره. والأهداف التي نتحدث عنها انما هي الأهداف التي تعود إلى غيره بالنفع. مما قلنا انه من أهداف الحكمة الألهية من حركته. في حدود ما نستطيع تعقله. الا اننا قلنا في نفس الوقت. ان الطموح غير خاص بالأهداف العامة، بل تشمل الأهداف الخاصة أيضاً. مضافاً إلى امكان أن يقال بكل تأكيد - أيضاً- : ان عدم انتفاع الآخرين من هذا الهف غير صحيح اطلاقاً. لا في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا : فلما سنذكره من الأهداف الاتية من أن حركته أوجبت هداية الناس وتعريفهم أهمية الدين ولزوم التضحية له عند الحاجة بالنفس والأهل والمال والولد . وأن طاعة الله سبحانه لازمة على كل حال. واما في الآخرة : فلأنه عليه السلام أصبح واسع الشفاعة يوم القيامة. أكثر من أي واحد من المعصومين الآخرين سلام الله عليهم . كما ثبت في محله ووردت عليه بعض النصوص(119) . ولم يكن لينال هذه المنزلة لولا تلك المقامات والدرجات التي حصلت له بالشهادة نفسها.

    اذن فالأمر كما يعود إليه يعود إلى غيره، والرحمة الالهية عام للجميع .

    الهدف الثالث : الذي قد يخطر في بعض الأذهان لحركة الحسين عليه السلام: هو الانتصار العسكري المباشر أو قل : ازالة الحكم الأموي فورياً.

    وهذا مما سبق أن أشرنا إلى نفيه خلال حديثنا عن الشروط السابقة(120) ولكننا نذكره الآن لان عدداً من الناس بما فيهم بعض المفكرين قد يتصورونه .

    وقد يستدل عليه بما ورد من أنه قيل لمسلم بن عقيل سلام الله عليه حسي تألب عليه الأعداء في الكوفة : (ان الذي يطلب ما تطلب لا يبكي اذا نزل به ما
    _____________
    (119) الخصائص الحسينية للتستري ص14 (ط) – والبحار للمجسي ج98ص16 (ط)
    (120) الشرط الثالث من باب حدود أهداف الحسين فراجع.

    نزل بك)(121) . اذن فهو يطلب السيطرة على الحكم أعني من الناحية الدينية ، ويدافع عن هذا الهدف ضمن دفاع الحسين عليه السلام لأنه رسوله إلى الكوفة . غير ان صحّة هذا الهدف تتوقف على أمور لو تم أي واحد منها أمكن قبوله والا فلا.

    الأمر الأول : أن نتصور الإمام الحسين قائداً دنيوياً قد تخفى عليه بعض النتائج وأن عدم سيطرته الفعلّية على الحكم أمر لم يكن يتوقعها أول الأمر. ثم أصبح مغلوباً على أمره متورطاً في فعله.

    وقد سبق أن ناقشنا ذلك مفصلاً، وعلمنا أنه عليه السلام عالم بالنتائج قبل حدوثها. أما بالالهام أو بالرواية عن جده (ص) ومن هنا فمن غير المعقول ان نجرد منه قائداً دنيوياً مهما كان عبقرياً.

    الأمر الثاني : أن يكون هذا الهدف الذي يقال أو أي هدف يقال، جامعاً للشرائط. لأنه ينقص منه شرط واحد وهو التحقق فعلاً . فإن هذا الهدف لم يتحقق أصلاً قطعاً. فلا ينبغي أن نعتبره هدفاً كما سبق أن برهنا عليه هناك.

    الأمر الثالث : أن نفهم من التاريخ أن انتصار الحسين وفوزه المباشر على أعدائه أمر محتمل ، وأن احتماله وارد ومعقول بحيث يكون استهدافه أمراً معقولاً. وأما اذا كان في نفسه أمراً غير محتمل، كما يعرفه جماعة من حذاق المجتمع ومفكريه . بما فيهم الذين ناقشوه في الخروج إلى الجهاد(122) . اذن ، فلا يكون استهداف مثل هذا الهدف معقولاً عرفاً وعقلائياً وسياسياً، فضلاً عن الالتفات إلى العلم الإلهي والحكمة الإلهية.

    الهدف الرابع : المحتمل لحركة الإمام الحسين عليه السلام
    _____________
    (121) مقتل الخوارزمي ج1ص211 – الطبري ج6ص211 - الارشاد للمفيد ص214
    (122) مرّ ذكرهم سابقاً فراجع.

    فضح بني أمية ومن كان على شاكلتهم من يومه إلى يوم القيامة، بأنهم ليسوا فقط ظالمين لانفسهم بينهم وبين الله سبحانه. بل ولا ظالمين للناس في حكمهم غير العادل فحسب وانما الأمر أكثر من ذلك فانهم على استعداد أن يقتلوا الرجال والأطفال وأن يسبوا النساء وأن يقتلوا خير الخلق الموجودين على وجه الأرض من أجل التمسك بالحكم أو الكرسي. وهذا معناه انهم مستعدون أن يقتلوا أي إنسان أو أي عدد من الناس مهما كثر عدده أو كثرت أهميته، في سبيل ذلك. كما أن معناه عدم وجود عاطفة الانسانية في قلوبهم على الاطلاق . كما أن معناه أنهم على استعداد أن يفعلوا أي منكر آخر مما يرتبط بالملك أو لا يرتبط ، بعد أن انسلخوا تماماً عن الانسانية وعن الورع وعن المحارم.

    وهذا الهدف صحيح وواقعي . وقد حصل فعلاً على اثر واقعة كربلاء مباشرة و لا زال ساري المفعول وسيبقى إلى يوم القيامة ضد بني أمية الحكام السابقين، وضد أضرابهم من الظالمين من البشر إلى قيام يوم الدين.

    ومن هنا فإني أعتقد أن هذا الحاكم الأموي قد أخطأ خطاً كبيراً حين سود صحيفة أعماله بأمور كثيرة و منكرات فضيعة جداً. واوجب سوء ظن الناس والتاريخ به وبعشيرته وأمثاله باستمرار . مضافاً إلى غضب الله سبحانه. وذلك أنه فعل ثلاثة أمور مهمة مضافاً إلى منكراته السخصية أهمّها قتل الحسين عليه السلام وجيشه في كربلاء والتنكيل فضيعا(123) . مضافاً إلى رمي الكعبة بالمنجانيق وكان بمنزلة القصف المدفعي في زماننا، اذ يشعلون النار في بعض المواد ويقذفونها بعيداً على العدو بواسطة الآلة القاذفة التي تسمى بالمنجنيق. وقد بقيت الكعبة المشرفة تحت هذا القصف المركز أياماً بلياليها(124).
    __________________
    (123) الامامة والسياسة لابن قتيبة ج2ص5
    (124) نفس المصدر ج2ص10

    هذا مضافاً إلى واقعة الحرة، بقيادة مسلم بن عقبه الذي أباح المدينة المنورة ثلاثة أيام كاملة قتلاً ونهباً وسلباً وأعتداء على الأموال والنساء والأطفال، بشكل لم يسبق له مثيلاً(125)
    _______________________
    (125) نفس المصدر ج1ص179

    - ويحسن أ، نشير إلى خلافة يزيد وما أرتكب فيها من جرائيم حيث بدأت خلافة يزيد بن معاوية في آواخر سنة 61هـ وانتهت بوفاته في النصف الأول من سنة 64هـ وبذلك لتكون مدة حكمه ثلاث سنوات تقيريباً ارتكب فيها أبشع وأقبح جرائم في التاريخ البشري بشكل عام والاسلامي بشكل خاص ففي السنة الأولى قتل سبط الرسول وسيد شباب أهل الجنة وسبي نساءه وقتل عيالة وشردهم وروعهم ومثّل بالأجساد الطاهرة فأبان الرؤوس عن الأجساد فحملت فوق الرماح يطاف بها من بلد إلى بلد وبذلك صنع مع آل الرسول مالا يصنع معم الترك أو اليهود أن القوم الكافرين. وفي السنة الثانية أقدم عل ىجريمة بشعة لم يرو لها مثيل في التاريخ وهي واقعة الحرة وسميت بهذا الأسم نسبة إلى منطقة الحرة والتي هي قرب المدينة المنورة. وذلك أنه لما أنكر أهل الدينة أفعال يزيد وموبقاته وكيفية قتل الحسين وأهل بيته وأسر نساءه وفعله للمحرمات حتى وصل به الحال إلى الزنى بالمحارم، فيقول ابن سعد في الطبقات الكبرى وابن الأثير في الكامل : (ان عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة خطب في أهل المدينة خطبة قال فيها: (فو الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. إن رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة. والله لو لم يكن معي أحد من الناس لابليت لله فيه بلاء حسناً). فغضب يزيد من ذلك فأرسل جيشاً مؤلفاً من ثلاثين الف من أهل الشام وعليهم مسلم بن عقبة وقد قال له (السيف السيف أجهز على جريحهم وأقبل على مدبرهم واياك ان تبقى عليهم) . فيقع ثلاثون ألفاً من أهل الشام مدججون بالأسحلة الكاملة في أهل المدينة قتلاً وذبحاً ثلاثة أيام . وخطب مسلم بن عقبة قائلاً : (هذه المدينة لكم مباحة ثلاثة أيام دمائها ونسائها وأموالها). وذكر المؤرخون أنه بلغ عدد قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين وأصحاب رسول الله (ص) ألفاً وسبعمائة ، ومن سائر الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان وقد نقل المؤرخون صور مروعة عن هذه الفاجعة فمثلاً ما نقل عن أبي معشر حين قال : (ان رجلاً من أهل الشام دخل على امراآ نفساء من نساء الانصار ومعها صبي لها فقال لها : هل من مال؟ قالت لا والله ما تركوا لي شيئا فال : والله لتخرجين إلي شيئا أو لاقتلنك وصبيك هذا فقالت ويحك انه ولد بن أبي كبش الأنصاري صاحب رسول الله (ص) وقد بايعه يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي. .... فما اتيت شيئاً فاتق الله ثم قالت لابنها يا بني والله لو كان عندي شيء لافتديتك به. قال : فأخذ الشامي برجل الصبي والثدي في فمه =

    الهدف الخامس : المحتمل لثورة الحسين عليه السلام:

    هو طلب الاصلاح أو محاولة الاصلاح في الأمة المسلمة أمة جده رسول الله (ص). وهذا هو الذي روي عنه عليه السلام حين يقول : (( والله ما خرجت آشراً ولا بطراً ولا ضالماً وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله (ص) آمر بالمعروف وانهى عن المنكر ))(126) . وذلك حين رأى سلام الله علهي أ، الدين قد تغير عن القلوب وأن المعروف لا يعمل به وأن المنكر لا يتناهى عنه . وأنه لم يبقى منه صبابة الا كصبابة الاناء أو خساسة عيش
    _______________________
    = فجذبه من حجرها وضرب به الحائط فأنثر دماغه على الأرض أمام أمه). ويدخل القوم المدينة وتجول خيولهم فيها فيقتلون وينهبون فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي ولم يتركوا فراشاً غلا نفضوا صوفه ولم يتركوا حتى الحمامة والجداج الا كانوا يذبحونها فهذا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله (ص) يدخلون عليه فينتفون لحيته ويضربوه ضربات ثم يأخذون كل ما يجدون في بيته حتى الصوف وحتى زوج حمام كان له بالرغم من أنه عرف لهم نفسه. والأفظع والأدهى من ذلك كله إباحة مسلم بن عقبة بأمر من يزيد نساء المدينة المنورة لجيش الشام ثلاثة أيام وكأنهن لسن مسلمات أو انهن ساري حرب غير المسلمين وهذه الجريمة النكراء ارتكبت عند قبر النبي (ص) وفي حرم النبي وحمى النبي فنادى مناد (مسنم) في أهل الشام: ( يا أهل الشام أن اميركم مسلم بن عقبة بأمر من أمير المؤمنين يزيد بن معاوية اباح لكم هذه المدينة كلها ثلاثة أيام ومن زنى بأمرأة فذاك له). فوقع جيش الشام في الزنا بالمسلمات وفيهن بنات المهاجرين والانصار وفيهن ذوات الأزواج وفيهن الأبكار..........
    وأما في السنة الثالثة فأن خليفة المسلمين يبعث بجيش جرّار إلى مكة المكرمة لحصار عبد الله بن الزبير فرموا الكعبة المقدسة بأحجار صخام ونار من المنجنيق حتى حطموها وأحرقوها ولم يبق منها سوى المدر فهذه ثلاث سنوات حكمها الطاغية فعمل بها تلك الجرائيم الكبرى وليت شعري لوكان عاش اكثر من ذلك ماذا كان يفعل ؟؟؟.

    راجع دائرة معارف القرن العشرين ج4 الامامة والسياسة لابن قتيبة السفينة ج1 ناسخ التواريخ (مجلد زين العابدين) شواهد التنزيل ج1 ص345 تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير (وقائع سنة 61....64هـ) تاريخ الفتوح لابن اعتم ج5.
    (126) مقتل الخوارزمي ج1ص188 مناقب بن شهر آشوب ج3ص241ط نجف – أسرار الشهادة للدربندي ص191.

    كالمرعى الوبيل. كما يستفاد من الكلام المروي (127)عنه سلام الله عليه.
    وهذا هدف محترم جداً، وكان الحسين (ع) أهلاً له الا انني أعتقد أن الاصلاح المقصود على قسمين اصلاح يحصل منه مباشرة قبل مقتله واصلاح يحصل من المجتمع بعد مقتله وبسبب شهادته. وهو أيضاً اصلاح منسوب إليه ويمكن أن يكون قد تعمده واستهدفه.

    أما الأصلاح المباشر في حياته، فهو لا يحتمل ان يكون هدفاً. لأنه فاقد لأحد الشرائط السابقة. وهو عدم التحقق في المجتمع. وقد كررنا ان الأمر الذي لم يتحقق لا يمكن أن يكون هدفاً.

    وقد يخطر في البال : أن الأصلاح المباشر قد حصل خلال الخطب والأقوال التي قيلت من قبل الحسين نفسه وأصحابه وأهل بيته قبل مقتله وهذه تكفي للمشاركة بالاصلاح مشاركة فعلية وفعّأة.

    وجواب ذلك : أن الخطب والأقوال قد حصلت فعلاً ، الا أنها كانت مكرسة كلها لأجل الحديث عن حركة الحسين وشرح أبعاها والدفاع عنها . ومعه فلا تكون هي الاصلاح المعهود والموعود وانما التوقع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جوانب الدين عامة وفي فروعه كافة . وهو ما لم يحصل على الاطلاق. لأن الأجل لم يمهله عليه السلام وأصحابه للقيام بهذه المهمة الشريفة الموعودة .

    وانما الذي حصل هو الهداية والرعاية للبشر دينياً ومعنوياً وانسانياً وآخروياً بمقتله وشهادته سلام الله عليه. أذا أعطى المثال الأعظم للتضحية الصخمة بهذا الصدد. فكان النبراس الأفضل الذي يضء للاجيال طريقهم باستمرار وإلى يوم القيامة.

    _____________

    (127) اللهوف لابن طاووس ص34 الطبري ج6ص229 البحار للمجلسي ج44ص381



    ونستطيع أن نؤكد أن هذا الاصلاح هو الذي كان مقصوداً للحسين عليه السلام ومستهدفاً له. وإن لم يصرح به تماماً آخذاً بقانون ((كلم الناس على قدر عقولهم))(128) . وهو هدف جليل وصحيح ولا غبار عليه.

    الهدف السادس : المحتمل للحسين عليه السلام في حركته:
    هو الاستجابة لأهل الكوفة حين طلبوا منه القدوم عليهم وأخذ البيعة منهم وممارسة الحكم بينهم ، وقالوا : ( وانما تقدم على جند لك مجندة)(129) . فأجابهم بالموافقة وعزم على المسير إليهم . الا أنه لم يوفق للوصول إلى الكوفة حيث اجتمع عليه الجيش المعادي في كربلاء وتم الاجهاز على حركته هناك.

    وهذه الاستجابة وان كانت صحيحة بحسب الحكم الظاهري في الشريعة.

    اذ يجب عليه سلام الله عليه ان يستجيب لمثل هذا الطلب الجليل. ولكننا مع ذلك لا نعتبره هدفاً حقيقاً للحركة. وانما هي استجابة لا بد منها لسد الألسنة وقطع المعاذير من ناحية ، والتكلم مع الناس على قدر عقولهم. وأما لو لاحظنا الأمر أعمق من ذلك بقليل لوجدنا عدّة اشكالات ترد على هذا الهدف.

    أولاً: لأننا نعلم أنه عليه السلام يعلم أن أهل الكوفة يومئذ كاذبون عن الاعراب عن موالاتهم ومبايعتهم ، وانما هم فسقة ومنافقون.

    ولا يتوقف الاطلاع على هذا الأمر على الالهام أو التسديد الالهي، وان كان هذا صحيحاً في نفسه. الا أنه أيضاً كان واضحاً لكثير من الناس، يومئذ ، بما فيهم الذين ناقشوه في خروجه، وقالوا له في ما قالوا: ( أن أهل الكوفة قد غدروا بأبيك وأخيك فمن الحري أن يغدروا بك . وانما الأفضل أن تذهب إلى
    _________________________
    (128) أصول الكافي ج1ص67 حديث 15
    (129) الخوارزمي ج1ص195 – الطبري ج6ص197.

    اليمن فإن فيها شيعة لابيك)(130) . ويمكن أن يكون هناك حصيناً ضد الاعداء آمناً من شرور الزمان. فمن هذه الناحية، لا يحتمل في حقه أنه كان موافقاً حقيقة على الأمر ، أو أن يكون مصدقاً لهذا الخبر، بالرغم من أهمّيته

    ثانياً : انه بشر بمقتله قبل خروجه أكثر من مرة، وقد سبق أن ذكرنا ما يدل على ذلك مما روي عنه سلام الله عليه. اذن، فقد كان يعلم بالنتيجة قبل حصولها، بمعنى أنه يعلم بعدم وصوله إلى الكوفة ولا مبايعهم له ولا نصرتهم أياه. بل يعلم محاربتهم له ومقتله على أيديهم، فانهم قالوا له ، (بأن قلوبنا معك وسيوفنا عليك)(131) .

    ثالثاً : انه هدف لم يحصل. وقد سبق أن تحدثنا في الشرائط ان كل هدف لم يحصل فهو ليس هدفاً حقيقياً.

    رابعاً : أنه عليه السلام علم وهو في الطريق إلى العراق بغدر أهل الكوفة وقتلهم لمسلم بن عقيل وارتدادهم عن بيعته، وهذا يستلزم بوضوح سقوط تكليفه الشرعي عن الاستمرار بالذهاب إليهم والهمّة في الوصول لهم.

    فإن قيل : أم الأمر كذلك غير أن الحر الرياحي جعجع به ومنعه عن المسير إلى حيث يريد وعن الرجوع إلى المدينة المنورة . وذلك سبب إلى وقوع الكارثة المروعة في كربلاء. ولولا ذلك لأمكنه عليه السلام الرجوع إلى المدينة أو الذهاب إلى أي مكان آخر، بعد أن سقط تكليفة الشرعي بالذهاب إلى الكوفة، كما عرفنا.

    الا ان جواب ذلك : ان في مثل هذا التفكير جهلاً بالتاريخ الإسلامي كما وصل إلينا. فإن الحسين عليه السلام علم بمقتل مسلم بن عقيل وعذر أهل
    _____________
    (130) الخوارزمي ج1ص188 مناقب بن شهر آشوب ج3ص240 – اسرار الشهادة ص224
    (131) الارشاد للمفيد ص218 - العقد الفريد ج4ص384
    الكوفة، حين كان ركبه في منطقة تسمى (زرود)(132) ولم يفكر بالرجوع يومئذ بل استمر في المسير، وهذا معناه انه استمر بالمسير رغم سقوط تكليفه الشرعي المشار إليه في هذا الهدف. وذلك من أجل هدف آخر أعمق وأهم منه. ولم يكن ألتقى بالحر الرياحي(133) يومئذ. وانما ألتقى به بعد ذلك في منطقة تسمى (شرأف)(134) . وعندئذ عرض عليه العودة إلى المدينة المنورة انذاك كان أهل الكوفة قد بدلوا رأيهم به وأعرضوا عنه. فمنعه الحر الرياحي عن الرجوع، وذكر أنه مأمور بمصاحبته حتى يدخله على عبيد الله بن زياد في الكوفة(135).

    اذن، فهناك فترة زمنية كافية لم يحدد التاريخ مقدارها ، لعلها أسبوع أو أكثر أو أقل ، كان يمكن للامام الحسين عليه السلام أن يعود بركبه إلى المدينة، وعندئذ لم يكن يلتقى بالحر ولا يجعجع به، وانما كان سلام الله عليه طالباً للشهادة على كل حال
    ـــــــــــــــــــــــــــــ
    (132) زرود في المعجم مما استعجم ج2ص696 بفتح أوله وبالدال المهملة في أخره . ومعجم البلان ج4ص327 وانها رمال بين التعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة وهي دون الخزيمية بميل وفيها بركة وحوص وفيها وقعة يقال لها يوم زرود.
    (133) الحر بن يزيد بن ناجية بن تعلب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن بربوع بن حنظلة التميمي....... من الشخصيات الاجتماعية البارزة في الكوفة واحد قواد الجيش الأموي الخارج لحرب الحسين (ع) وكان يقوم فيه ربع تميم وهندان كما يقول الطبري وغيره. وقد ذكر الخوارزمي في مقتله انه لحق بالحسين (ع) مع غلامه التركي ولعل اسمه (عروة) على ما نص عليه بعض المقاتل كمقتل الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ففيه اضافة إلى ذلك استشهاد ولد الحر (علي ) واخيه (مصعب ) كل هؤلاء لثلاثة بني يدي الحر. وفي اللهوف والخوارزمي ان قصة توبة الحر كانت بعد الحملة الأولى من أصحاب الحسين(ع) التي قتل فيها زهاء خمسين رجلاً . (واقعة الطف لآل بحر العلوم ص508).
    (134) شراف : في معجم البلدان بفتح أوله وآخره فاء ثانية محققة . سمي باسم رجل يقال له شراف استخرج عيناً حدثت آباراً كبار كثيرة ماؤها عذب من شراف إلى واقعة ميلان.
    (135) مقتل الخوارزمي ج1ص233 - الفتوح لابن أعثم ج 5 ص138 - أسرار الشهادة ص232
    اللهم الا ان يقال : انه عليه السلام أدرك بوضوح بعد أن أخبر بغدر الكوفة ببيعته انه لا يستطيع أن ينجو وهو في هذه المنطقة بالذات من بلاد الله . وبهذا يختلف حاله عن حاله وهو في مكة أو المدينة، فإنه كان يستطيع ان يذهب من هناك إلى اليمن مثلاً، في حين لا يستطيع الآن أن يفعل شيئاً بحسب القانون الطبيعي، لأنه أصبح بمنزلة المحاصر لجييوش بني أمية. وإن لم يكن كذلك فعلاً، الا ان الرجوع يحتاج إلى زمن طويل نسبياً، الأمر الذي يستلزم انهم يدركونه أينما وجدوه.

    وهنا ينتج أنه سلام الله عليه كان يائسا من الحياة. وتحدثنا فيما سبق أن اليائس من الحياة يختلف تكليفه الشرعي عن غيره ، ويستطيع أن يختار الموتة التي يتمناها لنفسه ان كان في مقدوره ذلك، وكان في مقدوره سلام الله عليه ذلك، فاختار لنفسه.

    الهدف السابع : المحتمل لحركة الحسين عليه السلام

    اعطاء الأمثولة للدين الحنيف القويم، وأنه يستحق هذا المقدار العظيم من التضحية والفداء. في سبيل الله وفي سبيل اقامة الأحكام الإسلامية والشعائر الدينية.
    وينبغي هنا أن نلاحظ أن الأمر انما هو مربوط بالله سبحانه قبل أن يكون مربوطاً بشيء آخر ، لان الدين على عظمته انما اكتسب الأهمية لأنه رسول الله. والمعصومون أنما حصلوا عليها، لأنهم أولياء الله. اذن فالأمر مربوط بالله مباشرة وليس غيره من قريب ولا بعيد . وهو الذي يستحق الفداء في الحقيقة، وان كان هو في غنى عن العالمين. ولذا ورد في تفسير قوله تعالى ( وفديناه بذبح عظيم)(136) .
    يعني الحسين عليه السلام. وهو لم يفد اسماعيل الذبيح سلام الله عليه. كما هو ظاهر السياق، بل وقع السياق في سبيل الله وفي طريق توحيد الله
    _____________
    (136) سورة الصافات . آية 107


    وطاعته . وهو نفس الطريق الذي ذبح من اجله اسماعيل عليه السلام وبعث فيه الأنبياء وأرسلت الكتب السماوية وحصل ما حصل.

    وفي هذا السبيل، قال الحسين عليه السلام: (( هؤّن ما نزل بي أنه بعين الله))(137). كما قيل انه حين سقط جريحاً لا يستطيع أن يواصل القتال، كان يردد قول رابعة العدوية:
    تركت الخلق طراً في هواكا وأيتمت العيال لكي اراكا
    ولو قطعتني في الحب اربا لما مال الفؤاد إلى سواكا(138)
    ________________________
    (137) اللهوف لابن طاووس ص49 البحار للمجلسي ج45 ص46
    (138) شاع على لسان الخطباء الحسينيين هذه الأبيات وأنها لرابعة العدوية وقد قالها الحسين (ع) عند مصرعه ولا أعلم على أي مصدر قد اعتمد هؤلاء الخطباء أو من أين أتى هذا الشياع فقد تتبعت اغلب المصادر المعتمدة التي تذكر مقتل الحسين (ع) فلم أجد أحداً يذكر أن الحسين (ع) قال هذه الأبيات أو حتى أنها نسبت إليه ونفس الشؤء بالنسبة إلى رابعة العدوية فأغلب المصادر التاريخية التي ذكرتها لم تذكر أو تنسبها لها. ولقد ذكر الابيات ابي فرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي في كتابه (كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة ص27) الا انه نسبها إلى ابراهيم بن ادهم. وهو أحد الزهاد المشهورين.
    واغلب الظن ان الخطباء استعملوها مجازاً كلسان حال عن الحسين(ع). والا بحسب القول الأول ببعد أن تكون للامام الحسين (ع) وذلك لسببين:-
    الأو ل: أن الحسين (ع) أسبق زمناً من رابعة قوافعة الطف حدثت في 61هـ ورابعة العدوية ولدت في القرن الثاني الهجري حيث ذكر المؤرخون أو وقاتها كانت في سنة 180 هـ وبهذا لا يمكن أن يكون الحسين رآها أو سمعها فضلاً عن ان يتمثل بأبياتها. وكذا هو الحال بالنسبة إلى ابراهيم بن ادهم الذي هو متأخر زمناً قد يصل لعدّة قرون عن الحسين (ع).
    الثاني : عدم وجود مصدر معتمد يذكر أن الحسين (ع) قال هذه الأبيات.
    وفي نفس الوقت نستبعد ان تكون هذه الأبيات لرابعة العدوية وذلك لوجهين :
    الأول : عدم وجود مصدر ينسب هذه الأبيات لرابعة. بل أـن بعض المصادر نسبتها إلى غيرها كابراهيم بن ادهم كما في (كشف الكربة).
    الثاني : مضمون هذه الأبيات يجعلنا نستبعد ان تكون لرابعة فالبيت يقول(( وايتمت العيال لكي أراكا)) بينما يذكر لنا التاريخ أن رابعة لم تتزوج قط وانها توفيت بدون زوج ولا أطفال فكيف أيتمت


    ________________
    العيال ؟ فإن قيل : انه لربما أريد بالعيال المعنى الآخر وهو الأعالة أي كل ما تعيله رابعة وتنفق=
    = عليه . قلنا : ان رابعة لم تكن ميسورة الحال او غنية لكي تعيل غيرها بل بالعكس فان المؤرخين يذكرون أنها كانت فقيره وكان الذين يعرفونها هم الذين يعيلونها ويساعدونها على المعيشة وبهذا ينفي هذا المعنى أيضاً عن رابعة العدوية. فإن قيل : أن هذه الأبيات يمكن أن تكون لرابعة الشامية* وقد توهم أنها لرابعة العدوية والأولى كانت متزوجة وميسورة الحال فيمكن أن ينطبق معنى البيت الشعري عليها. وقلنا : ان هذا لا يتم لآن البيت الذي يقول:
    تركت الخلق طرأ في هواكا وأيتمت العيال لكي آراكا

    يوحي لمعنيين : الأول : هو ترك الدنيا والخلق عن طريق الموت فهي ذاهبة إلى جوار الله في العالم الآخروي والموت بصورة شرعية أكيداً كالجهاد في سبيل الله ولم ينقل ذلك عن رابعة الشامية ولا حتى عن رابعة العدوية.
    والثاني : ترك الخلق عن طريق الغيبة عنهم والأنعزال لمناجاة الله وعبادته بدون ان ترى أحداً وأن أحداً يراها وهذا ايضاً لم ينقل عن رابعة الشامية بل بالعكس فلقد عاشت حياتها مع زوجها مطيعة له حريصة على خدمته حتى أنها زوّجته ثلاث نساء غيرها خوفاً أن تكون قد الهتها العبادة عن بعض واجبات زوجها فيجد ذلك عند الباقيات.

    ويمكن أي يسأل أحدهم اذا كان كذلك فمن أين شاع اسناد هذه الأبيات لرابعة؟ قلت : أن أغلب الظن ان الذين ذكروا هذه الابيات – من خطباء وغيرهم- لم يركزوا على ذكر الناظم لها. فعند التناقل جهل إسمه وخصوصاً مع قلة المصدار (( والتي تكاد أن تكون نادرة)) والتي تنسب هذه الأبيات لناظمها. وقد نسبت عرفاً لرابعة لوجود أبيات شعرية شبيهة بالأبيات المذكورة معنا ووزناً وقافية قد قالتها رابعة العدوية وقد نقلتها أغلب المصادر التي ذكرت رابعة وهو قولها:

    أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا
    فأما الذي هو حب الهوى فانشغالي بك عمن سواكا
    وأما الذ أنت أهل له فكشفك الحجب لكي آراكا
    فلا الحمد في ذي وذال لي وانما لك الحمد في ذي وذاكا

    ويمكن أن نقول أيضاً انها قيلت على لسان الحسين (ع) كلسان حال لا أكثر. كما هو المشهور في كثير من الأبيات كقولهم :
    ان كان دين محمد لم يسنقم الا بقتلي فيا سيوق خذيني
    كقولهم
    شيعتي ما إن شربتم عذب ماء فاذكروني

    وغيرها كثير


    وفي هذا السبيل ايضاً روي عن زينب العقيلة بن علي أمير المؤمنين عليه وعليها السلام أنها بعد المقتل وضعت يديها تحت الجثمان وقالت: (( اللهم تقبل منا هذا القربان))(139) . وفي بعض الروايات : (( هذا القربان القليل))(140)، يعني القليل مهما كان شريفاً وعظيماً أمام عظمة الله اللامتناهية وأمام استحقاقه اللامتناهي للتضحية والفداء.
    اذن فالمسألة الأهم من كل شيء هي أهمية التوجه إلى الله والتضحية في سبيله وتطبيق طاعته والحصول على رضوانه بكل صورة مهما كان الوسائط ومهما كانت النتائج .وهذا هدف صحيح قد تحقق فعلاً، وقد عرفت الأجيال ذلك بكل وضوح.

    وقد يخطر في البال : عن قول زينب سلام الله عليها: اللهم تقبل منا هذا القربان : ان قولها (منا) ليس بصحيح ، لأنه وان كان قرباناً عظيماً الا انه انما قدّمه الحسين نفسه، وليس لأحد آخر أن يقدمه ، بل لا معنى لذلك ، لأن
    _________________________________________
    وقد رجعت سماحة المؤلف في هذه الأبيات فقال لي : انه قد سمعها شخصياً من أحد الخطباء الكبار ولم يقرأها في كتاب ولذلك لم يسندها وانما عبر عنها ب(قيل) . ولمن أراد التوسع في رابعة فليراجع =
    =كتاب شهيدة العشق الألهي لعبد الرحمن بدوي وكتاب رابعة العدوية لطة عبد الباقي سرورو فانهما قد ذكر جميع المصادر التي ذكرت رابعة. والتي لا محال لذكرها هنا
    _________________
    * وهي رابعة بنت اسماعيل الشامية توفيت سنة 235 هـ ودفنت برأس زينا ببيت المقدس وزوجها أحمد بن أبي الحواري وأبوه أبو الحواري ميمون من أهل دمشق وقد كان من العارفين الورعين وقد كان أحمد له نصيب منه توفي سنة 230 هـ وكان قد تزوج ثلاث غيرها وهذه رابعة كانت أيضاً من العابدات الورعات فينقل عن زوجها عندما سئل عنها قال : اذا أتيتها في النهار قالت : بالله عليك لا تفسد علّي صومي واذا اتيتها في الليل قالت : لا تفسد علي عبادتي (كتاب سير السالكات المؤمنات الخيرات لأبي بكر الحصني) وكثير ما كان يشتبه المؤرخون بينها وبين رابعة العدوية التي كانت أسبق زماناً منها.

    (139) الكبريت الأحمر ج3ص13 عن الطرازالمذهب

    (140) نفس المصدر.

    التضحية الحقيقية والألم الحقيقي لم يتحمله غيره ولم يشعر به غيره. فما تفسير كلامها سلام الله عليها؟

    جواب ذلك : أن تضحية عظيمة من هذا القبيل، أو أية تضحية أخرى مهمّة، لا تكون ذات مستوى واحد بل على مستويات متعددة لأن انطباعها في نفس صاحبها وفي نفوس الآخرين يكون متعدداً لا محالة. وفي حدود ما نستطيع ان نسفيد منه هنا من المستويات نذكر ثلاثة منها:

    المستوى الأول : التضحية بمعنى تحمل الألم والجروح والقتل والصبر عليه طواعية. وهذا المستوى خاص بصاحب التضحية، ولا يمكن أن يكون شاملاً لغيره كما قال السائل.

    المستوى الثاني : التضحية بمعنى الاعانة لصاحب التضحية بكل ما يمكن من جهد وجهاد، وتحمل كل بلاء في سبيله، مضافاً إلى تحمل فراقة كشخص محبوب أسرياً ودينياً واجتماعياً.وتحمل الحرمان عن فوائده وتوجيهاته ولطفه.

    وهذا المستوى خاص بمن كان مع الحسين عليه السلام من الركب المعاون له في الحياة والموافق له في الأهداف. فإنهم رجالاً ونسائاً وشيباً وشباناً. أتعبوا أنفسهم في سبيله تماماً، وتحملوا شظف(141) العيش وبلاء الدنيا لأجل رضاه الذي يكون سبباً لرضاء الله عزوجل . كما قال ((رضا الله رضانا أهل البيت))(142). ومن هذه الناحية وعلى هذا المستوى كانت التضحية تشملهم. فكأنهم هم اللذين رفعوا الحسين عليه السلام قرباناً لله عزوجل.

    ولا شك ان العقيلة زينب سلام الله عليها بنت علي عليه السلام من ذلك الركب المضّحي في سبيل الحسين عليه السلام.ولعلها أهم النساء
    _______________
    (141) شظف : شظف الرجل شظفاً كان عيشه ضيقاً وشديداً ويابساً فيقال شظف العيش (أقرب الموارد ج1ص529).
    (142) الخوارزمي ج2ص5 اللهوف ص 26 كشف العمة للأربلي ج2ص241

    الموجودات فيه على الأطلاق. ومن هنا صح لها ان تدعو وتقول : الله تقبل منا هذا القربان.

    المستوى الثالث : الموافقة مع الحسين عليه السلام نفسياً وقلبياً وعاطفياً، وبالتالي الموافقة الحقيقية على عمل الحسين (ع) وتضحيته وعلى هدف الحسين (ع) ورسألته. حتى أن الفرد المحب له يحس كأنه أعطى قطعة من قلبه أو كبده وأنها قتلت فعلاً بمقتل الحسين عليه السلام .
    وانه (أعني المحب) وإن كان حياً يرزق في هذه الدنيا وفي كل جيل، الا ان التضحية تضحيته والعمل عمله. يكفينا من ذلك ما ورد : (( أن الأعمال بالنيات))(143). (( وأن نية المؤمن خير من عمله))(144). وماورد : ((أن الراضي بفعل قوم كفاعله))(145) .وماورد:

    ((أن الفرد يحشر مع من يحب))(146) إلى غير ذلك من المضامين التي تجعل التضحية التي قام بها الحسين عليه السلام، منتشرة فعلاً لدى كل محبيه والمتعاطفين معه علىمدى الأجيال. وان كل واحدمنهم يستطيع أن يقول :
    اللهم تقبل منا هذا القربان. وليس العقيلة زينب فقط.
    وقد يخطر في البال : في حدود هذه التضحيات المشار إليها : أن الأجيال كلها يجب أن تكون مثل الحسين عليه السلام في تضحيته الجسيمة وفعلته
    ________________
    (143) أسعاف الراغبين لصبان على هامش نور الأبصار للشبلنجي ص76 منية المزيد للشهيد الثاني ص42-جامع السعادات ج3ص112.
    (144) مصباح الشريعة ص5 منية المريد للشهيد الثاني ص43 - جامع السعادات ج3ص118
    (145) عيون أخبار الرضا للصدوقج1ص273 – نهج البلاغة خطبة 104وفيها يقول أمير المؤمنين (ع) : (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلىكل داخل في باطل اثمان اثم العمل به واثم الرضا به)
    (146) الكافي ج8ص80 حديث 35 بتصرف أمال الطوسي المجلد الثاني ص245 مجلس يوم الجمعة 2 رجب

    الكريمة. فتضحي بالنفس والنفيس في سبيل الأهداف التي قتل لأجلها الحسين عليه السلام.

    وجواب ذلك : أن الأمر ليس كذلك باستمرار، واثما قد يحصل ذلك أحياناً قليلة ، ولا يحصل ذلك أحياناً كثيرة وكل فرد يجب أن يحسب حساب تكليفه الشرعي أمام الله عزوجل. ونشير فيما يلي أن التكليف الشرعي كثيراً ما لا يقتضي ذلك. على عدة مستويات:

    المستوى الأول : ان التضحية التي أرادها الحسين عليه السلام واستهدف حصولها، وقد حصلت فعلاً ، هي من اأهمية والعظمة بحيث لا تكون مقدورة لأحد اطلاقاً .وان زعم الزاعم لنفسه انه يتحملها ، الا أنه يخدع نفسه لا محالة. يكفي في ذلك أنه سلام الله عليه معصوم وأعمال المعصومين بلا شك فوق طاقة الأفراد الاعتياديين مهما تصاعدوا في درجات الايمان والأخلاص.

    ومن هذا القبيل ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام عن زهدة : ((الا انكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني – يعني على أنفسكم الأمارة بالسوء – بعفة وسداد ...... إلى آخر ما قاله))(147).

    المستوى ا لثاني : انه لو كانت تضحيات الحسين عليه السلام واجبة على الأجيال بعده، لكان أولى من يقوم بها أولاده المعصومون عليهم السلام، مع العلم أنه لم يفعل ذلك ولا واحد منهم . اذن، فلماذا يجب أن يكون تكليفنا في الأجيال المتاخرة مثل تكليفه ولا يكون مثل تكليف وعمل أولاده، مع أنهم جميعاً معصومون. يكفي أننا يمكن أن نأخذ بعمل العدد الأكثر من المعصومين وهو الهدوء وليس الثورة فإن أولاده المعصومين تسعة وهو واحد.

    المستوى الثالث : أن الأصوب والأحجى لكل جيل هو أن ينظر إلى
    ________________
    (147) نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد كتاب 45ج 16 ص205

    تكليفه الشرعي أمام الله سبحانه، هل هو التضحية أو التقية. ولا شك أن التكليف الغالب في عصورنا هذه عصور الغيبة الكبرى هو التقية وليس التضحية. لمدى تآلب الاعداء وترصدهم في العالم ضدنا من كل صوب وحدب. بدون وجود طاقة فعلية عند ذوي الأخلاص لمقابلتهم ومضادتهم. ومن تخيل هذه القابلية، فهو متوهم سوف يثبت له الدهر أعني بالتجربة وهمته. والأفضل له هو العمل بالتكليف الفعلي وهو التقيةالمتنجة لحفظ أهل الحق من الهلاك المحقق في أي نقطة من نقاط هذا العالم المعروف.

    الهدف الثامن : المحتمل لحركة الحسين عليه السلام.

    ما يذكره بعض الناس، او طبقة من الناس من أن الحسين عليه السلام قتل من أجل اقامة المأتم عليه والبكاء عليه، فانها من الشعائر الدينية المهمة، التي توجب هداية الكثير من الباطل إلى الحق.

    ويمكن ان يستدل على ذلك بما ورد عن النبي (ص) ما مضمونه : (( ان لولدي الحسين حرارةفي قلوب المؤمنين لا تخمد إلى يويم القيامة))(148) . وهذه الحرارة أمر وجداني قائم فعلاً يحس بها الفرد المحب للحسين في قلبه، وهي التي تدفعه إلى التعب في هذا الطريق.

    ونتكلم عن هذا الهدف ضمن المستويات التالية:

    المستوى الأول : أنه ينبغي أن يكون واضحاً ان هذا الهدف بمجرده لا يصلح ان يكون هدفاً لكل تلك التضحيات التي قام بها الحسين عليه السلام . الا اذا اندرجت تحت عنوان اهم واعم وهو طاعة الله سبحانه او هدايةالناس او الاجيال لهذه الطاعة، أو التضحية في سبيل عقيدة التوحيد، كما اسلفنا ونحو ذلك، مما تكون الشعائر والمآتم مصداقاً لها وتطبيقاً لها، وليس النظر إليها نظراً
    ______________
    (148) مستدرك الوسائل ج2ص217 الكافي للكيليني ج8ص206


    مستقلاً عن غيرها. وهذا ما سيتضح أكثر من المستويات التالية بعونه سبحانه.

    المستوى الثاني : أنني أعتقد أن الله سبحانه جعل بأزاء تضحية الحسين عليه السلام نوعين مهمين من الثواب لا نوعاً واحداً، احدهما : الثواب الآخروي وهو المشار إليه بقول النبي (ص) –في الرواية- : ((ان لك عند الله مقامات أو درجات لن تنالها الا بالشهادة))(149).

    وثانيهما : الثواب الدنيوي : وهي عدة امور يسّرها الله سبحانه وتعالى خلال الأعوام والاجيال المتأخرة عن مقتله سلام الله عليه. وأعتقد انه جل جلاله انما يسّرها لمصلحة الاجيال. والا فإن الحسين عليه السلام لاجل من ان تناله الفائدة منها بقليل ولا بكثير. وان كنا نقول : انها تصلح ان تكون جزاءً له على التضحية لمدى أهميتها البالغة كما سنعرف. آلا انها دنيوية اي حاصلة في الدنيا، والحسين عليه السلام لم يقصد في تضحيته اي شيء من امور الدنيا مما قل أو كثر يقيناً. وانما حصلت لأجل مصلحة هداية الآخرين لا اكثر. ونستطيع ان نعد منها الأمور التالية:-

    الأمر الأول : ان الإمامة في ذريته لا في ذرية الحسن اخيه عليه السلام.
    الأمر الثاني : حسن الظن به خلال الاجيال ابتداء من قاتليه انفسهم إلى الاجيال المتأخرة عنه إلى يوم القيامة. حتى في ضمائر الاعداء وغير المسلمين ولذا نسمع قاتله يقول للحاكم الاموي بعد انتهاء الواقعة على ما ورد:-

    إملاً ركابي فضة أو ذهبا اني قتلت الفاري المحجبا
    قتلت خير الناس أمّا وابا(150)
    ______________
    (149) امالي الصدوق مجلس 30ص135 الخخوارزمي ج1ص185 - البحار ج44ص328
    (150) العقد الفريد ج4ص381 تاريخ الطبري ج6ص261 الكامل لابن الاثير ج3ص296- كشف العمة للابلي ج2ص263 مقتل الخوارزمي ج2ص40 مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص256

    ______________________
    وقد اختلف المؤرخون في قائل الأبيات وبالتالي في قاتل الحسين (ع) ومن الذين ذكرهم المؤرخون في قتل الحسين (ع) (كما أحصاهم باقر شريف القرشي في حياة الإمام الحسين ج3) هم : =
    = أولاً : سنان بن انس – الكامل لابن الاثير ج3ص295 مقاتل الطبيين اللهوف لابن طاووس-
    البداية والنهاية ج8ص88 وفيه يقول الشاعر
    (( وايّ رزية عدلت حسيناً عداة يثيره كف سناني)) الاستيعاب ج1ص379
    ثانياً : شمر بن ذي الجوشن - الخوارزمي ج2ص36 - البحار للمجلسي ج45ص56
    ثالثاً : عمر بن سعد - خطط المقريزي ج2ص268 مناقب ابن شهر آشوب ج5ص119
    رابعاً : خولي بن يزيد الاصبحي – درر الابكار في وصف الصفوة الأخيار ص38 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص259 الفتوح لابن اعثم ج5ص218.
    خامساً : شل بن يزيد الاصبحي – تاريخ الخميس ج2ص333 – الأخبار الطوال للدينوري ص231 حيث قيل ان خولى بن يزيد الأصبحي نزل عن فرسه ليحتز رأس الإمام (ع) فارتعدت يداه فنزل إليه اخوه شبل فاحتز رأسه ودفعه لأخية.
    سادساً : الحصين بن نمير - المعجم الكبير للطبراني – الافادة في تاريخ الائمة السادة.
    سابعاً : رجل من مذحج - تهذيب التهديب لابن حجر ج2ص353 (وقد انفرد بنقله)
    ثامناً: المهاجر بن أوس – نص على ذلك السبط بن الجوزي ولم يذكره غيره. (مرآة الزمان في تاريخ الاعيان).

    أقول : والراجح في هذه الأقوال كلها ان قاتل الحسين (ع) هو الشمر بن ذي الجوشن (لع) وذلك لعدة مرجحات منها ان الزيارة القائمية صريحة به وهي زيارة الناحية والواردة عن الإمام الحجة (عج) والتي يقول فهيا: (فلما رأت النساء جوادك مخزيا نظرن سرجك عليه ملويا .... وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك واضعاً سيفه على نحرك قابض على شيبتك بيده ذابح لك بمهنده ..... الخ) (مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي ص456).

    وهكذا جملة من الروايات المعتبرة. ومع ذلك لا شك في ان حولى بن يزيد الاصبحي وسنان بن انس (لع) ممن له مدخلية في قتل الحسين (ع) لذلك قال بعض العلماء ان القاتل كان ثلاثتهم حيث ذكر البعض ان هؤلاء الثلاثة عندما قدموا إلى عمر بن سعد ومعهم رأس الحسين (ع) قال خولى: انا ضربته بسهم فارديته عن جواده إلى الارض وسنان يقول : انا ضربته بالسيف ففلقت هامته والشمر يقول: أنا ابنت رأسه عن بدنه. (أسرار الشهادة للدربندي ص427)


    الأمر الثالث : تأثير تضحيته الجسيمة في هداية الناس وتكاملهم ايماناً، كل حسب استحقاقه، في اي مكان ووزمان وجد الفرد إلى يوم القيامة. ومهما كانت نقطة بدايته، حتى لو كان كافراً، بل حتى لو كان معانداً احياناً.

    الأمر الرابع : هذه الحرارة التي في قلوب المؤمنين من محبيه، والتي اشرنا إليها فيما سبق. والتي اوجبت تزايد ذكراه وتزايد اللوعة على ما اداه من تضحيات وما عاناه من بلاء.

    الأمر الخامس : ان ذكر أي معصوم غير الحسن عليه السلام بما فيهم النبي (ص) وعلي عليه السلام، في أي مجلس من مجالس محبيه، وفي اي مناسبة للحديث سواء كانت مأتماً أو خطبة او موعظة او غيرها، فإنها لات كاد تكون تامة ولا مرضيّة للقلوب ما لم تقترن بذكر الحسين عليه السلام، والتألم لمصابه.

    الأمر السادس : البكاء عليه لدى محبيه جيلاً بعد جيل واقامته الماتم والشعائر عليه سلام اله عليه. وهذا هو الذي ذكره بعض الناس كهدف مستقل كما ذكرنا. وهو انما يصح كنتيجة طبيعية وفق الله سبحانه وتعالى محبيه اليها لأجل مصلحتهم وهدايتهم. وسنتكلم عنها في المستوى الآتي من الحديث بعونه سبحانه لنفهمها بشكل واضح.

    المستوى الثالث : الحديث عن البكاء عليه السلام واقامة المآتم لذكرى مصابه . وهنا ينبغي لنا ان نقول : ان في قضية الحسين عليه السلام جانبين مهمين لا يكاد احدهما ان يكون اقل اهّمية من الأخر:
    الجانب الأول : جانب النعمة والرحمة، بهذا التوفيق الالهي العظيم للحسين عليه السلام واصحابه واهل بيته، بهذه المقامات وهذا الثواب الجزيل والعطاء الهني وهذا الجانب يقتضي الفرح والاستبشار لا الحزن والتألم . بل كما كان البلاء الدنيوي اكثر، كان الثواب الآخروي والتقرب الالهي اكثر، فيكون


    الاستبشار اكثر.

    وهذا ما ورد عن اصحابه المقاتلين معه انه قال احدهم: (عما قليل سنعانق الحورالعين)(151).وقال آخر : (ليس بيننا وبين الجنةالا ان يميل علينا هؤلاء باسيافهم)(152). وهم يعلمون انهم سيعانون الجرح والقتل والبلاء الصارم. ومن ذلك قول الشاعر يصف العباس عليه السلام اخو الحسين وقد حارب معه وابلى بلاء حسناً وعظيماً : قال الشاعر:

    عبست وجوه القوم خوف الموت والعباس فيهم ضاحك يتبسم(153).
    ومنه قول علي بن الحسين الأكبر فيما ورد عنه : (( لا نبالي اوقعنا على الموت ام وقع الموت علينا))(154)، يعني ما دمنا على الحق كما ورد في اول الرواية. وعدم المبالاة يعني عدم الحزن والتألم لهذا البلاء النازل. وانما هو الصبر بإيمان والجلد بيقين.بل الاستبشار برحمة الله ورضوانه.

    واذا كان غير المعصومين يحسّ بذلك فكيف بالمعصومين ومنهم الحسين نفسه. واذا كان اصحابه وذوه ممن هو تحت ذلك البلاء العظيم نفسه، لا يشعرون بالحزن والالم النفسي، بل بالاستبشار فكيف ينبغي ان يكون حال من سواهم من الناس من محبين وأولياء .

    الجانب الثاني: جانب الحزن والالم لما أصاب الحسين عليه السلام واهل بيته واصحابه ونسائه من بلاء وقتل وتشريد وسبي واذلال. وهي حادثة بمجموعها تعتبر اعظم ما وقع من البلاء الدنيوي على اي مجموعة اخرى من
    ______________________
    (151) تاريخ الطبري ج6ص241 – اسرار الشهادة للدربندي ص249
    (152) نفس المصدر – بتصرف
    (153) للسيد جعفر الحلي – المتوفي فجأة في شعبان لسبع بقين منه سنة 1315هـ( ادب الطف ج8 (ص99-115)
    (154) الطبريج6ص231 - الكامل لابن الأثر ج3ص282 - اللهوف ص30

    البشر خلال التاريخ البشري الطويل. ومن هنا كان رد فعلها المأساوي اعظم وأجل من كل حادثة آخرى في العالم مماثلة او غير مماثلة. ومن هنا قال الشاعر عنها

    وفجائع الأيام تبقى فترة وتزول وهي إلى القيامة باقية(1155).

    وكلا هذين الجانبين المشار إليهما ناجزان فعلاً في حادثة الحسين عليه السلام. ويحتوي كل منهما على نقطة قوة ونقطة ضعف، ينبغي ان نلاحظهما لكي نعرف القيمة الحقيقية لكل منهما اولاً. ولماذا اختير الجانب الثاني المأساوي في هذا الصدد.

    ولكل نقطة قوة في احدهما يقابله نقطة ضعف في الجانب الآخر. فنقطة القوة في الجانب الأول، هي كونه جانباً آخروياً محضاً، تقابله النقطة في الجانب الآخر، وهو كونه جانباً دنيوياً. لوضوح ان البلاء الذي عاناه الحسين عليه السلام ومن معه بلاء دنيوي خالص لا يشوبه بلاء آخروي اطلاقاً بل له في الآخرة اعلى المقامات وارفع الدرجات.ونقطة القوة في الجانب الثاني كونه سبباً لتربية المجتمع تربية صالحة ومؤكدة اكثر من الجانب الأول بكثير.ذلك المجتمع المتربي في حالته الاعتيادية على العواطف الشخصية والاسرية والدنيوية عموماً. اذن فمن المصلحة توجيه هذه العواطف إلى وجهة صالحة ومربية.فكما يبكي المؤمن على ولده أو والديه فليبك على الحسين (ع) واصحابه لينال في الآخرة ثواباً ويقيم للدين شعاراً. ومن هنا يكون توجيه البكاء والحزن للمؤمنين
    _______________
    (155) للشيخ عبد الحسين الأعسم بن الشيخ محمد علي بن الحسين بن محمد الاعسم الزبيدي النجفي. ولد في حدود سنة 1177هـ وتوفي 1247 هـ بالطاعون العام في النجف الاشرف عن عمر يناهز السبعين ودفن مع أبيه في مقبرة آل الأعسم. وهذا البيت من قصيدة طويلة مطلعها:
    قد اوهنت جلدي الديار الخالية من اهلها ما للديار وماليه

    (ادب الطف ج6ص287 – 294)

    نحو الدين ونتائجه الطيبة اكثر بكثير مما يوجه الفرح والاستبشار المشار إليه في الجانب الأول.

    مضافاً إلى ان الفهم العام لأي شيء بما فيها واقعة الحسين (ع) انما هو ظاهرها الدنيوي وليس واقعها الآخروي، فكان من الأفضل توجيه الناس إلى ما يفهمون والاستفادة لهم بمقدار ما يدركون.
    ومن هنا ورد عن الشريعة المقدسة وقادتها الأوائل بشكل متواتر لا يقبل الشك: الحث على البكاء على الحسين وحادثته المروعة(156) .وكان الطعن في ذلك ومناقشته بقصد مخلص او مغرض ناشيء من خطأ فاحش لا يغتفر.

    فمن امثلة ما ورد: أن النبي (ص) بكى على الحسين (ع) عند ولادته(157). وان امير المؤمنين (ع) ذكر واقعة الطف وانه نظر إلى كفي ولده العباس عليه السلام. وتنبأ بأنهما يقطعان في تلك الواقعة(158) . وان الإمام الحسن (ع) حين كان على فراش الموت مسموماً سمع اخاه الحسين يبكي عليه.فقال له : (( أتبكي عليّ ام انا ابكي عليك. لا يوم كيومك با ابا عبد الله فان لكي يوماً)
    _______________
    (156) امالي الصدوق ص125 مجلس 29- الدمعة الساكبة م1ص300 – البحار للمجلسي ج44 ص281
    ومن هذه الأخبار ما ورد في البحار ج44 اول باب ثواب البكاء ص278 بسنده عن علي بن الحسين بن فضال عن ابيه قال : قال الرضا (ع) : (منتذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ومن ذكّر فبكى وابكى لم تكبكي عينه يوم تبكي العبون ومن جلس مجلساً يحيي فيه امرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وفي امالي الصدوق بسنده عن ابي عمود قال : قال الرضا (ع) (المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دؤمانا وهتكت في حرمتنا وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا ..... (إلى ان قال).... فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فان البكار عليه تحط الذنوب العظام).
    (157) الخصائص الكبرة لسويطي ج2ص125 - البحار للمجلسي ج44ص251
    (158) اسرار الشهادة للدربندي ص263.

    اعظم من هذا اليوم))(159).

    واما الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، فقد اصبح احد الخمسة البكّائين من البشر . وخم آدم ويعقوب ويوسف والزهراء وهو سلام الله عليهم اجمعين. وذلك لكثرة بكائه على ابيه سلام الله عليه. في زمن صعب واعلان الاهتمام به الا بالبكاء .ومن هنا كان من البكّائين . حتى كان يخلط طعامه وشرابه بالدموع(160).

    واما قصيدة دعبل رحمة الله عليه التي قرأها على الإمام الرضا عليه السلام، فبكي لها وجمع العلويات خلف الستر لكي يسمعن ويبكين(161) فهي رواية اشهر من ان تذكر. وفيها يقول دعبل:

    أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا(162) وقد مات عطشاناً بشط فرات
    اذن للطمت الخد فاطم عنده واجريت دمع العين في الوجنات (163)
    __________________
    (159) مثير الأحزان لابن نما ص31 مناقب ابن شهر آشوب ج3ص238 – البحار ج5ص154
    (160) مناقب ابن شهر آشوب ج3ص303 ط نجف – امالي الصدوق مجلس 29ص124 - ويتجلى هذا الامر فيما نقله ابن شهر آشوب عن الإمام الصادق حيث قال : (بكى علي بن الحسين عشرين سنة وما وضع بين يديه طعام الا بكى حتى قال مولى له جعلت فدال يا ابن رسول الله اني اخاف ان تكون من الهالكين فقال الإمام : انما اشكو بثي وحزني إلى الله واعلم من الله ما لا تعلمون اني لم اذكر مصرع بني فاطمة الا وخنقتني العبرة).
    وفي رواية اخرى قال مولى له : اما آن لحزنكان ينقضي فقال له : ويحك ان يعقوب النبي كان له اثنا عشر ابناً فغيب الله واحداً منهم فابيضّـ عيناه من كثرة بكائه عليه واحد وحدب ظهره من الغم وكان ابنه حياً في النيا وانا نظرت إلى ابي واخي وعمي وسبعة عشر من اهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني) ابن شهر آشوب ج32ص303.
    (161) مقتل الخوارزي ج2ص130 – الدمعة الساكبة ص77 (نقلاً عن الاربلي في كشف الغمة).
    (162) مجّدلاً : بمعنى مرمي ملقي على الأرض قتيلاً (مجمع البحرين ج5ص336).
    (163) للشاعر دعبل الخزاعي (148 هـ- 246 هـ) وهذان البيتان من قصيدته التائية المشهورة التي مطلعها:


    وحسب فهمي انه لمدى تأثير البكاء في النفوس اولاً وفي الاعلام ثانياً وفي التربية ثالثاً. حصلت هناك من المعصومين سلام الله عليهم عدة امور مما اقتضى التركيز عليها:

    منها : أنه ابكى رسول الله (ص) بعد موت أولاده. كما ورد عنه انه قال : (( يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يغضب الرب))(164) .
    ومنها : ان الامام الباقر عليه السلام كما ورد: اوصى بمال يصرف من ثلثه في نوادب يندبنه في عرفة عند الحج عشر سنوات (165).

    ومنها : ان نساء الحسين (ع) من قريباب وبعيدات بقين على حالة الحزن والبكاء المتواصل وترك الراحة والهدوء عدة سنوات. حتى حصلت حركة
    _______________
    =

    تجاوبن بالارنان والزفرات نوائح عجم اللفظ والنطقات
    وقد انشدها على الأمام الرضا (ع) فلما وصل إلى قوله
    وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمن في الغرفات

    قال الرضا (ع) أفلا لك بيتين بهذا الموضع بها تمام قصيدتك فقال بلى يابن رسول الله فقال الأمام الرضا (ع)

    وقبر بطوس يالها من مصيبة الحت على الأحشاء بالزفرات
    إلى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرح عنا الغم والكربات

    فقال دعبل : هذا القبر الذي بطوس قبر من ؟ قال الرضا (ع) : هو قبر . ادب الطف ج1 ص295 – 309

    (164) الخصائص الحسينية للتستري ص40ط نجف- تحف العقول للحسن بن علي البحراني ص32.
    (165) وسائل الشيعة للعاملي ج3ص239 . ونقله المرحوم المقرم فيمقتله عن التهذيب للطوسي ج2 ص108 وكتاب المكاسب والمنتهى للعلامي الحلي ج2ص112 والذكرى للشهيد الأول المبحث الرابع من أحكام الأموات وفيمن لا يحضره الفقيه ص36 انه (ع) اوصى بثمانمائة درهم لماتمه وان يندب فيالمواسم عشر سنين. وادعى بعضهم ان هذا العمل غير جائزباعتبار ان صوت المرآة عورة ويحرم على الاجانب سماعه وقد رد هذا القول السيد المقرمفي مقتله ص105 بأفضل جواب بحيث لم يبق شك في بطلانهذا القول وصحة فعل الأمام (ع) فراجع.

    المختار الثقفي (166) الذي حاول قتل المتعدين من قتله الحسين(ع) واصحابه في الطف(167).

    ومنها : ان الدعاء الموسوم بالندبة(168) انما هو اشعار للنفس بالحزن العميق لغيبة الامام المهدي عليه السلام. فلماذا الحزن ان كان في غيبته حككمة الهية وتسبيب لانتصاره يوم ظهورة؟وما ذلك الا ان البكاء شكل من اشكال التربية وشكل من اشكال الاعلام.

    ولنسمع فيما يلي فقرات من دعاء الندبة هذا . لنجد التركيز فيه على الحزن العميق: (( ليت شعري اين استقرت بك النوى(169) بل اي ارض تقلكاو ثرى ابرصوى اوغيرها ام ذي طوى(170) . عزيز علين ارى الخلق ولا ترى ولا اسمع لك حسيساً ولا نجوى. عزيز عليّ ان تحيط بكدوني البلوى
    ___________________
    (166) هو المختار بن ابي عبيد بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غبرة بن عوف بن ثقيف الثقيفي ابو اسحق. كان ابوه من حملة الصحابة وولد المختار عام الهجرة وليست له صحبة ولا رواية. وقد خرج بطلب بثأر الحسين بن علي (ع) واجتمع عليه كثير من الشيعة بالكوفة فغلب عليها وطلب قتلة الحسين (ع) فقتلهم ومنهم شمر بن ذي الجوشن الضبابي وخولي بن يزيد الاصبحي وعمر بن سعد بن ابي وقاص وهو امير الجيش الذي قاتل الحسين وقتل ابنه حفصاً وقتل عبيد الله بن زياد حيث كان ابن زياد بالشام فااقبل في جيش إلى العراق فسيّر غليه المختار ابراهيمبنالاشتر في جيس فلقيه في اعمال الموصل فقتل بن زياد وغيره ولذلك احبه كثير من المسلمين وابلى في ذلك بلاء حسناً وكان يرسل المال إلى أبن عمر وابن عباس وابن الحنفية وغيرهم فيقبلونه منه وكان ابن عمر زوج اخت المختار وهي صفية بنت ابي عبيد ثم سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جمع كثيرمن اهل الكوفة واهل البصرة فقتل المختار بالكوفة سنة 67هـ وكانت امارته على الكوفة سنة ونصف وكان عمره سبعاً وستين سنة ( اسدالغابة ج4ص336).
    (167) تاريخ الطبري ج6ص38 ط مصر.
    (168) انظره فيمفاتيح الجنان ص532
    (169) النوى : البعد والوجه الذي يذهب فيه وينويه المسافر من قرب او بعد (اقرب الموارد ج2ص1363).
    (170) ذي طوى : موضع قرب مكة ( اقرب الموارد ج1ص724).


    ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى ...... هل من معين فاطيل معه العويل والبكاء هلمن جزوع فأساعد جزعه اذا خلا.... هلا قذيت عين فساعدتها عيني على القذى . هل اليك يا ابن احمد سبيل فتلقى . هي يتصل يومنا منك بغده فنحظى ............ الخ)) (171) هذا ، وسياـي مزيد ايضاح وتفصيل حول هذه الفكرة بعون الله تعالى.























    ________________
    (171) مفاتيج الجنان للشيخ عباس القمي (دعاء الندبة).



    اسئلة حول شخص الحسين (ع)

    نثير فيما يلي عدداً من الاسئلة عن بعض الجوانب العامة من واقعة كربلاء، مما يرتبط بشخص الحسين (ع) جهد الامكان ، بصفته الشخص الرئيسي والأهم هناك. وكذلك بصفته الشخص الوحيد المعصوم المطلّع على الواقعيات فيهم. نثير هذه الآسئلة لكي نستفيد من اجوبتها تاريخياً ومعنوياً:-

    السؤال ا لأول : لاشك ان الامام الحسين عليه السلام، قثد حصل تاريخياً انه بعد ان قتل اصحابه واهل بيته بقى وحيداً فريداً بين الاعداء، لا يجد له ناصراً ولا معينا(172) فهل شعر بذلك من الناحية المعنوية؟

    جوابه : النفي بطبيعةالحال . لأنه يشعر انه مع الله جل جلاله ومن كان مع الله كان الله معه . وقال تعال : (ان تصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم)(173 وقال تعالى (فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)(174) وما دام الحسين ( ع) معم الله سبحانه اذن لا يهمه ان يكون احد من الخلق معه على الاطلاق.

    وقد يخطر فيالبال : ان هذا الذي قلناه ينافي ما ورد عنه عليه السلام انه قال في ذلك الحال : ((هل من ناصر ينصرنا هل من معين يعيننا هل من ذاب يذبّعن حرم رسول الله (ص)(175) وهذا يدل على انه طلب النصرة من الآخرين على اي حال
    ______________
    (172) الدمعة الساكبةم1ص340 - أسرار الشهادة للدربندي ص369.
    (173) سورة محمد . آية7.
    (174) سورة البقرة. آية152
    (175) اللهوف ص43 - المنتخب للطريحي ص312 - الدمعة الساكبةص340.

    وهذا هو الفهم العام بكل تاكيد لهذه العبارة . من كل من جعل الدنيا مبلغ علمه واقصى همه وغاية تفكيره.

    وهو لا شك يحتويى على سوء فهم فضيع لهذه العبارة. فإن الحسين عليه السلام انما قالها لا لاجل نفسه. وحاشاه ان ينظر إلى غيرالله عزوجل، وهو الذي قيل انه استشهد ببعض الابيات مما سمعناه فيما سبق.

    تركت الخلق طراً في هواكا وايتمت العيال لكي اراكا
    ولو قطعتنتي في الحب اربا لما مال الفؤاد إلى سواكا

    والمهم ان هذا الامر شعر به عدد لا يستهان به من الناس طول التاريخ ممن لا يتصف بالعصمةفكيف حال المعصوم نفسه . وانما نتخيل نحن غير ذلك لأننا لا نفهم مستوى المعصوم ولا يخطر فيبالنا ما يمكن ان يكون علهي تجاه الله عزوجل. وانما طلب الناصر من قبله عليه السلام كان لفائدة الآخرين ، بلا شك ، ولكنه اتخذ حاله تلك سبيلاً للنطق بتلك التعبيرات، حتى لا يضع كل موعضة في غير محلها ولكي يتكلم مع الناس على قدر عقولهم .

    وما يمكن ان يتصور منفوائد لهذه الجملة ، عدة امور:

    الأمرالأول : طلب الناصر ممن يولد ويوجد خلال الاجيال، ليكون محباً للحسين عليه السلام سائراً في طريقة مضحياً فيسبيل دينيه بمقدار ما يقتضيه حاله. وكل من كان كذلك في اي زمان ومكان فقد اجاب الحسين عليه السلام للنصرة.

    الأمر الثاني : طلب الناصر من البشر الموجودين في ذلك العصر، وتذكيرهم بمسؤوليتهم الكبرى المباشرة في الذب عن امامهم المعصوم عليه السلام.امام الله عزوجل. وذلكيكون موازياً لمضمون ما ورد من أن ((ممن

    سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبه الله على منخريه في النار))(176).

    الأمر الثالث : طلب الناصر من الجيش المعادي الواقف امامه في ذلك الحين .وذلك لنتيجتين: لأنهم كلهم حين يسمعون ذلك فإما ان يستجيب منهم أحد أو لا فإن لم يستجب كان هذا النداء حجة عليه وقهراً له في الآخرة، وتركيزاً لاهمية عقابه وان استجاب بعضه مكان ذلك النداء رحمة له وسببا لتوبته وهدايته ، كما تاب الحر الرياحي رضوان الله عليه ساعتئذ. وأثر هذا النداء في نفسه تأثيره الصحيح(177).

    ويكفينا ان نتصور : لو ان عدداً مهما من الجيش المعادي قد التحق بالحسين عليه السلام ، او التحق الجيش كله، كيف سيكون حال التاريخ ا لاسلامي عندئذ؟ ولكنهم على اي حال لميكونوا يستحقون التوبة ولا الرجوع عن الحوبة. قبحهم الله.

    ولا ينبغي ان يخطر على البال : انه من خطل القول طلب النصرة من الاعداء مباشرة. ولم يحصل مثل ذلك خلال التاريخ البشري.

    وجوابه : ان ذلك منطلق من عدة اسس، ولا يمكن انتكون موجودة في غير الحسين عليه السلام.

    الأساس الأول : انهم جميعاً يعلمون، شأنه العظيم وقربه إلى الرسول(ص) وفاطمةالزهراء وانه سيد شباب اهل الجنة وغير ذلك مما لا يخفاهم اجمعين.

    الاساس الثاني : ان التعاليم العسكرية في ذلك الحين لم تكن متزمتة وصارمة ودقيقة مثل ما عليه هذا اليوم. ل كان كل فرد من الجيش له رأيه
    ______________
    (176) اسرار الشهادة ص233 - البحار ج44ص315- الخوارزمي ج1ص227
    (177) الطبري ج6ص244- اللهوف ص44 – ابن الاثير ج3ص288

    وتفكيره وتصرفه كشخص اعتيادي تماما. ومن هنا امكن للحسين عليه السلام ان يتكلم معهم كافراد او كبشر بغض النظر عن موققفهم العسكري .

    الأساس الثالث : ان عامة هؤلاء الموجدين ضده ليسوا اعداء له باشخاصهم. بل العدو الحقيقي ليس الا الحاكم الاموي. ثم المأمورون الاساسيون في الجيس كعبيد الله بن زياد الذي كان حاكم الكوفة يوممئذ وعمربن سعد الذي كان القائدالعام للجيش المعادي للحسين عليه السلام. واضرابهم . اما الباقون فهم مجلوبون باسباب عديدة : اهمّها الخوف والطمع وليسوا اعداء حقيقيين. ولذا قال قائلهم (قلوبنا معك وسيوفنا عليك)(178). ولذا صح للامام الحسين 0ع) طلب النصرة منهم لاجل مصلحتهم لعلهم يتوبون او يذّكرون.

    السؤال الثاني : هل كان الامام الحسين عليه السلام ييدافع عن عصبية او عنصرية. من عشيرة او جنس او لغة او غير ذلك، او كان يختص دفاعه إلى جانب الدين الحنيف؟

    ولعل هناك من محبيه واعدائه على السواء ، من يعتقد انه كان يدافع عن عنصريةاوقبلية . وحاشاه . ومن هنا جاء امثال قول الشاعر
    قؤّضي(179) يا خيارم علياً نزار فلقد قوض العاد الرفيع
    واملأي العين يا امية نوماً فحسين على الصعيد صريع(180)
    وهوواضح بأن الحرب كان بين (نزار) المتمثل بالحسين (ع) وامية
    ____________________
    (178) العقد الفريد ج4ص382 - الارشاد المفيد ص218 – اخوارزمي ج1ص220
    (179) قوّض: نزع الأعواد والاطناب (اقرب الموارد ج2ص1052)
    (180) للسيد حيدر الحلي (1246هـ - 1304 ه) وهذا البيت من قصيدة طويلة مطلعها
    قد عهدنا الربوع وهي ربيع اين لا اين انسها المجموع

    (ادب الطف ج 18 – 33 )

    المتمثل بيزيد بن معاوية . اذن فالحرب قبلية وعنصرية وليست دينية. ونلاحظ مع شديد الاسف : ان هذا الشاعر يشعر انه محب للحسين، وانه مدافع عن قضيته، وانه ممن يثير الاسى من اجله. هكذا بالباطل تماماً مع شديد الاسف. فالبكاء ينبغي ان يكون على اعتقاد هذا الشاعر قبل ان يكون على مقتل الحسين عليه السلام

    مع انه لا يوجد على الاطلاق في التصريحات التي قالها الحسين (ع) واصحابه قبل الواقعة او فيها، ما يدل على ذلك او مايستشم منه ذلك من قريب او بعيد . يكفينا الان اننا نتحدى اي واحد من البشر ان يأتينا بنقل نفوسهم. فاذا لم يأثتنا احد بذلك كفى ذلك حجة على ما نقول ز

    واما في هذه العجالة، فينبغي ان نستدل ببعض النصوص الدالةعلى ان الدفاع كان عن الدين وعن شريعة سيد المرسلين (ص) .

    مضافاً إلى وضوح هذه الفكرة، وهي انهم لو كانوا يدافعون عن عصبية اوقبلية لما كانت لهم جنة ولذهبوا إلى النار جميعاً ولما ايدهم وبكى من اجلهم رسول الله (ص) وامير المؤمنين وفاطمة الزهراء وزين العابدين والامام الرضا وغيرهم من أولياء الله . فتأييدهم لهم دليل قطعي على صحة هدفهم وقصدهم في شهادتهم تلك . مضافاً إلى ما ننقل الآنمن بعض تصريحاتهم:

    انشد الحسين عليه السلام خلال بعض حملاته:

    انا الحسين بن علي آليت ان لا انثني
    احمي عيالات ابي امضي على دين النبي(181)
    وحمايته للعيال على القاعدة لأنه مسؤول عن حمايتهم من الاعداء ما دام
    ______________
    (181) مناقب ابن شهر آشوب ج32ص285 ط نجف – البحار لمجلسي ج45ص49

    حياً، وهم نساء وأطفال عزل . وليس هذا من باب التعصب

    وانشد علي بن الحسين الأكبر في بعض حملاته ضد الاعداء:

    انا علي بن الحسين بن علي نحن –وبيت الله – أولى بالنبي
    والله لا يحكم فينا ابن الدعي اطعنكم بالرمح حتى ينثني
    اضربكم بالسيف احمي عن ابي ضرب غلام هاشمي علوي(182)

    وكونه هاشمياً لا يعني كونها قضية يجب الدفاع عنها وانما الهاشميون متصفنون بصفات خاصة محجوبة عن غيرهم، كالعزة الإجتماعية والشجاعة والخبرة في فنون الحرب.

    كما انشد العباس بن علي عدّة مرات في حملاته ضد الاعداء منها قوله:
    لا ارهب الموت اذا الموت زقا(183) حتى اوري في المصاليت(184) لقى
    نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا اني انا العباس اغدو بالسقا
    و اخاف الموت يوم الملتقى(185)

    وقوله بعد قطع يمينه:
    والله ان قطعتموا يميني اني احامي ابداً عن ديني
    وعن امام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الأمين(186).
    _________
    (182) تاريخ الطبري ج6ص265 - اعلام الورى للطبرسي ص246 مثير الاحزان لابن نما ص51
    وتمام الابيات في رواية في الارشا د للشيخ المفيد ص238 وفي مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص257.
    (183) زقا : بمعنى صاح (اقرب الموارد ج1ص468)
    (184) مصاليت : (الاصليت والاصاتي والاصلات والمصلات والمصلت والمنصليت) الرجل الشجاع والماضي في الحوائج المشمر لهاكقوله (وانا المصاليت يوم الوغى وهو مصاليت الرجال). (اقرب الموارد ج1ص656).
    (185) مناقب بان شهر آشوب ج3ص265 نجف
    (186) نفس المصدر.

    وقوله بعد قطع يده اليسرى:

    يا نفس لا تخشي من الكفّأر وابشري برحمة الجّار
    مع النبي المصطفى المختار قد قطعواببغيهم يساري
    فاصلهم يارب حر النار(187)

    وقوله رضوان الله عليه عند اعراضه عن شرب الماء:

    يا نفس بعد الحسين هوني وبعده لا كنتي ان تكوني
    هذا الحسين وارد المنون(188) وتشربين بارد المعين
    تالله ما هذا فعال ديني(189)

    وخطب زهير بن القين(190) رضوان الله عليه، وهو احد مبرّزي اصحاب الحسين عليه السلام، وقال في خطبته: (ان الله ابتلانا واياكم بذرية نبيه محمد (ص) لينظر ما نحن وانتم عاملون. إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد)(191) وخطب برير بن خضير(192) رضوان الله عليه ايضاً فقال : (يا معشر الناس : ان الله بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً
    ______________
    (187) نفس المصدر – البحار للمجلسي ج45ص41
    (188) المنون : أي الموت يقال : (ذهبت بهم المنون) أي المنية (اقرب الموارد ج2ص1245) بتصرف.
    (189) البحار للمجلسي ج45ص41 – رياض المصائب ص313
    (190) هو زهير بن القين بن قيس بن مالك بن دينار بن ثعلبة بن عمرو اليشكري البجلي. وبجيله هم بنو انمار بن اراش بن كهلان من القحطانية كان شريفاً في قومه نازلاً فيهم بالكوفة. شجاعاً مطرقاً، له في الحروب مواقف مشهورة وكان عثماني العقيدة فاهتدى على يد الحسين حينما التقى به في الطريق وهو راجع من الحج في سنة 60 هـ والحسين وارد إلى العراق وتضم مع الحسين حتى ورد كربلاء فقتل بين يديه وله يوم عاشوراء مواقف حاسمة وخطب ومواعظ سجّلها التاريخ له باحرف من نور.( واقعة الطف لبحر العلوم نقلاً عن أبصار العين للسماوي) ص488 .
    (191) تاريخ الطبري ج6ص243 – الكامل لابن الاثير ج3ص288 ط مصر.
    (192) بربر بن خضير الهمداني ذكره عامة المؤرخين والرجاليين بالتجلة والتعظيم والاطراء قال المامقاني في رجاله ( وكان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ الفقراء في جامع الكوفة وله في

    إلى الله وسراجاً منيراً. وهذا ماء الفرات تقع به خنازير السراد وكلابه وقد حيل بينه وبينه وابن بنت رسول الله (ص) افجزاء محمد هذا؟(193)
    وخطب الحر الرياحي بعد توبته مخاطباً الجيس المعادي . وقال فيما قال ( يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر(194). اذا دعوتم هذا العبد الصالح حتى اذا اتاكم اسلمتوه . وزعمتم انكم قاتلوا انفسكم دونه ، ثم عدوتم عليه لتقتلوه ......... الخ)(195).

    وانشد وهب بن عبد الله بن خباب الكلبي (196) خلال حملته بابيات يقول منها:-
    _______________
    الهمداني شرف وقدر وهو من اصحاب المؤمنين (ع) وكان من اشراف اهل الكوفة وله كتاب القضاء والأحكام يرويه عن امير المؤمنين وعن الحسن (ع) وكتابه من الصول المعتبرة عند = الاصحاب ولما بلغه خبر الحسين (ع) خرج من الكوفة متوجهاً إلى مكة في طلبه فلحق به ولازمه حتى استشهد بين يديه . (واقعة الطف لبحر العلوم ص501).
    (193) مقتل الخوارزمي ج1ص25 – البحار ج45 ص5 امالي الصدوق ص96 مجلس 30
    (194) الهبل : بالتحريك قولك هبلته امه اي ثكلته (مجمع البحرين ج5ص497)
    العبر : بالفتح فالسكون هو جريان الدمع او تردد البكاء في الصدر (مجمع البحرين ج3ص394 ط نجف)
    (195) الكامل لابن الاثير ج3ص288 – تاريخ الطبري ج6ص445 – الارشاد للمفيد ص235.
    (196) وهب لكلبي : ذكره ابن شهر آشوب في المناقب ج4ص101 ط قم بعنوان وهب بن عبد الله الكلبي وذكر له الرجل المعروف لأبيه (ان تنكروني فانا ابن الكلبي) وذكره الخوارزمي في مقتله ج2ص13 بعنوان وهب بن عبد الله بن خباب الكلبي ومثله في البحار ج45ص66 وكلاهما يذكران موت امه (ام وهب) عنده لا عند زوجها عبد الله وفي بعض المصادر ومنها البحرا ايضاً ج44ص320 ان اسمه وهب بن وهب ويذكر الخوارزمي في مقتله ان وهب هذا كان نصرانياً قاسم هو وامه على يد الحسين وانه قتل 24 رجلاً و12 فارساً ثم اخذ اسيراًإلى ابن سعد فضربت عنقه ورمي برأسه إلى عسكر الحسين فأخذت امه الرأس فقبلته ثم شدت بعمود القسطاط فقتلت به رجلين فقال لها الحسين ارجعي ام وهب فان الجهاد مرفوع عن النساء فرجعت وهي تقول الهي لا تقطع رجاتي فقال لها الحسين لا يقطع الله رجاك يا ام وهب(واقعة الطف لبحر العلوم) ص528

    اني زعيم لك ام وهب بالطعن فيهم مقدماً والضرب
    ضرب غلام مؤمن بالرب حتى يذوق القوم مر الحرب(197)

    وانشد حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه في مثل ذلك، وهو من مبرزي اصحاب الحسين عليه السلام:

    اني حبيب وابي مظاهر فارس هيجاء (198) وحرب تسعر
    انتم اعدّة عدّة واكثر ونحن اوفى منكم واصبر
    ونحن اعلى حدّة واظهر حقاً وانقى منكم واعذر(199)

    وانشد نافع بن هلال الجملي(200) في مثل ذلك. وهو ايضاً من مبرزيهم:

    ان الغلام اليمني الجملي ديني على دين حسين وعلي
    ان اقتل اليوم فهذا املي وذاك رأيي والاقي عملي(201)
    وانشد جون(202) مولى ابي ذر الغفاري وهو عبد اسود:
    __________________________
    (197) الخوارزمي ج2ص12 مناقب بن شهر آشوب ج3ص250 ط نجف
    وفي بعض المصادر راد على البيتين السابقين بيتين آخرين هما

    أني أمرؤ ذو مرى وغضب ولست بالخوار عند النكب
    حسبي بنفسي من عليم حسبي اذا انتميت في تراب العرب

    (198) الهيجاء : أي الحرب . (اقرب الموارد ج2ص1414).
    (199) مناقب ابن شهر آشوب ج3ص252 – الخوارزمي ج2ص18 – اسرار الشهادة ص274
    (200) هو نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة بن مذحد كان سيداً في قومه شريفا سرباً شجاعاً مطرقاً وكان قارئا كاتباً ومن حملت الحديث ومن اصحاب امير المؤمنين (ع) حضر حروبه الثلاث في العراق وخرج إلى الحسين (ع) قبل مقتل مسلم بن عقيل فلقيه في الطريق واصطحبه إلى النهاية وله مواقف معروفة يوم عاشوراء تدل على شدة تمسكه بمبدئه وولاته ذكرته عامة المصادر التاريخين بالتمجيد والاطراء كالطبري في تاريخه والشيخ في رجاله وابن شهر آشوب في مناقبه وله ذكر في الزيارتين الناحية والرجبية. 0واقع الطف لبحر العلوم) ص546
    (201) الخوارزمي ج2ص21 – مناقب ابن شهر ىشوب ج3ص252 - أسرار الشهادة ص275
    (202) جون : كان جون منضماً إلى اهل البيت بعد ابي ذر فكان مع الحسين وبعده مع الحسين وصحبه في سفره إلى العراق وكان دائسما في خدمته ورد ذكره في الزيارة كما في البحار ج45ص71

    كيف ترى الكفار ضرب الاسود بالسيف ضرباً عن بني محمد
    اذب عنهم باللسان واليد ارجو به الجنية يوم المورد(203)

    وانشد عمرو بن جنادة(204) في مثل ذلك:

    اميري حسين ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير ع
    لي وفاطمة والداه فهل تعلمون له من نظير
    له طلعة مثل شمس ا لضحى له غرّة(205) مثل بدر منير(206)

    وانشد الحجاج بن مسروق الجعفي (207) :
    إقدم حسين هادياً مهدياً اليوم القى جدك النبيا
    ثم اباك ذا الندى(208) عليا ذاك الذي نعرفه الوصيا(209)
    ____________
    باسم جون بن حوى وورد اسمه في انساب البلادري ج3ص196 ط بيروت بعنوان حوى مولى ابي ذر (واقعة الطف لبحر العلوم) ص550
    (203) الخوارزمي ج2ص19 مناقب بن شهر آشوب ج3ص252 – اسرار الشهادة ص275
    (204) عمرو بن جنادة : قالوا وكان جنادة بن كعب الانصاري الخزرجي من الشيعة المخلصين في الولاء وقد خرج مع الحسين من مكة ومعه زوجته ام عمرو وولده عمرو وهو غلام لم يراهق وقيل بن احدى وعشرين او ابن تسع سنين وقد قتل ابوه جنادة في الحملةالأولى التي قتل فيها من اصحاب الحسين زهاء خمسين رجلاً فاقبلت زوجته إلى ولدها عمرو فالبسته لامه الحرب وقالت له يا بني اخرج وقاتل بين يدي ابن رسول الله (ص) فخرج الغلام واستأذن الحسين (ع) في القتال فأبى الحسين ان يأذن له وقال هذا غلام قتل ابوه في المعركة ولعل أمه تكره خروجه فقال الغلام: ان امي هي التي امرتني بذلك فاذن له وقاتل حتى قتل ( واقعة الطف لبحر العلوم ص553).
    (205) العّرة : بالضم بياض في جبهة الفرس قدر الدرهم (اقرب الموارد ج2ص867) والغرة في الجبهة بياض فوق الدرهم ورجل أغر اي صبيح 0مجمع البحر ج3ص422).
    (206) البحر للمجلسي ج45ص27 مناقب ابن شهر اشوب ج3ص253
    (207) هو الحجاج بن مسروق بن مالك بن ثقيف بن سعد العشيرة المذحجي الجعفي كان من الشيعة المخلصين صحب امير المؤمنين (ع) في الكوفة ولما سمع بخروج الحسين (ع) من المدينة إلى مكة خرج من الكوفة إلى مكة فالتحق بركاب الحسين (ع) وظل معه يؤذن له في اوقات الصلوات إلى حين استشهاده في كربلاء . (واقعة الطف لبحر العلوم ص555).
    (208) الندى : بمعنى الجود والكرم (مجمع البحرين ج1ص41).
    (209) الطبري ج6ص353 - مناقب ابن شهر آشوب ج3ص252 – الخوارزمي ج2ص20


    إلى غير ذلك من النصوص . وفيما نقلناه الكفاية لوضوح الفكرة. وهو تسالم الحسين عليه السلام واصحابه على خدمة الدين ونصر سيد المرسلين.

    وهذا وينبغي ان نلتفت إلى ان مقصد هذا المعسكر الشريف وان كان كذلك. الا ان مقصد المعسكر المعادي لا نحاشيه من كل عنوان زائف وقصد دنيوي هزيل، بما فيها لاعصبية والعنصرية والتعصب الأعمى . حتى لعل المعاندين منهم كانوا ينظرون إلى الحسين (ع) بهذه الصفة وحاشاه.

    السؤال الثالث : من الأسئلة العامة حول الحسين عليه السلام:
    هل حصل للحسين واصحابه الذل والمهانة في واقعة كربلاء؟
    هناك ، بلا شك من يعتقد ذلك على اي حال، ومنه جاء قول الشاعر:
    ويصيح واذلاّه اين عشيرتي وسراة قومي اين اهل ودادي(210)

    وحاشاه سلام الله عليه. وليس هذا الا من الكذب على المعصومين سلام الله عليهم، فيكون من اشد المحرمات. بل هو لا ينوي ذلك في قلبه فضلاً عن اين يقوله فضلاً عن اي يصيح به ، كما يزعم هذا الشاعر. وفي مقابله قول الشاعر:

    فأبى ان يعيش الا عزيزاً او تجلى الكفاح وهو صريع(211)

    بل القول بالذّلة امخالف للقرآن الكريم الذي يقول : (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(212). والحسين عليه السلام كان في زمانه ولا زال اماماً واولى المؤمنين بصفات الايمان. ومن هنا جاء قوله عليه السلام في بعض خطبه ذاكراً طلب الحاكم الأموي للبيعة : ((الا ان الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنين : بين السلّة والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون
    _____________________
    (210) للشيخ محمد النحوي العراقي (رياض المدح والرثاء للشيخ علي البحراني ص489)
    (211) للسيد حيدر الحلي . (ادب الطف ج8ص22).
    (212) سورة المنافقين آية 8

    وحجور طابت وارحام طهرت على ان نؤثر طاعة اللئام علىمصارع الكرام))(213).

    وهو واضح جداً بالاعتزاز بالايمان والصمود في جانب الحق. وليس هذا من التكبر الباطل في شيء وانما هو الاعتزاز بالله ورسوله . حسبنا ان نسمع قوله : (( من أراد عزاً بلا عشيرة وهيبة من غير سلطان وعزاً من غير مال وطاعة من غير نبل فليتحول من ذل معصيته إلى عز طاعته فإنه يجد ذلك))(214).



    وكذلك قوله : ((فأولياؤه بعزته يعتزون))(215) وليس لهم كبرياء مستقلة عن كبرياء الله عزوجل. ولا شك ان الحسين واصحابه من خيرة من يكون مصداقاً وتطبيقاً لهذه النصوص.

    بل هو العزيز في الدنيا والآخرى، اما في الدنيا فلصموده وصبره واما في الآخرة ، فللمقامات العليا التي ينالها بالشهادة .

    نعم ، لا شك ان المعسكر المعادي وقادته ارادوا اذلاله وحاولوا اهانته . وهذا اكيد ، الا ان شيئاً من ذلك لم يحصل. لأن الذلة الحقيقية انما تحصل لو حصلت المبايعة للحاكم الأموي والخضوع له تلك هي الذلة التي تجنبها الحسين (ع) بكل جهدة÷ وضحّى ضدها بنفسه. واما لاصمود في ساحة القتال فلن يكون ذلة لا في نظر اصدقائه ولا في نظر ربه جل جلاله.

    وهنا قد يخطر في البال : ان قوله تعالى : (ولقد نصركم الله ببدر وانتم أذله ) (216) دال على حصول الذلة لجيس النبي (ص) في واقعة بدر.
    _________________
    (213) اللهوف ص41 الخوارزمي ج2ص6 البحار للمجلسي ج42ص9
    (214) آمالي الطوسي م2ج18ص137 - الكافي ج1ص17.
    (215) من دعاء للحسين (ع) يوم عرفة (مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي) انظر ص216 وما بعدها.
    (216) سورة آل عمران آية 123.

    واذا صح وصف جيس النبي (ص) بذلك صح وصف غيره بطريق اولى. فلماذا نتحاشى عن وصف الحسين وجيشهش بالذله؟

    وجوابه : أن الاية الكريمة غير دالة أصلاً على ثبوت الذل: بمعنى المهانة للنبي (ص) وجيشه . ولو دلت على ذلك لوجب تأويلها بما يناسب الحال. شأنها في ذلك شأن الظاهر القرآنية التي دل الدليل على عدم امكان التعبد بمظاهرها . وذلك من وجوه.

    الوجه الأول : ان المنظور هو الذلة بالمعنى العرفي ، يعني ان الانطباع هو ذلك بغض النظر عن الأحساس به : وذلك مثل قوله تعالى :

    (واذكروا غذا انتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون ان يتخطفكم الناس فاواكم وأيّكرم بنصره)(217). وهذا تعبير عن انطباع معين يمكن التعبير عنه بالذلة مجازاً، بعد النظر إلى قلة المسلمين وضعفهم تجاه عدد الكفّار وعدتهم وجبروتهم.

    الوجه الثاني : ان المنظرو في الاية الكريمة هو الذلة لو لا العناية الآلهية، وبالاستقلال عنها، والا فمن غير المحتمل حصول الذلة مع وجود تلك العناية. ولا شك ان تلك العناية موجودة باستمرار مع طرف الحق سواء كان الرسول (ص) أو الحسين (ع) أو اي شخص آخر مهم دينياً أو الهياً.

    الوجه الثالث : ان الآية الكريمة وان صرحت بالذلة الا انها لم تصرح بمن يكونون اذلاء امامه . فلو تصورنا انهم اذلاء امامه. فلو تصورنا انهم اذلاء امام الاعداء، لورد الاشكال ولكمن يمكن ان نفهم ان المراد كونهم اذلاء اما الله عزوجل.
    ونجعل التبشير بالنصر كقرينة متصلة على ذلك يعني : انه جل جلاله انما نصرهم لانهم كانوا اذلاء امامه وخاشعين له ومتوسلين به

    _______________
    (217) سورة الانفال آية 26


    اذن فالآية الكريمة لا تدل بحال على تحقق الذلة الفعلية لطرف الحق اينما كان. ولو دلت لعى ذلك لتعارضت مع الآيات الأخرى جزماً، كقوله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(218) . فتكون هذه الآيات اولى بالصحة، ويكون من الواجب تأويل تلك الآية الكريمة . واذا تنزلنا جدلاً عن التأويل امكن تساقط دلالتها مع دلالة الآيات الأخرى . ومعه لا يبقى دليل على وجود الذلّة.

    السؤال الرابع : هل اهتم الإمام الحسين عليه السلام بعياله؟.

    هذا ما يؤكد عليه الخطباء الحسينيون كثيراً. ولكنني اعتقد انه امر لا ينبغي المبالغة فيه اطلاقاً، بل يجب اخذه من اقل زاوية وأضيق نطاق.

    فإنه عليه السلام لو اراد الاهتمام الحقيقي بعياله كما يعتني اهل الدنيا بعوائلهم ويحرصون عليه إذن لكان الاولى به ان يعمل احد امور:
    أولاً : ان يبايع الحاكم الأموي لينال الدنيا واموالها وزخارفها ويرتاح هو واهله وعياله فيها خير راحة. بغض النظر عن الآخرة. اعوذ بالله من ذلك.

    ثانياً : ان كان هو يريد عدم البيعة فليخرج بهم إلى اليمن او غيرها من بلاد الله ليكونوا سعداء مرتاحين هناك.

    ثالثاً: ان كان لا يريد ذلك فليتحمل القتل في المدينة المنورة، ولا حاجة إلى ان يخرج إلى العراق . لكي يكون هو المقتول ولا يكون على عياله باس. وقد ورد عنه : (( انهم يطلبوني وحدي. ولو اصابوني لذهلوا عن طلب غيري))(219).

    رابعاً : ان كان يريد الخروج إلى الكوفة فليدع عياله في المدينة مرتاحين
    ____________________
    (218) سورة المنافقين آية 8
    (219) مناقب ابن شهر آشوب ج3ص248 - امالي الصدوق مجلس 3ص138 - الطبري ج6ص238 .


    في طيب العيش حتى يصل إليهم تارة آخرى أو يصل إليهم خبر مقتله.

    وهنا قد يخطر بالبال : انه اخذ عياله معه لأجل قيامهن بالخدمات الاعتيادية في الاسرة، كتقديم الطعام وغسل الثياب.

    وجوابه : ان هذا من خطل القول: فإ ن هذه المهمة ممكن ان تكون موكولة إلى بعض الرجال المرافقين له. كما يمكمن ان تكون موكولة إلى بعض الرجال المرافقين له. كما يمكن استجاء اعتياديات يقمن بها. ولا تكون هذه المهمة مبرراً لاصطحاب النساء الجليلات معه كزوجاته كوبناته واخته وغيرهن من الهاشميات. اذن فتعريضه لهن للتعب والسهر أولاً وللسبي ثانياً اطاعة لله عزوجل حين (شاء ان يراهن سبايا على اقتاب المطايا)220 ولكثير من المصاعب الآخرى. دليل صريح على انه عليه السلام لم يهتم بهم الاهتمام الدنيوي المتوقع من اي واحد من اهل الدنيا. اما انه عليه السلام، لما اخذ عياله معه؟ فهذا ما سنجيب عليه في سؤال آت.

    نعم، ينحصر الاهتمام بالعيال بمقدار الضرورة، وقد فعل ذلك سلام الله عليه. وذلك أنه هو المسؤول الحقيقي والرئيسي عنهم امام الله سبحانه، فلا يمكنه التخلي عن وظيفته الشرعية تجاههم . وذلك في عدة امور:

    الأمر الأول : حماية العيال عن الاعداء ما دام حياً. ولذا ورد عنه:

    أحمي عيالات ابي امضي على دين النبي(221)

    وقد ورد عنه ايضاً مخاطباً الجيش المعادي : ((انا الذي اقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناج فامنعوا جهالكم وعتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً))(222) . اذن فهو عملياً كان يفديهم بنفسه.

    الأمر الثاني : الاعتناء بشؤونهم بعد وفاته . ومن هنا ورد انه اوصى إلى
    ________________________
    (220) البحار للمجلسي ج44ص364
    (221) مناقب ابن شهر آشوب ج3ص258 البحار للمجلسي ج5ص49
    (222) اللهوف ص 50 ابن نما ص55 - البحار ج45ص51 اسرار الشهادة ص407

    اخته الحوراء زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام. ان تقوم بهذه المهمة، حين كان ولده الإمام السجاد عليه السلام لا يستطيع ان يقوم بشيء(223) . وقد قامت سلام الله عليها بمهمتها خير قيام.

    الأمر الثالث : العناية الدينية بهم في الدنيا والآخرة. وخاصة وهو يعلم انهم مقبلون على بلاء لا يكادون يطيقونه. وهو حالهم بعد مقتله عليه السلام. ومن هنا وردت بعض التعليمات عنه، ولعل له تعليمات كثيرة لم تنقل في التاريخ. فمن ذلك قوله عليه السلام: ((اذا انا قتلت يا أخية اقسم عليك فأبري قسمي لا تخمسي عليّ وجهاً ولا تشقي علي ثوباً ولا تدعي بعدي بالويل والثبور))(224).

    وهذا ، ومع ذلك يبقى المهم السؤال عن العيال، وهو انه عليه السلام لماذا اخذه معه؟ أو قل : لماذا شاء الله ان يراهن سبايا على اقتاب المطايا؟ كما ورد عنه عليه السلام . وهذا نجيب عليه ضمن السؤال الآتي الذي يكون :-

    السؤال الخامس : لما ذا اخذ عياله معه؟.
    وجوابه : اننا ي حدود تصورنا الممكن لنا، يمكننا ان نحدد ونعد عدّة مصالحة حقيقية ومهمة لذلك نوجزها فيما يلي:-

    أولاً : ان ا خذهم امتثالاً لامر الله سبحانه، لأنه هو الذي امر بذلك.
    وهذا صحيح واكيداً ، ومن شواهده تلك العبارة الواردة: ((شاء الله ان يراهن سبايا)) . ولكننا اذا اردنا الغرض من الحكمة الالهية في ذلك. وان الله سبحانه لماذا امره بذلك، لم نجد في هذا السبب وجهاً كافياً. فنعود إلى الوجوه الأخرى التالية.

    ______________
    (223) تاريخ الطبري ج6ص240 – الكامل لابن الاثير ج3ص286 - الارشاد للمفيد ص232
    (224) نفس المصدر

    ثانياً :انه اخذهم معه ليشاركوه في نيل الثواب العظيم المذخور لشهداء كربلاء. كل منهم بمقدار استحقاقه. فلماذا يكون الثواب حكراً على الرجال دون النساء ولماذا يكون له منه حصة الآسد، ويحرم الباقون بل الثواب ينبغي ان يوزع على اوسع نطاق ممكن. وهكذا كان.

    ثالثاً : انهم جاءوا معه بطلب منهم (225) ، وقد استجاب لطلبهم فأخذهم معه. وقد جاء هذا الطلب حباً له وشوقاً إليه واستيحاشاً من فراقه. وليس كل ذلك امراً دنيويا فحسب. بل هو كذلك بصفته امامهم وقائدهم وولي الله بينهم. مضافاً إلى توفعهم نيل الثواب معه، كما اشرنا في الوجه السابق.

    رابعا: انهم جاءوا معه او انه اخذهم معه، بحسب الحكمة الالهية ليكمّلوا ثورة الحسين بعد مقتله، كما حصل ذلك على افضل وجه. وذلك بان يكونوا ناطقين امام المجتمع باهداف الحسين واهميّة مقتله والازراء بأعدائه. ويمارسوا الاعلام الواصع حينما لا يكون الرجال قادرين على ذلك بعد موتهم واستئصالهم.

    وهذا الاعلام كان ضرورياً للمجتمع تماماً، والا لذهبت حركة الحسين (ع) في طي النسيان والكتمان ، ولما أثرت اثرها البليغ في مستقبل الدهر. فكان من الضروري في الحكمة الالهية وجود النساء معه لكي يعبّرن عن الحسين ويدافعن عنه بعد مقتله. ومن هنا (شاء الله ان يراهن سبايا). لأن هذا السبي دليل عملي قاطع عل فضاضة اعدائهم وما يتّصفون به من القسوة واللؤم وعدم العناية بالدين وهذا وحده يكفي للاعلام إلىمصلحة الحسين عليه السلام فضلاً عن غيره.

    وهذا التعريف المتأخر عن ثورة الحسين (ع) ليس لاجل مصلحة الحسين.

    نفسه ولا لمصلحة اصحابه المستشهدين معه. لأنهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جل جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة. وانما هذا الاعلام اراده الله سبحانه لاجل الناس وهداية المجتمع . فما يقال ، من انه اكمال لثورة الحسين عليه السلام يراد به الجانب الظاهري في الدنيا، لا الجانب الباطني في الآخرة.

    وهذا التعريف كما يصلح ان يكون تبكيتاً(*) وفضحاً لأعداء الحسني (ع) في كل جيل. وردعاً عن التفكير في مثل هذه الجريمة النكراء لكل حاكم ظالم على مدى التاريخ.

    كذلك يصلح لهداية الناس نحو الحسين وبالتالي نحو دين الله عزوجل ونحو اهداف الحسين الالهية وبالتالي نحو طاعة الله عزوجل والتربية الصالحة في اطاعة الدين وعصيان الشهوات والتمرد على كل ظلم وفساد ، سواء كان في المجتمع او في النفس الامارة بالسوء.

    فهذا هو الجواب على السؤال الرئيسي الرابع : هل اهتم الحسين (ع) بعياله؟

    السؤال السادس : هل اغتنم الحسين (ع) وحزن لوقوع هذا البلاء العظيم عليه وعلى اهل بيته واصحابه؟
    لعل من الواضح الجواب بالنفي لعدّة اعتبارات:
    منها : ان الحزن والبكاء فيه اشعار بالاعتراض على الله سبحانه وحاشاه.
    ومنها : ما ذكرناه فيما سبق من ان للشهادة في سبيل الله جانبين اهمّهما الاستبشار برحمة الله ولطفه. واستشهدنا على ذلك بعدّ’ نصوص سابقة.

    واما الحزن والبكاء المطلوب من محبي الحين (ع) في الشريعة، فلأن تكليفه عليه السلام يختلف عن تكليفنا وتقديره غير تقديرنا ونظره إلى الأمرو

    ______________
    (*) تبكيتا : مثل بكتته : قرعة وعنفه (اقرب الموارد م1ص55 مادة بكت)

    غير نظرنا

    أما البكاء والحزن فهو لنا لأجل تربيتنا دينياً وثوابنا اخروياً. واما الاستبشار فله ولأصحابه لاجل الشعور بالسعادة بنعم الله ورحمته.

    وكلما ازداد البلاء كان اكثر نعمة ورحمة . كما ورد : ((ان اكثر الناس بلاء في الدنيا هم الانبياء ثم الأمثل فالأمثل))(226) . وورد ما مضمونه، انه لولا الحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحالة التي هم فيها إلى حال أضيق منها(227) . غلى غير ذلك من النصوص.

    ومن علامات ما قلناه: ما ورد عن علي بن الحسين الاكبر انه قال لابيه الحسين (ع) وهو في الرمق الأخير، ((هذا جدي رسول الله (ص) قد سقاني من حوضه شربة لا أظمأ بعدها ابداً))(228).

    ومن دلائل ذلك: انه ورد عن العديد من الناس، في التاريخ انهم كانوا يدعون الله عزوجل للحصول على الشهادة، ثم يشكرونه حين يجدون انفسهم عندها. فكيف الحال في الحسين واصحابه واهل بيته ومقدار ادراكهم لذلك .

    ومن دلائل ذلك: ايضاً ما ورد عن انه عليه السلام كف لاصحابه واهل بيته بعد ان اختبرهم واحرز اخلاصهم، كشف لهم عن بصائرهم واراهم مواقعهم في الجنة ليلة مقتلهم(229) . فهشت نفوسهم إلهيا ورغبت بها . فكانوا فرحين مستبشرين لذلك. وهذا معنى ما سمعناه من قول احدهم : (ليس بيننا وبين ان نعانق الحور العين الا ان يميل علينا هؤلاء بأسيافهم)(230).

    _________________
    (226) اصول الكافي ج2 – باب شدة ابتلاء المؤمن – الحديث 29 – تحف العقول للبحراني ص33
    (227) مرآة العقول للمجلسي ج9ص358 .
    (228) الخوارزمي ج2ص31 - البحار للمجلسي ج45ص44
    (229) اسرار الشهادة للدربندي ص247
    (230) تاريخ الطبري ج6ص241 - اسرار الشهادة للدربندي ص249



    وقد يخطر في الذهن : ان البكاء ليس دائماً على امور الدنيا، بل له مبررات عديدة مما هو صحيح دينياً. نذكر منها ما يلي:

    أولاً: البكاء من الذنوب.
    ثانياً : البكاء شوقاً إلى الثواب.
    ثالثاً: البكاء خوفاً من العقاب.
    رابعاً: البكاء لأجل قلة الصبر على البلاء.
    خامساً: البكاء لاجل اقامة الحجة على الخصوم.

    فمن هنا يمكن ان يكون بعض هذه الاسباب موجوداً لدى الحسين (ع)
    واصحابه

    جوابه : اما الاسباب الثلاثة الأولى فهي خارجة عن محل كلامنا هذا، لأننا نتكلم عن البكاء الناتج بسب الواقعة نفسها. واما البكاء لاجل قلة الصبر فهو غير صحيح للحسين عليه السلام لأنه معصوم. واما غيره فلعدة امور منها :

    أولاً : قال تعالى (لا يكلف الله نفساً الا وسعها)(231) . اذن فالبلاء او اي شيء اخر لا يكون الا بمقدار التحمل ، ويستحيل ان يكون اكثر من ذلك. بمشيئة الله سبحانة.

    ثانياً : الاستبشار الذي ذكرناه وكررنا الحديث عنه ، فانه مما يقوي العزيمة ويشد الهمّة ويمنع الانهيار. فلا يكون لقلة الصبر مورد بالنسبة لهم، ليسبب لهم البكاء.

    وأما السبب الأخير وهو اقامة الحدة على الاعداء، فهو صحيح ، الا انه ليس من وظيفة الشهداء انفسهم وانما هي وظيفة من بقي منهم ومن ذويهم ونسائهم ، لكي يكشفوا للعالم الخارجي عن أهمية الامر وعظمة قضية الحسين
    _______________________________________
    (231) سورة البقرة آية 286

    عليه السلام .مضافاً إلى ان الاسلوب الوحيد لاقامة الحجة ليس هو البكاء، بل ليس هو الاسلوب الافضل . وانما الاسلوب الافضل هو الكلام والافهام، والبكاء اسلوب صامت وسلبي مهما كان مؤثراً. نعم، حين لا يكون الكلام ممكنا يكون اسلوب البكاء لاقامة الحدة متعينا. وهو ما فعلته فاطمة الزهراء سلام الله عليها، بعد ابيها وفعلته زينب بنت علي عليه وعليها السلام بعد اخيها الحسين واصحابه وفعله الامام السجاد عليه السلام بعد ابيه. إلى غير ذلك من الموارد . واما لماذا كان الكلام متعذراً أو صعباً بالنسبة لهؤلاء فهذا ما لا ينبغي ان نطيل الكلام فيه الآن











    يا ليتنا كنا معكم

    هناكعبارةيكررها خطباء المنبرالحسيني حتى اصحبت متعارفة وتقليدية وهي قولهم: ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً(232). والخطاب – بصيغة الحال – للحسين عليه السلام واصحابه. وأود الآن بمناسبة حديثي عن هؤلاء العظماء اناتعرض إلى معنى هذه العبارة، فان في ذلك: عبرةأولاً، وموعظة ثانياً، وتربية للخطباء . ثالثاً، لعلهم يأخذون ما سوف اقول بنظر الاعتبار.

    واللفظ الذي هو الاهم والاشد تركيزاً في هذه الجملة هو (معكم) فإن المعيّة قد تكون مكانيةوقد تكون زمانيةوقد تكون معنوية. فإن المتكلمبهذه الجملة مرة يتمنى ان يكون مع شهداء كربلاء في الزمانوالمكان المعينين اللذين كانوا فيهما وآخرى يتمنى ان يكون معهم معنوياً.

    والاداة (ليت ) للتمني والمشهور في علوم العربية ان التمني لا يكون الا للمستحيل . ويوردون كشاهد على ذلك قول الشاعر:
    الا ليت الشباب يعود ليلاً فأخبره بما فعل المشيب(233) .

    وسسناقش ذلك بعد قليل ونعود إلى الحديث عن (المعيّة):
    اما التمني الفرد للكون معهم في نفس الزمان والمكان الذي كانوا فيه فيراد
    __________________________
    (232)البحار للمجلسي ج44ص286 – امالي الصدوق ص112.
    (وهي من رواية للامام الرضا (ع) يقول فيها لابن شبيب : اسرّك ان يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين (ع) فقل متى ذكرته: ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً).
    (233) ديوان ابو العتاهية ص32.

    بعد عادة تمني الحصول على الشهادة معهم لكي يفوز فوزاً عظيماً. وهو امر جليل ولطيف في حد نفسه الا انه قابل للمناقشة من اكثر من جهة:
    الجهة الأولى : ان تمني العود إلى الماضي من تمني المستحيل طبيعياً، وتمني المستحيل مستحيل. أو قل : انه لا يتصوره ولا يقتنع به الا من خولط في عقله . وليس من تمني الاسوياي ما كان مستحيلاً.

    الجهةالثانية : ان مجرد وجود الفرد هناك في الماضي –لو تم له- لا يعني كونه يفوز بالشهادة اويفوز فوزاً عظيماً. بعد ان نأخذ بنظر الاعتبار هذه النفوس الضعيفة الامامرة بالسوء المعتادة على الترف والضيق من مصاعب الحياة.... ومن الواضح ان حركة الحسين عليه السلام كلها مصاعب وبلاء وضيق من الناحية الظاهرية او الدنيوية. ومن هنا لا يكون من المؤكد ان الفرد اذا كان موجوداً في ذلك الزمان والمكان ان يكون نصاراً للحسين عليه السلام. بل لعله يكون في الجيش المعادي تحت امرة عبيد الله بن زياد لأجل الحصول على المال او الشهرةاو دفع الشر والتهديد ، تماماً كما مال اهل الكوفة إليه بعد اعطائهم الولاء للحسين (ع) ومسلم بن عقيل عليهما السلام، ومن اجل شيء من الطمع والخوف.

    واذا كان الفرد احسن نفساً و اكثر ثقافة ، فلا اقل من ان ينهزم من المعسكر ، فلا يكون مع معادي الحسينن ، كما لا يكون مع الحسين نفسه تماماً كما ورد عن ابي هريرة انه قال : (الصلاة خلف علي اتم وطعام معاويةادسم والوقوف على التل اسلم)(234) . واذا لم يكن مع الحسين (ع) فسوف يحصل:
    أولاً : انه لن ينال الشهادة ولن يفوز فوزاً عظيماً
    ______________
    (234) هذا القول من ابي هريرة عبر عن موقفه في حرب صفين. وقد ذكره محمود ابو ريّة في كتاب شيخ المضيرى ابو هريرة ص56 عن (شذرات الذهب في اخبار من ذهب لابن عماد الحنبلي ج1ص64).

    وثانياً : أنه سينال اللعنةالا بدية طبقاً لقوله عليه السلام: (من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبّه الله على منخريه في النار)(235).

    وعلى اي حال فمن اين يأتي التأكيد على ان الفرد اذا كان في ذلك الزمان وذلك المكان مع الحسين عليه السلام. لفاز فوزاً عظيماًُ، بل لعله يخسر خسراناً مبيناً.كما المعنا قبل قليل لأن مجرد المصاحبة في المكان لا يعني اكثر من ذلك.

    وقد يستدل على ان المطلوب من اي فرد محب للحسين يحسن به ان يتمنى ذلك، فيستدل عليه بالشرع المنسوب إلى الحسين عليه السلام.

    شيعتي ، ما ان شربتم عذب ماء فاذكروني
    أو سمعتم بقتيل او جريح فاندبوني
    فأنا السبط الذي مـ ن دون جرم قتلوني
    ليتكم في يوم عاشو را جميعاً تنظروني (236)

    فقد تمى الحسين (ع) ان يكون معه شيعته يوم عاشوراء. وهو المطلوب وجواب ذلك من عّدة وجوه منها:

    الوجه الأول : ان هذا الشعر ليس للحسين (ع) قطعاً بل هو مما قيل على لسانه قطعاً.واول دليل على ذلك ان يذكر فيه مقتله وما حدث بعد مقتله وهو ما لا يمكن ان يكون من قوله سلام الله عليه. وفي ما سمعناه ما يشير إلى ذلك . مضافاً إلى قوله:


    وبجرد الخيل بعد ال قتل ظلماً سحقوني

    إلى غير ذلك .
    ___________________________
    (235) الخوارزمي ج1ص227- البحار للمجلسي ج44 ص315 امالي الصدوق ص123
    (236) اسرار الشهادة للدربندي ص398 ص398 – واشار إليها جعفر التستري في خصائصه ذاكراً البيت الأول فقط.


    اذن فهذا الشعر انما قاله الشاعر بعد ان سمع قول الخطباء (ياليتنا كنا معكم) فأحب ان يكون هذا التمني صادراً عن الحسين (ع) أيضاً. اذن فلا يكون لهذا الشعر قيمةاثبات تاريخية اكثر من هذه الجملة التي يكررها الخطباء .
    الوجه الثاني : ان مثل هذا التمني لو كان صادراً عن الحسين (ع) او محبيه فإنما يراد به تمني الاجتماع معنوياً، كمنا سوف نذكر لا مادياً، او تممني الاجتماع مادياً ومعنوياً حتى يمت الامر .والا فمن الواضح – كما اسلفنا - ان الاجتماع المادي،في الزمان والمكان وحده لا يكفي.

    واما المعّية المعنوية، وهي الاتحاد في الهدف والمحّبة والايمان.فقد يستشكل فيه من حيث ان (ليت ) انما تأتي للتمني المستحيل على ما هو المشهور كما اسلفنا. ومن الواضح ان المعّية المعنوية ليست مستحيلة بل بابها مفتوح لكل والج وواسع بسعة رحمةالله سبحانه . ينال منها كل فرد حسب استحقاقه. فمن هنا ناسب ان تستعمل ليت للمستحيل وهوالكون المادي معهم لا المعنوي .

    وجواب ذلك : ان اختصاص التمني بالتمني غير صحيح تماما وان ذهب إليه المشهور وذلك لعدة وجوه، منها:
    أولاً : ما اشرنا إليه فيما سبق من ان تمني المستحيل مستحيل . الا من المجانين ومن خولطوا في عقولهم . أو انه يتحدث حديثاً مجازياً بعديداً عن الواقع تماماً كبيت الشعر الذي استشهدوا به (الا ليت الشباب يعود يوماً).

    ثانياً : الن التمني واضرابه من موارد ما يسمى في علوم البلاغة بالانشاء كالاستفهام والترجي وهي حالات نفسيه وجدانيةمحسوسة في النفس تختلف في معانيها ومداليلها. فالترجي المدلول عليه بالاداة (لعل ) انما يعني مجرد الاحتمال كقولنا : لعل فلاثاً عاد من سفره أو لعلي أسافرغداً.

    واما التمني فهو : ارادة حصول شيء في المستقبل والرغبة فيه كقولنا:
    ليتني اسافر غداً . أي احب ذلك وارغب به . ولا ربط له بمجرد الاحتمال.

    فالتمني والترجي امران مختلفان تماماً. كما لا ربط له بالامور المستحيلة بل يستحيل ان يتعلق التمني بالمستحيل.

    وثالثاً: ان في القرآن الكريم موارد استعملت فيه الاداه (ليت) فيما هوممكن وليس بمستحيل . وظاهر القرآن حجة على كل من يناقش في ذلك، كقوله تعالى (ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً)(237) مع العلم ان الموت في اي وقت ممكن بقدرة الله سبحانه. وقوله تعالى  ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا)(238). يعني ميت قد زالت معالم قبره ، وهوامر ممكن على اي حال.

    بل حتى ما يبدو مستحيلاً من الاستعمالات كقوله تعالى : ( ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين)(239) . وقوله تعالى : ( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا)(240) . ونحوها انما تكون مستحيلة باعتبارالنظام الالهي للخلق، لا باعتبار قدرة الله على انجاز ما يتمنونه الا انه لا ينجزه لانهم لا يستحقون ذلك.

    ومحل الشاهد من كل ذلك : ان التمني للمكن امر ممكن . فإذا عرفنا ان (المعّية) المعنوية مع اصحاب الحسين عليه السلام امر ممكن في اي مكان وزمان،

    ______________
    (237) سورة مريم آية 23
    (238) سورة النبأ آية 40
    (239) سورة الزخرف آية 38
    (240) سورة الأنعام آية 27.

    لأنها تعبر عن المعية القلبية والفكرية، وهي المعّية الاهم والألزم . فاذا كانت ممكنة كان تمنيها ممكناً. ويمكن ان يقصدها الفرد حين يقول: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً. والحق ان المعيةالمعنويةتوجب الفوز العظيم بلا اشكال.

    ولكننا يحس ان نلتفت إلى ان هذا التعبير وارد في القرآن عن قول فرد فاسق أو متدني الايمان وقليل اليقين . لأنه سبحانه يقول: (وان منكم لمن ليبطئن فإن اصابتكم مصيبة قال قدأنعم الله علي اذ لم أكن معهم شهيداً. ولئن اصابكم فضل من الله ليقولن كان لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما)(241) اذن فتكرار هذا المضمون من قبل الفرد لا يكاد يكون معقولاً وانه سيعتبر نفسه متدني الايمان أو قليل اليقين .وهذا لا يكون الا مع الغفلة عن المضمون الحقيقي للعبارة كما هو الاغلب، او لأجل كسر النفس والوقيعة فيها، كما هو شأن الزهاد والسالكين.

    كما ينبغي ان نلتفت إلى امر اهم حول الآية الكريمة هو : انه سبحانه يقول : (ولئن اصابكم فضل من الله ليقولن ............ الخ) (242).

    وهذا يعني بالنسبة إلى الأفراد الاعتياديين ، بغض النظر عن المعاني التي اسلفناها امرين:

    الأمر الأول : ان الحسين (ع) اصابه فضل من الله بالشهادة ، والفرد يتمنى ان ينال من هذا الفضل. وقد سبق ان قلنا : ان هذا الفضل من دواعي الاستبشار لا من دواعي البكاء. مع العلم انهم يجعلونه مقدمة للبكاء كما هو المعهود اكيداً .ومعه فلا يكون وضعه في هذا الموضع مناسباً.

    ___________________
    (241) سورةالنساء آية (72 – 73)
    (242) سورة النساء اية 73

    الأمر الثاني : ان الفضل الذي ناله الحسين واصحابه من الله سبحانه ليس مجانياً ولا يمكن ان يكون كذلك. ولذا ورد: ((لك مقامات لن تنالها الا بالشهادة))(243) . فقد دفع الحسين عليه السلام تحمله لانواع البلاء الدنيوي بما فيه نفسه ونفوس اهل بيته واصحابه فداءً لذلك الفضل العظيم . فهل سيكون الفرد على استعداد ان يشاركه في جزائه ام يتمنى الفرد ان يحصل على ثواب الحسين(ع) مجاناً مع ان الحسين (ع) نفسه وهوالمعصوم لم يحصل عليه الا بالثمن الغالي. ان هذا من سخف القول حقاً!!

    كمنا يحسن بنا ان نتساءل في هذا الصدد: اننا لماذا نتمنا ان نكون مع الحسين خاصة لنفوز فوزاً عظيماً. مع ان الآية الكريمة ملقة من هذه الناحية، بل هي خاصة بالرسول (ص) . والكون معه ايضاً فوز عظيمبلا اشكال ، فهل نتمنى ذلك او نتمنى الكون مع امير المؤمنين اواحد الائمةالمعصومين. وان لنا اماماً حياً مسؤولاً عنا فعلاً ونحن مسؤولون عنه ايضاً. فهل نتمنى ان نكونمعه، وليت شعري فان الكون مع امامنا الحي ليس سهلاً على الاطلاق . بل هو امتحان عسير وبلاء كبير ويحتاج إلى ايمان عظيم وتسليمجسيم . يكفينا ما ورد: ((ما هذا الذي تمدون إليه اعينك وهل هوا لا لبن الخشن واكل الجشب))(224) . وفي خبر آخر : (( وهل هو الا السيف والموت تحت ظل السيوف))(245).
    ________________
    (243) آمالي الصدوق مجلس 30 ص135 – البحار للمجلسي ج44 ص328 – الخوارزمي ج2ص187- اسرار الشهادة للدربندي ص191 .
    (244) الكافي للكيليني ج8ص133 – بتصرف واقتضاب
    (245) امالي الصدوق ص517 (ط)

    فإنه سلام الله عليه يطبق الاسلام كما نزله رسول الله 0ص) . ولن يكون ذلك في مصلحة اهل الدنيا ومتبعي الشهوات والمعنادين على اللذات. بل سيكون هذا العدل المطلق اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ونفسياً وعقلياً ودنيوياً وآخروياً. وهذا لا محالة يكون على الفرد الاع تيادي كما قلنا امتحاناً عسيراً وبلاءاً كبيراً، اذن فالتمني مع امامنا الحي ليس سهلاً باي معنى قصدناه.

    ولكن - مع ذلك – فقد يحسن الخطباء صنعاً حين يخصون الحسين عليه السلام بالذكر : لامرين أو اكثر:-

    الأمر الأول : ان الحديث في المجلس عنه والمآتم المنعقد له عليه السلام.
    الأمر الثاني : ان الحديث في المجلس وان لم يكن عنه سلام الله عليه بل عن غيره من المعصومين (ع) الا انه لا بد من ذكره خلال الحديث والا لم تطمئن النفس ولم يهدأ الخاطر ولم يتم الاستحباب الشرعي الكامل.
    الأمر الثالي : ان شفاعة الحسين عليه السلام اوسع من غيره من المعصومين عليه السلام جميعاً.كما ورد : ان عدداً من المعصومين لا يصل اليهم الا الخاصة علي عليه السلام والرضا عليه السلام والمهدي عليه السلام في حين يصل إلى الحين عليه السلام الخاصة والعامة . فهويشفع للجميع وزياراتهم لديه مقبولة . وشفاعته واسعة يوم القيامة.

    الا اننا مع ذلك ينبغي ان نتوخى ان نضم إلى هذا الامر الشعور على مستويين:

    المستوى الاول : ان شفاعةالحسين عليه السلام لن تكون عامة بالمعنى الكامل. بل بشرطها وشروطها، كما ورد في الخبر. تماماً كما قال الامام الرضا.

    _________________
    (246) البحار للمجلسي ج44 ص221

    عليه السلام في حديث سلسلة الذهب: (( لا اله الا الله حصني ومن دخل حصني امن من عذابي . ثم قال : بشرطها وشروطها وانا من شروطها))(2147).

    المستوى الثاني : ان لا نفهم من سعة شفاعة الحسين عليه السلام سعتها دنيوياً، بل سعتها آخروياً. ولكن وجد العديد ممن يقول : أن سفرة الحسين (ع) اوسع .ويريد به الأرباح المادية المجلوبة بسبب ذكره سلام الله عليه اكثر من الارباح المجلوبةبسبب ذكره غيره.

    وهذا وان كان صحيحاً عملياً وادخلا ضمن النعم الالهية على الحسين ومحبي الحسين عليه السلام، الا ان المطلوب اخلاقياً هو عدم النظر إلى حطام الدنيا مهما كان مهمّا. وقصر النظر عن ثواب الآخرة.ومن الواضح اخلاقياً ودينياً ان من قصد الدنيا وحدها او من قصد الدنيا والآخرة معا، فليس له الثواب في الآخرة اطلاقاً، وانما يأخذ الثواب من خص قصده في الآخرة تماماً.

    وهذا لا يعني عدم جواز الاجرة على ذكره عليه السلام، وخاصة ممن كان عمله ذلك ورزقه متوقفاًُ عليه. وانما يعني ان يسقط هذا عن نظر الاعتبار في نيته ، و يجعله بمنزلة الرزق صدفة او تفضلاً من الله عزوجل، وليس بأزاء ما تم الحسين عليه السلام، بأي حال من الأحوال.







    ________________________
    (247) عيون اخبار الرضا للصدوق ج2ص134




    رواة واقعة الطف

    اعتقد ان الرواة الأوائل او المباشرين لحادثة الطف منحصرون في الاقسام التالية، فينبغي ان ننظر إلى وثاقتهم من ناحية وإلى مقدار شرحهم للحوادث ونحو ذلك من الخصائص.

    القسم الأول : الائمة المعصومون عليهم السلام المتأخرون عن الحسين عليه السلام. وخاصة الثلاثة الذين كانوا بعده بالمباشرة وهم الامام السجاد والامام الباقر والامام الصادق عليهم السلام . فإن لهؤلاء قسطاً من ذكر واقعة الطف.

    الا انني اعتقد اننا – مع ذلك – لانستطيع ان نأخذ عنهم التفاصيل كما نريدها. لانهم عليهم السلام كانوا يتحدثون بمقدار ما تقتضي المصلحة في زمانهم فكانوا يركزون على الجانب المعنوي لواقعة الطف والدفاع عن قضية الحسين عليه السلام. و لا يكون همهم رواية او نقل الحوادث ، الا ما جاء عرضاً خلال الحديث. اذن فلا ينبغي ان نتوقع سماع حديثهم عن التفاصيل الكثيرة التيت نريدها.

    القسم الثاني : النساء من ذراري الحسين علهي السلام واصحابه بعد عودتهن إلى المدينة المنورة. فإنهن لم يصبن بسوء وبقين احياء بعد مقتل رجالهن. ورجعن إلى محل سكنهن . فمن الممكن لهن ان يتحدثن عما رأينه عن تلك التفاصيل . وتعتبر كل واحدة منهن كشاهد حال حاضر للواقعة.

    الا اننا لا ينبغي ان نبالغ في ذلك لامرين على الآقل:

    الأمر الأول: حاصل لدى وجود الواقعة نفسها في كربلاء . وذلك لأن النساء كن موجودات في الخيام، ولسن مشرفات على الواقعة ولا متابعات للحوادث، ولا يعرفن اشخاص الرجال الاجانب باسمائم . فمن هذه الناحية ستكون فكرتهن عن التفاصيل غائمة ومجملة لا محالة.

    الأمر الثاني: حاصل لدى وجودهن في المدينة المنورة حيث كانت المصلحة الدينية والاجتماعية تقتضي اقامة المزيد من المآتم على واقعة الطف واظهار المزيد من الحزن البكاء على من قتل فيها. اذن فقد انشغل النساء بمهمتهن المقدسة تلك ولم تجد احداهن الفرصة الكافية لرواية التفاصيل.

    القسم الثالث : الاطفال القلائل الذين نجوا من واقعة الطف، واستطاعوا الهرب منها كأحمد بن مسلم بن عقيل أو عادوا مع النساء كالحسن المثنى(248) وغيرهم(249) . فإنهم اصبحوا كباراً بالتدريج . فمن الممكن لهم عندئد ان يرووا ما رآوا وما سمعوا.

    الا اننا مع ذلك لا ينبغي ان نبالغ في امكان اخذ التفاصيل من هؤلاء تاريخياً لعدة امور لعلها تندرج في امرين:

    الأمر الأول : حالهم في واقعة الطف نفسها ، فانهم :

    1- كانوا محجوزين في الخيام مع النساء ولا يشاهدون التفصيل.

    ______________
    (248) الحسن المثنى : ذكره المفيد في الارشاد وقال : ((واما الحسن بن الحسن بن علي (ع) فكان جليلاً رئيسياً فاضلاً ورعاً وكان يلي صدقات امير المؤمنين (ع) في وقته وله مع الحجاج خبر ذكره الزبير بن بكار وكان قد حضر مع عمه الحسين (ع) الطف فلما قتل الحسين (ع) واسر الباقون من اهله اءه اسماء بن خارجة فأنتزعه من بين الاسرى) وقد تزود من بنت عمه فاطمة بنت الحسين (ع) فأولدها بعد الله المحض وابراهيم العمر والحسن المثلث ومن غيرها داوود وجعفر ومحمد ورقية وفاطمة وقد توفي بالسم الذي دسّه له سليمان بن عبد الملك فمات وعمره (53 سنة) . رجال السيد بحر العلوم ج1ص21 – بتصرف – ط نجف
    (249) عمدة الطالب ص78 - مقاتل الطالبيين ص119 ط دار المعرفة ببيروت

    2- لا يعرفون اسماء الرجال الموالين والمعادين لكي يرووا تفاصيل اعمالهم.
    3- ان فهمهم الطفولي يومئذ لم يكن يساعد على الاستيعاب . وكان عمر احدهم يومئذ قد لا يزيد عن خمس سنوات بالمعدل . ولم يكونوا بمعصومين لكي نقول: ان الفهم منهم لا يختلف باختلاف سني العمر.

    الأمر الثاني : انني لا اعتقد اهم مذكورون في اسناد الروايات الناقلة للتفاصيل عن واقعة الطف الا نادراً. ولو كان الرواة المتأخيرون نسبياً، قد سمعوا منهم لذكروهم في السند. اللهم الا ان يقال : ان الحذف من السند كان لداعي التقية يومئذ. فإن نقل قصة الحسين عليه السلام كان مورداً للتقية المكثفة والصعبة في زنم الآمويين الذين قتلوه ورضوا بمقتله . بل الامر كذلك في زمن اكثر الخلفاء العباسيين ايضاً.

    القسم الرابع: الاعداء الذين حاربوا الحسين علهي السلام فعلاً في واقعة كربلاء، وكانوا حاضرين خلالها، ولكنهم نجوا من الموت ورجعوا إلى بلداهم فامكنهم ان ينقلوا القصة ويسمع منهم الناس عنها الشيء الكثير.

    ويروي : ان المختار الثقفي حين اعلن الاخذ بثار الحسين عليه السلام، كان يقبض على اعدائه واحداً واحداً ، فيسأله عما فعله في واقعة الطف، فيقتله بالشكل الذي قتل به الشهداء هناك(250). فقد حصل من ناحية الاعداء روايات تفصيلية عن حوادث كربلاء. وهناك اخبار آخرى من غير هذا الاسلوب رويت عن حميد بن مسلم وزيد بن ارقم وغيرهما.

    فهل نستطيع ان نعتبر هذه الاخبار عنهم هي من اخبار الثقاة مع اننا نعلم انهم اشد الناس فسقاً وعناداً ضد الامام المعصوم، بل ضد الله ورسوله ايضاً. فإذا
    ____________________
    (250) مروج الذهب ج3ص86

    لم يكن الخبر خبر ثقة فكيف يمكننا الاخذ به؟

    وقد يخطر في البال هنا: ان هذا الشخص او غيره من الاعداء حين يروي شيئا من الحوادث انما يقر على نفسه بالجريمة . واقرار العقلاء على انفسهم جائز . فمن الممكن الاخذ بخبرة من هذه الجهة.

    الا ان هذا غير صحيح لعدة اسباب او وجوه:

    الوجه الأول : ان قاعدة اقرار العقلاء انما تجعل الخبر معتبراً بالنسبة إلى العقوبة للمتكلم به او تحميله مسؤوليته بشكل وآخر. ولا تجعل الخبر معتبراً بمعنى كونه مشهوداً له بالصحة بشكل مطلق.

    الوجه الثاني : ان هذا الشخص او ذاك ممن كان في معسكر الاعداء، قد لا يروي الحادثة عن نفسه. وان تكلم عن نفسه اعني عمّا قاله وفعله في كربلاء. الا انه يروي ذلك مدافعاً عن نفسه. يعني يريد ان يثبت انه قد رحم الآخرين وتعطف عليهم في الوقت الذي قسى مهم غيره. وهذا شامل لعدد من النقول الواردة . ومعه لا تكون اقراراً حتى نثبت حجيتها بقاعدة الاقرار.

    اذن ، ينتج انه ينبغي الحذر كثيراً حين نسمع من او عن امثال هؤلاء الاعداء اخبارهم عن واقعة كربلاء. ومن المؤكد اناخبارهم ليست اخبار ثقاة بل هو خبر ضعيف ، باصطلاح اهل الحديث لا انه رواية فاسق ومعاند للحق ومن الذي يقول بحجية الخبر الضعيف؟.

    الرواة المتأخرون

    لكن الذي يهوّن الخطب إننا نأخذ التفاصيل من كتب علمائنا الموثوقين الاجلاء كالشيخ المفيد في الارشاد والشيخ المفيد في الارشاد والشيخ الاربلّي في كشف الغمة وابي مخنف والخوارزمي في مقاتلهم والشيخ التستري في كتابه عن الحسين عليه السلام.



    واضرابهم .

    الا اننا مع ذلك ينبغي ان نكون حذرين في النقل لعدة امور:

    الأمر الأول : ان اكثيراً مما نقلوا من الروايات هي ضعيفة السند ومرسلة وعلى كل تقدير لا يمكن الآخذ بها فقهياً.

    وقد يخطر في البال: ان هؤلاء العلماء هم الذين تكلفوا صحتها على عاتقهم . فهي معتبرة وصحيحة في نظرهم. وهذا يكفي في النقل وان كانت مرسلة او ضعيفة بالنسبة إلينا.

    وجوابه : بالنفي طبعاً، يعني لا يكفي ذلك ، لأن صحتها التي يعتقدون بها انما هي صحة اجتهادية وحدسية وليست حسّية لتكون حدة على الآخرين ، او قل : على الاجيال المتأخرة . كما هو مبحوث عنه في علم الأصول.

    الأمر الثاني : انه ينبغي التأكد من نسبة الكتاب إلى مؤلفه فقد يكون كله منتحلاً او بعضه ، أو يكون مزيداً عليه أو محذوفاً منه وغير ذلك من الاحتمالات . واذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال. ولعل اهم واوضح ما هو مشكوك بالنسبة إلى مؤلفه هو مقتل ابي مخنف، وهو مما يعتمد عليه الناس كثيراً وابو مخنف رجل صالح وموثق، الا ان نسبة كتابه إليه مشكوكة.

    الامر الثالث : انه ينبغي التأكد ان النقل في الكتاب انما هو بنحو الرواية لا ينحو الحدس. فإنه وجد خلال التأريخ من كتب عن واقعة الطف من زاوية الحدس والكشف العرفاني لا بنحو الرواية . وحاول فهمها من وجهة نظره تلك ، وهذا هو الذي يبدو من الشيخ التستري في كتابه (الخصائص الحسينية ) حيث يقول مثلاً (ان الحسين علهي السلام حصلت له حالة الاحتضار ثلاث مرات). فإن هذا ان صح فقد أخذه بالكشف العرفاني بلا رواية. فإنه لا توجد اي رواية بذلك وهكذا كثير من التفاصيل.

    ومن المعلوم في الاصول : ان هذه الحدوس والكشوف ان كانت حجة، فهي حجة على صاحبها، بصفته عالماً بصحتها . و لايمكن ان تكون حجة على غيره مع احتماله لتوهم الآخر وانفعاله . ومن ثم فقد لا يكون ما قاله مطابقاً للواقع. الا ان يحصل لنا او لأي شخص العلم بالمطابقة او حسن الظن بالقائل بحيث يعلم ان كشوفه الوجدانية دائمة المطابقة للواقع . ومن اين لنا ذلك؟ .

    مجوزات النقل شرعاً

    وما يمكن ان يكون مجوزاً للنقل شرعاً عن المعصومين سلام الله عليهم من الروايات ، في واقعة كربلاء او غيرها عدّة أمور:

    الأمر الأول : صحة السند فإن السند وهو مجموعة الرواة الناقلون له ان كانوا كلهم ثقاة جاز الاخبار به، وتكفل مسؤوليته امام الله سبحانه.

    الأمر الثاني : نسبة القول إلى صاحبه ، بعد العلم بانتساب الكتاب إليه، فنقول : قال فلان أو روى فلان كذا. او نقول : روي او قيل. أو نقول: قال ارباب المقاتل او المؤلفون في واقعة كربلاء ونحو ذلك.........

    وبذلك تخرج عن العهدة امام المعصومين عليهم السلام، وتكون صادقاً في قولك لأن هذا الذي نقلت عن كتابه قد قال ذلك فعلاً لكن هذا مشروط بشرطين:-

    1- ان يكون الامر مروياً عن كتاب ما، واما اذا لم يكن مروياً اطلاقاً وانت تقول عنه : روي كذا. فهذا غير جائز بل هو الكذب نفسه.
    2- ان يكون الكتاب صحيح النسبة إلى مؤلفه والا فسيكون نسبة القول إلى مؤلفه نسبة كاذبة. فأنت تكذب على المؤلف وان لم تكذب على المعصومين (ع).

    الأمر الثالث : من مجوزات النقل المشهورة بين الخطباء والشعراء الحسينيين : النقل بلسان الحال . فكأنهم يرون ان الحديث يكون صادقاً مع التقيد بهذا المعنى، ومن هنا اباح الشعراء لانفسهم اضافة اقوال وافعال كثيرة

    جداً إلى واقعة الطف، بعنوان انها بلسان الحال لا بلسان المقال.

    وهذا ليس خطأ كله ، بل يحمل جانباً من الصواب من الناحية الفقهية ، فإن النقل بالمعنى عن الروايات جائز ان كانت الرواية بدورها محرزة الصحة. كما ان النقل بلسان الحال جائز اذا احرزنا ان حال المتكلم في تلك الساعة على ذلك. الا اننا مع ذلك ينبغي أن نكون على حذر شديد من هذه الناحية ، لعّ>ة وجوه:

    الوجه الأول : أننا لا نستطيع ان نعلم حالهم رضوان الله عليهم، لا الحسين (ع) ولا اصحابه ولا نساءه ولا أي واحد هناك منهم . لأنهم أعلى وأجل من ان نعلم ما يدور في خواطرهم وما تحفيه سرائرهم . في حين اننا بعيدون عنهم زمناً ومكاناً وثقافة ومستوى. وغير ذلك . اذن فنحن جاهلون بحالهم لا اننا عالمون به لنستطيع التعبير عنه بأي حال من الأحوال . وانما يجوز الحديث بلسان الحالز مع احراز المطابقة للواقع. وانى لنا ذلك؟

    الوجه الثاني : ان ما يكون بلسان الحال انما ه والاقوال لا الافعال . فلو تنزلنا جدلاً عن الوجه الاول او تم لدينا ذلك الوجه. فإنما يجوز النقل بلسان الحال في الاقوال وحدها . أما نقل الافعال والتلفيق فيها بعنوان كونها بلسان الحال فهذا لا معنى له ولا بيان له.

    الوجه الثالث: اننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجه الاول او تم لنا ذلك الوجه فإنه يتم بمعنى ان الحالة العامة التي كانوا فيها معلومة لنا اجمالاً. واما التفاصيل فمن غير المحتمل ان ننال منها شيئا . فمثلاً ما الذي خطر في ذهن الحسين عليه السلام حين أخذ رضيعه معه ليسقيه الماء . أو في أية حادثة معينة آخرى ؟ هذا متعذر فهمه تماماً في حدود البعد الزمني والثقافي والايماني عنه عليه السلام.

    وفي صدد النقل بلسان الحال يمكن ان نذكر منشأين لجواز النقل بهذا الشكل. فإن تم احدثهما اخذنا به وان لم يتم اعرضنا عنه:

    المنشأ الأول : ما وردنا من الروايات عن واقعة كربلاء. فإنها تدل على الحال الذي كانوا فيه. فنستطيع ان نتحدث زيادة على ذلك في حدود الحال الذي فهمناه من تلك الروايات.

    وجوابه : أولاً : ان الرواية ينبغي ان تكون صحيحة ومعتبرة سنداً، لكي يمكننا استكشاف الحال من خلالها.

    ثانياً : ان المفروض اننا نتحدث عن اقوال وافعال زائدة عما هو المروي، لأنه بلسان الحال. فلا نستطيع ان نقول (روي ذلك) لنكون صادقين ، لأنه لم يرو اطلاقا.

    ثالثا: ان المفروض احيانا اننا نروي حوادث واقوالا غير متشابهة على الاطلاق عما هو مروي ووارد، لا في الروايات الصحيحة ولا الضعيفة. فكيف يتم لنا ذلك شرعاً وهل هو الا من الكذب الصريح؟

    المنشأ الثاني : لجواز النقل بلسان الحال، العرف. فما كان يناسب من الناحية العرفية ان يكون حالهم عليه، جاز التعبير عنه. وما لا يناسب ذلك لم يجز التعبير عنه واتباع العرف امر جائز عرفاً وحدة كما ثبت في علم الاصول. الا ان هذا اغير صحيح لعدة مناقشات ترد عليه:

    اولاً : ان العرف انما تثبت حديته في علم الأصول في موارد معينة لا يمكن تعّديها ، ولا قياس غيرها عليها. وهي حجية الظواهر المأخوذ بها عرفا وحجية المعاملات المتعارفة في العرف .

    واما الكذب والكلام الزائد فهو وان كان عرفاً سائراً، الا انه منهي عنه قطعاً في الشريعة ومحرم اكيداً.


    ثانياً: ان العرف انما يكون حدة في ما يناسب حال العرف ومستواه.
    وأما ما كان خارجاً عن حال العرف كالأمور الرياضية والفلسفية، فلا سبيل للعرف إليها . ونحن نعلم ان حال اولئك الابطال الافذاذ أعلى من ان يفهمه العرف فالتنزل بمستواهم إلى درجة العرف الشائع ظلم لهم لا محالة.

    ثالثاً : ان لسان الحال اصبح مبررا لدى البعض إلى نقل كثير من التفاصيل الكاذبة. وهذا أمر خارج عن هذا الدليل لو تم . بعد التنزل عن الوجهين السابقين جدلاً . فإنه انما يثبت امكان البكاء والتضجر واللطم ونحو ذلك لا انه يثبت جواز الكذب والدس بطبيعة الحال.


    الأمر الرابع : من مجوزات النقل المحتمل عن حوادث كربلاء:

    ما ورد بنحو القاعدة العامة حيث تقول : (( قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية))(251).

    وتقريب الاستدلال بها للنقل : وهو التمسك باطلاق قوله (ماشئتم ) فان الفرد قد يشاء ان ينقل الأمور غير المروية أو غير المناسبة مع الحال وغير ذلك ومقتضى اطلاق القاعدة جواز ذلك كله. الا ان هذا غير صحيح بكل تأكيد لعّدة وجوه:

    الوجه الأول : ان مثل هذه الرواية غير تامة سنداً. ومعه لا تكون ثابتة اصلاً، فالاستدلال بها ، كما هو المشهور بينهم ، غير جائز.

    الوجه الثاني : أنه امخدوشة في الدلالة او التعبير وهو قوله فيها:

    (ونزهونا عن الربوية ). في حين ان الربوبية كمال وعظمة . والتنزيه انما يكون عن النقص والخسة والرذيلة . فهذا انما يدل على ضعف سندها وعدم ورودها اطلاقاً.
    _______________________
    (251) البحار ج25ص261 - بتصرف

    ويمكن ان يكون المتكلم بها قد قال : ( ونزلونا عن الربوبية) : فنقلها الراوي بالهاء وهو قوله : (نزهونا). الا ان هذا الاعتذار لا يجعلها تامة سنداً.

    الوجه الثالث : ان التمسك باطلاقها على سعته غير محتمل فمثلاً : هل يمكن ان يشمل قوله: قولوا فينا ما شئتم القول السيء من القدح والشتم ونحوه. ان هذا غير متمل طبعاً. اذن فالمراد : ما شئتم مما هو مناسب مع شأننا ومن الواضح ان كثيراً مما نقول عنهم بلسان الحال : ليس مناسباً مع شأنهم.

    الوجه الرابع : ان قوله فيها (ما شئتم ) يراد به الاوصاف الاجمالية ككونهم علماء او عظماء وغير ذلك. ولا يراد بها التفاصيل من نقل الأقوال والأفعال الكاذبة عنه، وان كانت مناسبة لشأنهم، فضلاً عما اذا لم تكن. والمفروض إلى الحديث عن لسان الحال انه يكون بالتفاصيل لا بالاجمال.

    الوجه الخامس : في المعنى الأصلي الذي افهمه من هذه الرواية . وهو ان فهمهناه لا يكون اي ارتباط للنقل بالمعنى من قريب او بعيد . والمعنى الذي افهمه كما يلي : ( قولوا فينا ما شئتم من المدائح اكو من صفات الكمال والجلال، فإنكم لا تصلون إلى الواقع الذي اختاره الله لنا. وستكون كل من مدائحكم واوصافكم دون مستوانا الواقعي).

    واذا تصاعدنا نحن في الأوصاف لا نصل إلى صفتهم الحقيقة فضلاً عن اننا يمكن ان نتعداهم الا اذا ذكرنا لهم الربوبية . فإنها غير ثابتة في قهم. فمثلاً : نقول : انهم مؤمنون . ثم نقول : انهم ورعون. ثم نقول : انهم متقون. ثم نقول : انهم علماء. ثم نقول : انهم راسخون في العلم . ثم نقول : انهم أولياء . ثم نقول : انهم كأنبياء بني اسرائيل أو افضل منهم. كل ذلك ونحن لم نصل إلى حقائقهم ومستوياتهم الواقعية.

    الأمر الخامس ك من محجوزات النقل المحتملة عن واقعة كربلاء.


    ما ورد بنحو القاعدة العامة : ((من بكى أو ابكى او تباكى وجبت له الجنة))(252).

    وتقريب الاستدلال بها هو التمسك باطلاقها لكل قول او فعل صار سبباً للبكاء على الحسين عليه السلام واصحابه ، فإنه يكون سبباً لدخول الجنة او وجوبها للفرد سواء كان مطابقاً للواقع او لم يكن.

    وهذا المضمون وان كان مطابقاً للقاعدة، لأن من بكى أو ابكى او تباكى باخلاص لله سبحانه وتعالى (253) وللحسين عليه السلام. فإنه يستحق الثواب الجزيل بلا أشكال الا ان النتمسك باطلاقها المفروض انما يتم بغض النظر عن المناقشات التالية. وتلك المناقشات ترد عليها كرواية منقولة كما هو المشهور، لا كمضمون مشهود على صحته.

    أولاً : ضعف سند هذه الرواية . فلاا تكون معتبرة
    ثانياً : ان متعلق البكاء لم يذكر في هذه العبارة، ومعه يكون من الواضح.
    ___________________
    (252) امالي الصدوق ص125 مجلس 29 – البحار ج44ص288 – الدمعة الساكبة م1ص300
    (253) وهنا يشير سماحة المؤلف إلى ان الاخلاص في البكاء او التباكي لله بغض النظر عما اذا كان على الحسين (ع) او غيره فهو سبب في الدخول إلى الجنة. ويؤيد ذلك ما ذكره السيد المقرم في مقتله نقلاً عن كنز العمال ج1ص147 في الحديث عن النبي (ص) انه قرأ اخر الزمر (فسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) على جماعة من الانصار فبكوا الا شاباً منهم تال لم تقطر من عيني قطرة واني تباكيت فقال الرسول(ص) (من تباكى فله الجنة) وفي نفس المصدر عن جرير عن الرسول (ص) قال : (اني قاريء عليكم (الهاكم التكاثر) من بكى فله الجنة ومن تباكى فله الجنة) .كنز العمال ج1ص148
    وحدث ابو ذر الغفاري (ره) عن النبي (ص) (وذا استطاع احدكم ان يبكي فليبك ومن لم يتسطع فليشعر قلبه الحزن وليتباك فان القلب القاسي بعيد عن الله) . مقتل المقرم نقلاً عن اللؤلؤ والمرجان للنوري 47 ومجموعة شيخ ورام ص272 . ويجب ان نشير هنا إلى ان المقصود ليس كل بكاء او تباكي وانما يجب ان يكون البكاء خالصاً لله عزوجل منبعثاً من تأثير النفس والرهبة منه سبحانه وتعالى ويشير إلىذلك محمد عبده في تفسير المنار ج8ص301 حيث يقول : (التباكي تكلف البكاء لا عن رياء)

    انه ليس كل اهداف البكاء مشروعة او لا ثواب عليها على الأقل.

    او قل لا تجب له الجنة بكل تأكيد. كمن بكى للدنيا او لمصيبة عاطفية ونحوها. اذن فالامر مقيد بالبكاء المرضي لله عزوجل.

    ثالثاً: ان متعلق البكاء لم يذكر في هذه العبارة، حتى الصالح منه يعني يقل: ان البكاء من أجل الحسين (ع) كما يفهم المشهور او من خوف الله عزوجل او شوقاً إلى الثواب او اي شيء آخر. ومن هنا لا دليل على اختصاصه بالحسين عليه السلام.

    رابعاً : ان وجوب الجنة بل مطلق الثواب، لا يكون الا بحفظ الشرائط الأخرى الضرورية في الدين، لوضوح عدم شمولها للكفار والفسقة واضرابهم اذن فيكون المعنى : ( من اضاف إلى حسناته البكاء وجبت له الجنة). ومن الواضح انها لم تقل ذلك بوضوح. اذن، فيبقى اطلاقها غير ثابت.

    خامساً : ان وجوب دخول لاجنة غير محرز لأي انسان غير معصوم، ما يمت مرضياً لله عزوجل. واما زالت حسناته بظلم أو سوء ونحو لم يستحق الجنة بكل تأكيد. والشاهد على ذلك قوله تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا)(254) والسيئات قد تذهب الحسنات كما ان الحسنات قد تذهب بالسيئات .

    ومعه فيكون المعنى: (من داوم على الطاعة طول حياته مع البكاء وجبت له الجنة) . ومن الواضح انه لم يقل ذلك، كل ما في الامر ان التمسك باطلاقها مشكل.

    سادساً : الاخلاص في العمل لم تنص عليه الرواية ، وهو البكاء في سبيل الله من دون عجب ولا رياء . فلو بكى الفرد على امواته او على مصاعب
    ________________
    (254) سورة الفرقان آية 23


    الدنيا لم يستحق الجنة فضلاً عن انها تجب له. لكننا ينبغي ان نفصل الحديث في البكاء على الأموات بعنوان مستقل.


    البكاء على الأموات

    وليس المراد البكاء على الأموات حقيقة، بل البكاء الذي يكون في الظاهر على الحسين عليه السلام، وفي القصد الواقعي على الأموات ، فهل يكون الفرد عليه مستحقاً للثواب ام لا، وقد عرفنا قبل قليل عدم استحقاقه للثواب لا محالة لعدم وجود الاخلاص والقصد القربي لديه. ولكن وردت في ذلك رواية من حيث ان الراوي يسأل الإمام عليه السلام بما مضمونه. نعم، ابك ولو على امواتك)(255).

    وهذه الرواية ايضاً غير معتبرة السند: ومعه يبقى الامر على القاعدة الاولية وهي عدم وجود الثواب ، الا في بعض الموارد التي نشير إليها فيما بعد.

    وان كانت الرواية معتبرة السند، فقد تم المطلب، يعني اننا نأخذ بمحتواها، وهو وجود الاستحباب حتى في هذه الصورة وهي البكاء على الاموات، ما دام الظاهر هو البكاء على لاحسني عليه السلام. والامر غير خاص لواحد معين بطبيعة الحال فقد يبكي الف من الموجودين على أمواتهم بهذه الصورة . وهذا ما يدل على ان الشارع المقدس – لو صحت الرواية – يريد حفظ الظاهر او الصورة الظاهرية لبكاء الناس، وان كان قصدهم مختلفاً. وهذا ليس جزافاً، بل فيه فوائد وحكم ومصالح حقيقية. يمكن ان ندرك منها ما يلي:

    أولاً : حفظ تسلسل الشعائر الدينية واستمرارها.

    ______________
    (255) الكافي للكيليني ج2ص483 - بنفس المعنى

    ثانيا : اثبات وجود هذه الشعائر امام من لا يؤمن بها أو لا ينجزها.

    ثالثاً : الاسعاد في البكاء لللآخرين ، لأنهم لا يعلمون اني ابكي على امواتي، بل يتخيلون اني ابكي على الحسين (ع) بحرارة . لأن البكاء ف يه اسعاد وهو انتقال او عدوى العاطفة من فرد إلى آخر والاسعاد في البكاء معنى لغوي مأخوذ من السعادة لأن الباكي يشعر براحة وسعادة حين يجد نفسه بين الباكين من اجله.

    رابعاً : التربية النفسية من الناحية الدينية للفرد نفسه وللآخرين ايضاً. فإنه اذا قصد اليوم البكاء على أمواته، فسوف يقصد غداً البكاء على الحسني (ع) بمعنى ان الدافع المتدني سوف يتقلص في نفسه حتى يزول.


    ومن هنا نعرف ما اشرنا إليه، من ان الفرد يمكن ان يحصل على لاثواب ، حتى لو بكى على امواته، ان كان القصد الظاهري هو البكاء على الحسين عليه السلام لكن بشرط ان يقصد هذه الامور الصحيحة التي ذكرناها الآن ونحوها. لا أن يكون البكاء متمحظاً للاموات حقيقة.

    نعود الآن إلى ما كنا فيه من تعداد الوجوه المحتملة المجوّزة للنقل عن حوادث كربلاء المقدسة. وقد سبق ان ذكرنا منها خمسة امور:

    الأمر السادس : من مجوزات النقل المحتملة :

    جواز قول الشعر في حادثة الطف بلا اشكال، وهذا مما عليه السيرة المتشرعية في مذهبنا من زمن الائمة المعصومين عليهم السلام. وإلى الآن.

    فالسيرة قطعية الصحة. والشعر عن الحسين علهي السلام قطعي الجواز بل قطعي الاستحباب . بل لعل فيه الوجوب الكفائي اذا شح معينه في مكان او زمان معين.

    ومن المعلوم ان الشرع يحتوي على المجاز وعلى المبالغة والتورية والمعاني.

    العاطفية والخيالية وغير ذلك كثير. وهذا ما يدل على جواز ان ننسب إلىموضوع القصيدة بما فيها حوادث كربلاء، ما نشاء من خلال القصيدة نفسها سواء كان وارداً في رواية معتبرة أو غير معتبرة، او غي روارد على الاطلاق.

    الا ان هذا الوجه قابل للمناقشة في عدة امور:

    اولاً : انه لو تم لاختص بالشعر ولا يمكن ان يشمل النثر . لأن النثر خال عرفاً وعادة عن الخيالات المستعملة في الشعر . وهذا الوجه لو تم فإنما يجيز تلك الخيالات دون غيرها.

    ثانياً : ان الخيالات والمبالغات ليست من نوع الكذب عرفاً وعقلائياً. اذن فالتعميم من جواز ذلك إلى جواز الكذب والدس في الشعر غير صحيح تماماً.

    ثالثاً : ان السيرة كما ثبت ي علم الأصول دليل لا اطلاق له ولا لسان له، يؤخذ منه بالقدر المتيقن . والق\ر المتيقن هنا هو الشعر الخالي من الكذب والدس فيكون جائزاً . ولا يمكن التعميم بدليل السيرة إلى غيره.

    وقد يخطر في البال : ان السيرة الموروثة عندنا هي على وجود الكذب في الشعر بهذا الصدد. وهي سيرة ممضاة من قب لالائمة المعصومين عليه السلام.
    فمن ذلك قول دعبل الخزاعي عليه الرحمة أمام الإمام الرضا عليه السلام:

    افاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات
    اذن للطمت الخد فاطم عنده واجريت دمع العين في الوجنات(256)

    فقد اثبت اللطم والبكاء لفاطمة الزهراء عليها السلام. مع انه غير متحقق جزما لأن الزهراء عليها السلام لم تكن موجودة في الدنيا لدى مقتل
    _______________
    (256) للشاعر دعبل الخزاعي – ادب الطف ج1ص297.

    ولدها الحسين عليه السلام، مع ذلك، فقد سمعها الإمام الرضا عليه السلام ولم يعترض عليها.

    وجواب ذلك يكون على مستويين:

    المستوى الأول : ما قاله علماء المنطق من ان القضية الشرطية تصدق حتى مع كذب طرفيها. واوضح مثال له : ان قولنا: اذا طلعب الشمس فالنهار موجود يصدق في الليل كما يصدق في النهار، و لايتوقف على طلوع الشمس فعلاً او وجود النهار فعلاً. بل يكفي في صدق الشرطية صدق الملازمة والتوقف ما بين فعل الشرط وفعل الجزاء . وهو في المثال توقف وجود النهار على طلوع الشمس .

    ومن الواضح ان هذين البيتين لدعبل الخزاعي انما هو قضية شرطية، وليست فعلية او واقعية . فلا يدل على ان الزهراء قد بكت فعلاً او لطمت وانما قال (لو خلت الحسين) و(لو ) حرف من حروف الشرط فتكون قضية شرطية . فيمكن ان تصدق مع كذب طرفيها كما سبق في المثال.

    المستوى الثاني : انه قد يخطر في البال، اننا قلنا في المستوى الأول الذي انهينا منه، ان القضية الشرطية تصدق بصدق الملازمة وان كانت موجودة في مثل قولنا: اذا طلعب الشمس فالنهار موجود . الا انها غير موجودة في قول دعبل : (افاطم لو خلت الحسين مجدلاً). ولا اقل من الشك في ذلك . لاننا لا نعلم ان الزهراء عليها السلام ماذا سيكون رد فعلها اذا علمت بمقتل ولدها. وخاصة بعد ان اشرنا فيما سبق من ان قضية الإمام الحسين عليه السلام فيها جانبان : الاستبشار والحزن. ولا شك ان الحزن اق رب إلى المضمون الدنيوي، وان كانت له نتائج دينية كما سبق. كما لا شك ان الاستبشار اقرب إلى المضمون الاخروي او الواقعي.
    ومن المعلوم ان الزهراء سلام الهل عليها في عليائها في الآخرة ، مطلعة



    على الواقعيات . ومع الاطلاع على الواقعيات. فمن الممكن ان يكون رد فعلها هو الاستبشار لا الحزن فكيف يقول دعبل اخزاعي هذين البيتين نعيها لكي يطلع القاريء الكريم مجدداً:
    افاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات
    اذن للطمت الخد فاطم عنده واجريت دمع العين في الوجنات

    فاذا التفتنا والحال هذه إلى ان الإمام الرضا عليه السلام قد اقر عمل دعبل وباركه ، اذن فمن الممكن القول : ان امثال ذلك من جنس الكذب، وهو عرض ما هو محتمل باعتبار انه يقين . يكون جائزاً باقرار الإمام عليه السلام.
    وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر المهم منها: وهو ان دعبل الخزاعي حيث قال هذين البيتين واضرابهما انما يعبر عن مستواه في الايمان واليقين، ومقتضى مستواه هو ان يفهم الزهراء سلام الله عليها بهذا المقدار لا اكثر. ومن الصعب عليه ان يلتفت إلى ما ذكرناه من احتمال الاستبشار برحمة الله عزوجل والإمام الرضا عليه السلام لم يجد مصلحة في تنبيهه على ذلك. اذ لعلها من الحقائق التي يصعب عليه تحملها. فمن الافضل استمرار غفلته عنها، طبقاً لقانون ((دعوا الناس على غفلاتهم))(257) أو قانون ((كلموا الناس على قدر عقولهم))(258).

    ومن هنا يتضح انه ليس كل اقرار من قبل الائمة سلام الله عليهم حجة في اثبات الصحة ، بل يشترط في الاقرار امكان المناقشة فيه والنهي عنه، فإذا لم ينه وهو يمكنه النهي اذن يدل ذلك على الاقرار . واما اذا لم يمكنه النهي على الاطلاق ، اذن ، فسوف لن يكون سكوته دالاً عن الاقرار.
    وموردنا من هذا القبيل، لان دعبل لم يكن يتحمل ايضاح الفكرة له.
    _________
    (257) اشار إليها سماحة المؤلف في المقدمة الثانية . مراجع
    (258) اصول الكافي ج1ص67 حديث 15 – البحرا للمجلسي ج2ص69 -70 حديث 23 -24

    وخاصة وان الامام عليه السلام لا يجد في ذلك مفسدة دينية ، لان الاعم الاغلب من الناس انما هم بمنزلة دعبل او دون مستواه. فلا يكون من المنافي مع مستواهم ان يسمعوا ابياته.

    اذن ، فليس في هذه الرواية لو تمت سنداً، اي اقرار على قول ما خالف الواقع من الحوادث او الاقوال او الافعال، لا في الشعر ولا في النثر.

    وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان الحزن الحقيقي، انما هو على اهل الدنيا واهل الشر واهل العناد، على اعتبار انهم اختاروا لأنفسهم الغلفة والشر والعناد. وقد روي ان الإمام الحسين عليه السلام بكى على اعدائه في كربلاء(259) ، باعتبار انهم اجتمعوا ضد امامهم ومولاهم الحقيقي وعرضوا انفسهم لهذه الجرائم النكراء. واما تصوره عليه السلام عن شهادته والبلاء الذي مر عليه فهو الاستبشار والفرح بحرمة الله ونعمته جل جلاله . كما ان الحزن يكون على اولئك المشمولين لقوله عليه السلام(( من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبه الله على منخريه في النار))(260) . وهذا هو بكاء الابوة الواقعية حين يحس الاب بتمرد اولاده عليه. والواقع ان تمردهم ليس ضده بل ضد ربهم من ناحية وضد انفسهم من ناحية آخرى، فتكون المصيبة عليهم منهم اكبر . لانه لن يعاقب الا فاعل الجريمة.

    وقد يخطر في البال : ان هذا البلاء في كربلاء اصبح بحسب ما شرحناه سبباً للاستبشار وللبكاء في نفس الوقت في نفس الحسين عليه السلام وهذا تناقض غير معقول . فلا بد ان يكون للمسألة تفسير آخر.

    وجواب ذلك : ان هذا البلاء بنفسه له جانبان او نظرتان او لحاظان: -

    __________
    (259) الخصائص الحسينية، للتستري ص78 ط
    (260) البحار للمجلسي ج44ص315

    احدهما : جانب نسبته إلى فاعليه وهم الجيس المعادي . وهو بهذا الاعتبار موجب للحزن والبكاء من الناحية الدينية، للاسف الشديد علىوجود هذا العصيان والطغيان من قبل افراد الجيس المعادي.

    الجانب الثاني : جانب نسبته إلى المظلومين بهذا البلاء وهم الحين عليه السلام واصحابه . وهو الجانب المسبب لفيض رحمة الله ونعمته، وهو الموجب للاستبشار.

    ومن اعتبار آخر يمكن ان نقول : ان لهذا البلاء، كأي بلاء آخر ، نسبتان : نسبة إلى الخالق ونسبة إلى الخلوق . باعتبار ان افعالنا الاختيارية كلها لها هاتين النسبتين . فالفاعل المباشر المختار لها هو الواحد ا لبشري. والفاعل الخالق لها بصفتها احد افراد الكون المخلوق هو الله سبحانه . اذن فالنسبتان ثابتتان لكل الافعال الاختيارية بما فيها المظالم والبلاء الذي ينزله الظالمون بالمظلومين ، ومنه البلاء الواقع على جيس ا لحق في كربلاء . فمن زاوية نسبته إلى فاعليه البشريين وهم الجيس المعادي تترتب عدة نتائج ، منها:

    أولاً : كونهم يتحملون مسؤليته الاخلاقية والقانونية في الدنيا والآخرى . وهم بهذا الاعتبار يكون لهم عقاب الدنيا والآخرة.

    ثانياً : جانب الحزن والبكاء عليهم أسفاً على توريط انفسهم على ذلك، وتزايد عصيانهم لله سبحانه.

    ومن زاوية نسبة هذا البلاء إلى الله عزوجل تترتب عدّة نتائج منها:

    اولاً : وجوب التسليم والرضا بقضاء الله وقدره، بايجاده للبلاء. ومن هنا ورد عنه سلام الله عليه : ((رضا الله رضانا اهل البيت))(261). وقد سبق تفسيره.


    __________________
    (261) مقتل الخوارزمي ج2ص5 - اسرار الشهادة للدربندي ص225


    ثانياً : ان هذا البلاء مهما كان كثيراً، فهو اقل من استحقاق الله سبحانه للطاعة واقل من استحقاق النفس والقهر . ومن هنا ورد عنه سلام الهل عليه : ((هوّن ما نزل بي انه بعين الله))(262).

    ثالثاً : الاستبشار بوجود نعمة الله وثوابه، الذي يعتبر هذا البلاء على عظمته مقدمة او سببا ً بسيطاً بالنسبة إليه .









    ______________

    (262) اللهوف لابن طاووس ص49 - البحار للمجلسي ج45 ص46

    تالب الناس ضده

    ان مما يبالغ في التأكيد عليه الخطباء الحسييون، لأجل الزيادة في المصيبة وحشد العواطف . التأكيد على تألب الناس ضد الحسين عليه السلام. حتى ان افراد القبائل ، وهي مئات الالوف، قد خرجت كلها لحرب الحسين عليه السلام. ولبعض الخطباء سياق كلامي خاص يعدد فيه رايات القبائل التي اقبلت للحرب . فيعدد اسماء خمسة عشر قبيلة او اكثر من الساكنين في الكوفة وجنوب العراق، كتميم وفزارة وبجيلة ومذحج وربيعة وطي واسد وبنيفلان وبني فلان............ كما وردنا في التاريخ انسوق الحدادين فيالكوفة بقي مشتغلاً ليلاً ونهاراً اياما متطاولة قد تبلغ شهراً أواكثر، لاصلاح السيوف والرماح والسهام والنبال، مقدمة للخروج لحرب الحسين عليه السلام(263).

    كما وردنا : انالناس الخارجين في هذا السبيل كانوا من الكثرة بحيث لم يستطيعوا ان يجدوا وسائط النقل من الجمال والافراس والحمير حتى ركبوا البقر والثيران(264) . ثم يستشهد الخطباء بقول الشاعر:

    بجحافل في الطف اولها واخيرها بالشام متصل(265)
    وهذا المفهوم الشعري يناسب ان تكون الاف الكيلو مترات بين كربلاء
    _______________
    (263) اسرار الشهادة للدربندي ص445 – بتصرف.
    (264) مع الحسين في نهضته لاسد حيدر ص173
    (265) للشيخ الحاج حمادي الكواز(1245 - 1283هـ) توفي في مرض السل وعمره فيما يعتقد لم يتجاوز 38سنة . وهذا البيت من قصيدة طويلة والتي مطلعها:

    ادهاك مابي عندما رحلوا فأزال رسمك ايها الطلل
    ادب الف ج7ص161 - 172

    والشام ( وهي منطقة دمشق الان)(266) . وهي ليست في الحدود الشرقية لسوريا على الحدود الغريبة لها وهي الحدود مع لبنان .

    والمسافة بينهما تقدر بحوالي الفي كيلو متر .فاذا كانت كلها مملوءة بالجيس المعادي كخط طويل محتشد في هذا البر المتطاول . فكم سوفيكون عدد افراده؟

    ان الكيلو متر الواحد الممتد لن يكفي في امتلائه بالناس الف انسان بطبيعة الحال. بل لن يكفي ضعف هذا العدد . ولكننا لو اقتصرنا على الف لكان المجموع مليونين من الناس على اقل تقدير. وقد يصل الرقم إلى اربعةملايين . مع ان اعلى رقم محتمل للجيش المعادي للحسين عليه السلام هو مئة وعشرون الفا(267).
    __________________
    (262) معجم البلدان للحموي ج2ص463
    (267) اختلف المؤرخون كثيراً في عدد الجيش الذي قاتل الحسين(ع) بل بعضهم قد بالغ في كثرةالجيش إلى حد قال فيه العلماء انه شاذ كالذي ذكره ابن العصفور البحراني حيث قال ان عدد الجيس الخارج على الحسين قد بلغ (500000) خمسمائةالف والأغرب من هذا انه يقول ان الحسين (ع) قد قتل منهم (400 الف) وينقل لنا ذلك الفاضل الدربندي في اسرار الشهادة فيعلق على هذا القول بقوله(نعم ان هذا يجوز ويصح بالقوة اللاهوتية لا البشرية بل الاستغراب والاستبعاد من جهة آخرى وهي ان المحاربة والقتل كانت بالسيف والرمح يومئذ وقد وقعت شهادة الامام (ع) قريب من الغروب اوالعصر من ذلك اليومفهذا الوقت القليل لا يسع تلك المقاتلات والمحاربات الكثيرة منه (ع) فهذاامر ظاهر عند الكل ولا سيما اذا لوحظ في العين محاربات الاصحاب وفتية بني هاشم). اسرار الشهادة ص414.
    - اما الارقام التي وردت في عدد الجيش والتي يمكن احتمال صحتها فهي كما يلي:-
    1- 80 الف بغية النبلاء ج2 – الدمعةالساكبة ص322 نقلاً عن ابي مخلف وتحفة الازهار لابن شدقم.
    2- 70 الف اسرار الشهادة للدربندي ص237 – سفينة النجاة للعياشي.
    3- 50 ألف - شرح شافية ابي فراس ج1ص93
    4- 35 ألف – مناقب ابن شهر آشوب ج4ص98ط قم.

    صحيح ان هذا الرقم بالنسبة إلى جيوش الدول في العالم المعاصر ، بسيط جداً. وقد استطاعب الدول ان تبلغ الملايين في تعداد افراد جيوشها.

    لكن هذا لا ينطبق على امكانيات الدول السابقة . ولا على اسلحتها ولا على وسائط نقلهاز وخاصة بعد ان كان النظام القديم هو الخروج الاختياري للفرد أولاً. وتحمل مسؤوليته الاقتصادية والعنايةباموره واسلحته بنفسه، ولا دخل للقيادة في ذلك حتى التدريب على الاسلحة لم يكن . فكيف يمكن ان تحصل الاعداد الضخمة من الجيوس؟
    فإذا اخذنا بنظر الاعتبار طريقة القتال القديمة، وقد كانت كلها، بالسلاح الابيض، كما هو المصلح اليوم. هذه طريقة تعتبر لحد الآن مؤلمة ألما شديداً، وليس في النفوس الهمة الكافية لتحملها . ولا شك ان الناس يفضلون
    ______________
    5-30 الف مطالب السؤول عمدة الطالب ص181 الدمعة الساكبة ص322 – اسرار الشهادة للدربندي ص 237
    6- - 22 الف مرآة الجنان ج1ص132 – شذرات الذهب ج1ص67
    7-20 الف الصواعق المحرقة ص117- الفصول المهمة لابن الصباغ ص178 – اللهوف لابن
    طاووس – مثير الاحزان لابن نما الحلي.
    8-16 ألف الدر النظيم في مناقب الائمة ص168
    9-8 الآف مرآة الزمان في تواريخ الاعيان ص92
    10-6 الآف الصراط السوي في مناقب آل النبي ص87
    11 – 4 الآف البداية والنهاية لاين كثير ج8ص169
    - والراجح بين هذه الاقوال هو ان عدد الجيس (30 الفاً) وذلك لان الروايات التي تنص على هذا العدد اكثر من غيرها . ولوجود الرواية التي يذكرها الصدوق في اماليه باسناده عنالامام الصادق (ع) حيث قال (ان الحسين دخل على اخيه الحسن (ع) في مرضه الذي استشهد فيه فلما رأى مابه بكى فقال له الحسن(ع) ما يلبكيك يا ابا عبد الله؟ قال : ابكي لما صنع بك فقال الحسن (ع) : ان الذي اوتي اليّ سم اقتل به ولكن لا يوم كيومك يا ابا عبد الله وقد ازدلف اليك ثلاثون الفاً .. الخ) نقله المجلسي في البحار ج25ص154 – ابن شهر آشوب في المناقب ج3ص238 ط نجف
    - ابن نما الحلي في مثير الاحزان

    الراحة على التورط في الحروب مهما كانت . فضلاً عن قتال شخص محق جليل القدر كالامام الحسين عليه السلام. على انه توجد، فيما يخص الحسين عليه السلام: عدة نقاط تصلح كقرائن واضحة على عدمتألب الناس عليه إلى الحد الذي يتصوره الاخرون:

    النقطة الأولى : كون الحسين عليه السلام معروف بالنسبة إلى رسول الله (ص) وفاطمة الزهراء (ع) وامير المؤمنين (ع) كما هو معروف بالعلم والصلاح سواء من قبل من يؤمن بامامته اومن لا يؤمن.

    النقطة الثانية : انه اجتمع إليه في جيشه اناس معروفون بالصلاح والأهمية كحبيب بن مظاهر الاسدي ومسلم بن عوسجة(268) وبرير بن خضير وغيرهم كثير. فمن كان غافلاً عن اهمية الحسين (ع) باعتباره عاش اغلب حياته في الحجاز بعيداً عن الكوفة، فلا اقل من ان يتعرف على امثال هؤلاء من اصحابه رضوان الله عليهم.

    النقطة الثالثة: الخطب والمواعظ التي صدرت من الحسين (ع) واصحابه واهل بيته إلى الجيس المعادي قبل التحام الحرب . فإنها وان لم تؤثر في توبة هذا الجيس اوتفرقهم اوالتحاقهم بمعسكر الحسين عليه السلام. ولكنها لا شك اثرت على اقل تقدير في تحريك بعض عواطفهم غليه كالشفقة دنيوياً والتعرف
    _______________
    (268) هو مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة.. الاسدي السعدي . ذكرته عامةالمصادر التاريخية بأنه اول قتيل من انصار الحسين (ع) بعد الحملة الأولى . كان شريفاً في قومه صحابياً جليلاً ممن رأرى رسول الله (ص) وروى عنه. وكان ممن كاتب الحسين (ع) من اهل الكوفة ووفى له بذلك فقد كان ياخد البيعة له على يد مسلم بن عقيل(ع) وعقد له مسلم على ربع مذحج واسد لمحاربة بن زياد وبعد فشل الثورة وقتل مسلم وهاني اختفى مدة بين قومه ثم خرج بأهله متخفياً إلى الحسين (ع) فادركه وهو في كربلاء فاستشهد بين يديه . ويبدو من خلال المصادر الباحثةعنه انه كان شيخاً كبير السن ومن الشخصيات الاسدية البارزة في الكوفة: ((واقعة الطف لبحر العلوم ص526)

    على مستواه دينياً. وهذا امر يقتضي فتور الهمة في ممارسة حربه وضربه محالة.

    النقطة الرابعة : قولهم للحسين (ع) (قلوبنا معك وسيوفنا عليك) . وهذا معناه ان السيوف وان كانت عليه ظاهراً الا ان القلوب معهز واقعاً فمن غير المحتمل ان توجد لهم همة حقيقية لحربه.

    النقطة الخامسة : ما ورد في التاريخ عنه شخصياً ان افراد الجيش المعادي كانوا يتحامون عن قتله(269). و لا يريد كل منهم ان يكون هو البادئ بالضرب ضده. ومن دلائل ذلك: انه ورد عن اصحابه انهم التحموا في مبارزات مفردة مع الاعداء . مع انه لم يرد ضد الحسين عليه السلام ذلك اصلاً. بل كان يكتفي بالهجوم على الجيش ككل. وهم يفرون من بين يديه فرار العزى اذا شد فيها الذئب. كما ورد مثاله في التاريخ (270).

    النقطة السادسة : ما ورد من بعض افراد الجيس المعادي، بل ربما عدد منهم ، كانوا يشفقون على الحسين واصحابه، حتى ان عمر بن سعد وهو قائد الجيش كله شوهد والدموع تنزل من عينيه اكثر من مرة(271). ومما يدعم ذلك ما ورد : من ان الحسين عليه السلام حين اخذ ولده الرضيع ليطلب له الماء اختلف العسكر في شأنه فقال بعضهم : ان كان ذئب للكبار فما ذنب الصغار.
    وقال البعض لا تبقوا لاهل البيت باقية (272).اذنت فليسوا كلهم على رأي واحد، وكان يوجد فيهم من هومستعد للمناقشة. وان لم يكن يظن ان الامر سوف يؤول بالحسين واصحابه إلى هذه الدرجة من البلاء.
    __________________
    (269) الخوارزمي ج2ص35
    (270) البحار للمجلسي ج45ص50 - اللهوف لابن طاووس ص51
    (271) الكامل لابن الاثير ج4ص32 - تاريخ الطبري ج6ص259
    (272) مقتل الخوارزمي ج2ص38

    النقطة السابعة : ان اهل الكوفة وضواحيها يومئذ ، مما لا دليل تاريخياً على كثرتهم بهذا المقدار الوفير. ولعل مجموع افرادهم من رجال ونساء واطفال لم يكن يتجاوز المئة الف اوالمئة والعشرين . فكيف يخرج من المئة وعشرين مئة وعشرون؟ وهل يخرجون كلهم من نساء واطفال وشيوخ وعجزة. ومع العلم انهميقولن : انهم مئة وعشرون الف محارب. وليسوا من هذا القبيل . وهل يمكن ان نقول : ان الكوفة خلت تماماً من الرجال في ذلك الحين ولم يبق من يحرس البيوت ويقوم بشؤونها؟

    فاذا ضممنا إلى هذا الاستبعاد امراً اخر وهو ان كثيراً من اهل الكوفة، كان يمكنهم عدم تسليم انفسهم للحرب ضد الحسين (ع) اما بالجلوس في داره عدة ايام او بالسفر خارج الكوفة عدة ايام. او بالتعلل بالمرض اوبحاجة العائلة إليه او بوجود مريض لديه اوغير ذلك كثير. وعلمنا مع ذلك :انهم كانوا يتحامون عن حربه وضربه. اذن فكم من النسبة بقيت ممن يمكن ان يخرج من اهل الكوفة فعلاً لحرب الحسين عليه السلام؟

    النقطة الثامنة : انمن جملة ما اوجب تجمع الجيش هو ان امير الكوفة يومئذ عبيد الله بن زياد وعدبمضاعفةالعطاء للافراد الخارجين في هذا الجيس . او انه وعد بزيادة كل فرد منهم عشرة دنانير (273) ذهبيةفي ذلك الحين. على اختلاف النقل التاريخي . ونحن اذا اخذنا باضعف الاحتالات واقلها وهوان يكون الجيس ثلاثين الف وان العطاء عشرةلكل فرد. فستكون الدنانير الموزعة ثلاثمائة الف دينار ذهبي ، فهل كان عبيد الله بن زياد يملك هذا المقدار من الدنانير؟

    مضافاً إلى ما يحتاجه هو وتحتاجه قيادة الجيس المعادي الذاهب إلى
    ________________________
    (273) تاريخ الفتوح لابن اعثم ج5ص157 (ط) 9 اسرار الشهادة للدربندي ص256(ط)
    الأخبار الطوال للدبنوري ص273 (ط)

    كربلاء منها . مع العلم انالنقد بالاساس في تلك العهود كان قليلاً والمسكوك منه يكاد يكون نادراً. فمن اين حصلت هذه الالوف من الدنانير الذهبية؟

    وهنا يخطر في البال : ان الناس اكتفوا بمجرد الوعد وان لم يقبضوا المال . وكان هذا كافياً لحيهم على الخروج إلى الحرب.

    وجواب ذلك من وجوه اهمها: ان الفرد المحارب يحتاج إلى المال لخروجه ويحتاج إلى المال لعائلته الباقية في المدينة ويحتاج المال لسلاحه، وحاله الاقتصادي الخاص به لا يساعد في الاعم الاغلب منالافراد على ذلك. اذن، فاكتفاؤهم بالوعد امر مستبعد. فاذا ضممنا إلى ذلك علمهم بقلةالنقد اساساً وصعوبةتوزيعه من قبل عبيدالله بن زياد. كما اشرنا . لم يبق لهم اي دافع حقيقي للتصديق بهذا الوعد الزائف.

    النقطة التاسعة : ولعلها الاهم وان جعلناها في المؤخرة من هذه النقاط.
    هي ان الكوفة بلدامير المؤمنين عليه السلام والد الحسين (ع) قبل سنوات قليلةمن ذلك الحين ، وأغلبهم جداً، قد شاهد ذلك الامام وسمع خطبه ومواعظه سلام الله عليه، وشاهد ولده الامام الحسن عليه السلام وسمع منه بل وشاهد الامام الحسين عليه السلام نفسه في مقتبل عمرة.

    ولم يعرفوا منهم الا الخير والصلاح، بل ما هو افضل كما هومعلوم. فمن اين يأتي هذا الحقد المتزايد والتىلب المكثف على الامام الحسين عليه السلام. فجأة وبدون سابق انذار كما يعبرون ، لمجرد ان عبيد الله بن زياد امر بالزيادة المالية القليلة؟!.

    صحيح ، ان الكوفة او ان سكانها لم يكونوا مجمعين علىالولاء لأمير المؤمنين عليه السلام ، بل كان فيها اتجاهات مختلفة حتى من الدهرية والخوارج وغيرهم . الا ان الذي يفيدنا في المقام امور:

    أولاً : ان الاغلب من سكانها كان وما زال موالياً لامير المؤمنين (ع).

    ثانياً : ان الاتجاهات الاخرى في الكوفة تمثل (جاليات) قليلة جداً.

    ثالثاً : ان هناك عدد من نفوس الافراد تشك- على الاقل – في جواز حرب الحسين امام الله سبحانه وان لم تجزم بحرمته وهذا يكفي .

    وصحيح : ان الكوفة غدرت بأبيه واخيه .كما قالوا للحسين عليه السلام حين ارادوا ارجاع نظره عن السفر إليها. إلا ان هذا هوالظاهر الذي فعله الاشرار وهما لقلة منهم . وهذا لا ينافي وجود من يواليه فعلاً او يتورع امام الله سبحانه وتعالى عن حربه.

    وصحيح : ان الحسين عليه السلام لو وصل إلى الكوفة فعلاً وهي تحت حكم عبيد الله بن زياد، لم يستطع ان يجد احداً يبايعه. الا ان هذا لا ينتجمعنى الاخلاص لابن زياد من قبل الجميع . بل ينتجان الناس كانوا يومئذ في خوف ورعب من اضهار الولاء للحسين عليه السلام وهذا لا يعني – بكل وصوح – استعداهم لحمل السيف ضده. او قل : لحمله بهذه السعة وبهذه المرارة والقسوة.

    النقطة العاشرة : جهود رسول الحسين عليه السلام إلى الكوفة، مسلم بن عقيل رضوان الله عليه. فإنه اخذ البيعة على نطاق واسع وألب العواطف باتجاه الحسين عليه السلام، وأبلى في ذلك بلاء حسناً وسمع الناس مواعظه وخطبه وقرأوا الكتاب الذي كان معه من الحسين عليه السلام (274) . حتى اثمرت جهوده بارسال الكتب إليه عليه السلام للوفود إليهم والورود عليهم. وقالوا في كتابهم الأخير: (فاقبل يا ابن رسول الله انما تقبل على جند لك مجندة والسلام)(275) .

    وبحسبما هوالمعروف من نظام النفوس أو القلوب ، لوصح التعبير،
    ___________
    (274) اسرار الشهادة ص200 – تاريخ الفتوح لابن اعثم ج5ص56.
    (275) مقتل الخوارزمي ج1ص195 تاريخ الطبري ج6ص197

    انها لا يمكن ان نتقلب من هذه الصداقة الحميمة إلى العدواة القاسية بين عشية وضحاها . بدون ان ترى الحسين عليه السلام. او ان تسمع منه شراً اوترى منه ضرراً وحاشاه.

    وقد يخطر في الذهن :اذن الجيش المعادي للحسين عليه السلام.اذا لو تم ما قلناه، اذن لم يخرج إلى قتاله احد الا شرذمة قليلة قابلة للسيطرة عليهم او صدهم بكل سهولة . ولم يحتج الامر إلى تلك المظالم والآثام.

    وجواب ذلك : ان الجيش المعادي للحسين عليه السلام، في حدود ما نحتاج إليه من فكرة الان ، يمكن تقسيمه إلى قسمين:

    القسم الأول : وهو الاغلب اوالاغلب جداً، وهم الواردون مع الاعداء خوفاً او طممعاً او احراجاً. او نحو ذلك من المصاعب الدنيوية ، مع كونهم يتورعون، بقليل او بكثير عن ضرب معسكر الحسين عليه السلام. الا تحت ضغط مماثل من قبل قادتهم . وربما كان بعضهم اذا تلقى الامر بالهجوم مع جماعة يجولبفرسه هنا وهناك باعتبار انه متصد للهجوم ولكنه لا يضرب او بضرب اقل المجزي او لايضرب الا تحت الاحراج الشديد(276).

    ولا ينبغي ان يخطر في البال : ان هؤلاء وأمثالهم ناجون من العقوبة الاخروية ، وانهم اخيار أو ابرار كلا ثم كلا. يكفي انهم يقفون موقفاً معادياً للحسين عليه السلام ويشاركون في ترويع اصحابه واهل بيته .وينصرون اعداءه ويكونون مشمولين لقوله عليه السلام: (( من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبه الله على منخريه في النار))(277).وهم وان لم يحاربوا الحسين عليه السلام حقيقة الا انهم لم ينصروه بكل تاكيدز

    والمهم الان : ان هذا القسم من الناس هو الذي كان يشكل الجمهور
    _______________________
    (276) الايقاد للعظيمي ص129
    (277) مقتل الخوارزمي ج1ص227 - البحار لملجلسي ج44ص315


    الغفير من الجيش المعادي واه هذا المستوى من التفكير لديهم هو الذ ادى إلى احتشاد الجمهور ضد الحسين عليه السلام.

    القسم الثانين : وهم المعاندون ضد الحسين (ع) والحاقدون عليه ، وهم قلة موجودة في الكوفة فعلاً. ولا شك انهم استغلوا الموقف للخروج. كما لا شك ان زياد استغلهم للقتال. كما انهم بلا شك يشكلون جماعةمهمة وقابلة للتأثير الكبير في المجتمع في الكوفة وما حولها ، سواء حال جمع الجيس او حال القتال ، مما يشكل في كربلاء عدداً معتداً به من المحاربين . وهو الذ اوجب الانتصار العسكري بالمعنى المباشر للجيش المعادي للامام الحسين عليه السلام.














    توصيات عامة للخطباء

    بحسن بنا قبل الدخول في التفاصيل الاتيةان نلم الماماً، بما ينبغي ان يكون عليه حال الخطباء الحسينيين ، لكي يتطوروا إلى الافضل في الدنيا والاخرة. وبذلك يحرزون خير الدارين وكل ماتقر به العين.

    والنصائح العامة تنقسم إلى قسمين ، منها ما يرتبط بالمسؤولية الدينية العامة، ومنها ما يرتبط بواقعة الحسين عليه السلام، ونحن فيما يلي ذاكرون بعون الله) الأهم مما يخطر على البال من كلا القسمين:

    أولاً : البدء بالخطبة (بسم الله الرحمن الرحيم). لا شيء اخر حتى لو كان ذاكراً للحسين عليه السلام، فإن كلام لا يبدأ ببسم الله فهو ابتر. والبسملة يمكن للخطيب ان يعاذ في خطبته من الشيطان وأن يؤيد برحمة الرحمن.

    ثانياً : الموعظة والارشاد فإنه من الضروريات والواجبات في هذا المجتمع وفي كل مجتمع وفي هذا الزمان وفي كل زمان. لكي تصل الموعظة إلى اهلها ويستفيد منها اكبر عدد ممكن، سواء كانت الموعظة مرتبطة بقضايا الحسين عليه السلام، ام لا. فإن في تلك القضايا من العبر والمواعظ ما لا حد له، فضلاً عن غيرها.

    ثالثاً: عدم ايذاء احد من الناس او من الطوائف ، في كلام الخطباء. وهو معنى (التقية) فإنها واجبة على كل حال، ما لم يكن الامر خارجاً عن موردها، يعني ان يحرزالفرد ، ان كلامه سالم النتيجة.


    رابعاً : التورع عن نسبة الاقوال والافعال إلى المعصومين عليهم السلام وغيرهم كذباً. فإن الكذب على المعصومين من اعظم الكبائر. والكذب على غيرهم كبيرة. سواء على الاشخاص التاريخيين أو على مؤلفي المصادر او على اي مؤمنومؤمنة.وأوضح اسلوب يتخذه في هذا الصدد ان يقول: (قيل) او (روي) أو(يقال) ونحو ذلكحتى لا ينبغي له ذكر احد من اسماء المؤلفين، ما لم يحرز باليقين وجوده في كتابه وصحةانتساب الكتاب إليه باليقين او بدليل معتبر.

    خامساً : ان يتورع من نسبة الاقوال والافعال إلى المعصومين عليهم السلام وغيرهم، باعتبار لسان الحال، شعراً كان ما يقوله الخطيب ام نثراً، فصسحاً كان الكلام ام جارجاً. ما لم يعلم او يطمئن بان لسان حالهم هو كذلك فعلاً. وقد ناقشنا ذلك فصلاً فيما سبق، فراجع.

    سادساً : ان يتورع الخطيب عن ذكر الامورالنظرية والتاريخية او غيرها، مما قد يثير شبهات حول الامور الاعتقادية في اذهان السامعين ويكون هو قاصراً او عاجزاً عن ردها ومناقشتها أو غافلاً عن ذلك. بل يجب عليه ان يختار ما سيقوله بدقة وإحكام، والا فسوف يكون هو المسؤول عن عمله . فيقع في الحرام من حيث يعلم او لايعلم.

    وينبغي ان نلتفت إلى ان هذا مما لا يفرق فيه بين ان يكون مرتبطاً بحوادث الحسين عليه السلام او غير مرتبط. أو كان مسلم الصحة في اعتقادهم او غير مسلم.

    سابعاً ان يحاول الخطيب ستر ما ستره الله سبحانه وتعالى من الامور. فلا يصرّح بامورقد حدثق خلال الحرب او القتل. قد توجب ذلة اومهانة المقتول. او ما يسمى في عرفنا (بالبهذلة) . فيسكت عن كل شي يوجب


    (بهذلة) المؤمنين الموجودين يومئذ . بل كان المؤمنين في كل جيل و خاصةالحسني عليه السلام ونسائه واصحابه واهل بيته.

    وهنا ينبغي ان نلتفت إلى امرين:

    الأمرالأول : ان هذا الذي قلناه الآن غير ما سبق ا ن نفيناه من وجود الذلة للحسين (ع) وانصاره. فإنهم لم يمروا في الذلة بكل تأكيد. ولكن المقتولين مروا بالبهذلة بكل تأكيد. وهذا ما تعمده الاعداء وما يكون طبيعيا وجوده عند الحرب الا ان ستره واجب والتصريح به حرام.

    الأمر الثاني : ان هذا الذي قلناه غير ما بسبق من حرمة نسبة الاقوال والافعال إلى المعصومين وغيرهم كذباً. بمعنى ان الخطيب حتى لو كان عالماً بالحال او متأكداً منه أو قامت عنده الحجة الشرعية لديه، فإنه أيضاً لا يجوز عليه ان يفتح فمه بالامور التي توجب مهانتهم رضوان الله عليهم.

    ثامناً : ان لا يروي الخطيب امواراً مستحيلة بحسب القانون الطبيعي حتى وان ثبتت بطريق معتبر. لانها على اي حال ستكون صعبة التحمل على السامعين ولعل اوضح امثلة ذلك ما يذكره بعض الخطباء عن علي بن الحسين الاكبر سلام الله عليه انه حيث ضرب على رأسه بالعمود تناثر مخه وفي بعض المصادر انه سال مخه على كتفيه . ثم يقول الخطباء: انه في آخر رمق من حياته دعا اباه الحسين (ع) فبادر بالذهاب إليه . فأخبره قائلاً :
    (( هذا جدي رسول الله (ص) قد سقاني شربة لا اظمأ بعدها أبداً))(278).

    مع العلم اليقين ان من تناثر مخه، فهو ميت لا محالة، ولا يستطيع الكلام ولا بكلمة واحدة، نفضلاً عن انتظار مدة إلى ان يصل إليه ابوه. فإن تلف المخ
    _____________
    (278) مقتل الخوارزمي ج2ص31 - اللهوف لابن طاووس ص49 - البحار ج45 ص44

    طبيّاً يعني الوفاة، وعدم امكان استمرار الحياة بكل تأكيد، فيكون ما يقوله الخطباء من كلام بعد ذلك ممتنعاً بحسب القانون الطبيعي. الا ان نقول انمخه لم يتناثر ولم يسل على كتفيه، عندئذ تكون له فرصة الكلام.

    وقد يخطرفي البال :امران:

    الأمر الأول: ان هذا وامثاله يمكن ان يحصل بنحو المعجزة فإنه وان كان خارقاً للناموس الطبيعي، الا ان كل معجزة خارقة له بطبيعةالحال. فليكن هذا منها.

    وجواب ذلك: اننا بحسب ما نفهم، فإن واقعة كربلاء بكل تفاصيلها ليست قائمة على شيء من المعجزات . والا لم يكن الامام الحسين (ع) في حاجة إلى الحرب، وإلى تحمل هذا البلاء الدنيوي العظيم . بل كان يمكن بدعاء واحد لله عزوجل ان يقتل كل اعدائه وان يعود إلى المدينة باسلوب طي الارض او ان يسخّر الجن اوالملائكة في القتال، او ان يصرف قلوب او اذها اعدائه عن مقاتلته او قتله......... إلى غير ذلك من احتمالات السلامة. ولعلنا نبحث هذا الامر لمزيد من التفاصيل حين تسنح الفرصه اليه قريباً.

    الأمر الثاني : انه من المروي بل المؤكد حصول بعض المعجزات في ساحة كربلاء يومئذ . حين يوجد شخص او اكثر وربما متعددون دعا عليهم الحسين (ع) ، فحصل فيه حادث مروع كالموت حرقاً أو غرقاً(279) أو غير ذلك. واذا امكنت المعجزة هناك مرة امكنت مرات.
    ________________
    (279) كالذي جرى مع (ابن جوزة) فقد ذكرالسيد المقرم في مقتله نقلاً عن مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص193 ومقتل الخوارزمي ج1ص249 وروضة الواعضين للفقّال ص159 (ان عبد الله بن حوزة آتى الحسين (ع) وصاح يا حسين ابشر بالنار فقال الحسين (ع) كذبت بل اقدم على رب غفور كريم فمن انت؟ فقال انا ابو جوزة : فرفع الحسني (ع) يديه حتى بان بياض ابطيه وقال : اللهم حزه إلى النار. فغضب ابن جوزه واقحم فرسه إليه وكان بينهم نهر فسقط عنها وعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس وانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقى جانبه الاخر بالركاب=

    وجواب ذلك على مستويين :

    المستوى الأول : ان المروي من امثال هذه الحوادث قد حدثت باسباب طبيعية ، مهما كانت ضعيفة، فهي وان انت استجابة لدعاء الحسين (ع) ومن اقسام الممعجزة الا ان الله سبحانه لم يشأ ان تحدث فجأة وبدون سبب واذا عرف السبب زال العجب.

    المستوى الثاني : اننا لو تنازلنا عن المستوى الاول : وفرضنا معجزات ناجزة . فيمكننا ان نلتفت إلى ان المعجزات على قسمين في حدود ما نستهدفه الآن :

    القسم الأول : معجزات قد تحصل لإقامة الحجة على المعسكر المعادي لجلب الانتباه إلى ان الحق إلى جانب الحسين (ع) واصحابه. وتركيز ذلك في اذهانهم . فإنني اعتقد انهم لم يكونوا يحتاجون إلى ذلك في موقفهم امام الله سبحانه، لوضوح ذلكللمعادين وغيرهم. ولكن قد تقتضي الحكمة الالهيةالزيادة في ذلك التركيز واثبات ذلك حسياً امامهم لامكان ان يرجع بعضهم إلى التوبة . وان لم يرجع عليها فسوف يشعر بضخامة عمله ووخامة عاقبته . وهذا ما يندرج في اجابة دعاء الحسين (ع) في بعض الافراد كما سبق.

    القسم الثاني : معجزات لاربط لها باقمة الحجة على المعسكر المعادي بل لعل الحكمة تقتضي عدم تحققها، ليكون البلاء الدنيوي الواقع على معسكر الحسين (ع) أشد ، لتكون المقامات لهم اعلى والثواب اجزل ورضاء الله سبحانه
    ______________
    = واخذت تضرب به كل حجر وشجر والقته بالنار المشتعلة في الخندق . وكالذي جرى مع محمد بن الاشعث حينما قال للحسين (ع) اي قرابة بينكوبين محمد (ص) فدعا عليه الحسين (ع) فخرج من المعسكر لقضاء حاجته فلدغه عقرب اسود لدغة تركته متلوثاً في ثيابه مما به، ومات بادي العورة . (مقتل المقرم نقلاً عن روضة الواعظين للفتّال ص159 – الكامل لابن الاثير ج4ص27).

    وتعالى افضل .

    تاسعاً: من الامور التي تنصح بها الخطيب الحسيني ايا ان:

    ان يحاول برمجة مصادره جهد الامكان في قالب موحّد ومنسجم وليس متنافراً ومتناقضاً من ناحية ولا متباعداً ومتناثراً من ناحية، بل يذكر امواراً متقاربة تاريخياً منسجمة نظرياً. ويبذل اقصى امكانه فيه.

    عاشراً: ان يدع ما امكن التفلسف في الحوادث ، اعني التعرض إلى الحكم والاسباب التي اقتضتها ، ما لم يحرز في نفسه الاهلية لذلك. والا فليدع ذلك إلى اهله وهو خير له في الدنيا والاخرة من ان يكلف نفسه ما لا يطيق. او ان يكلف السامعين ما لا يطيقون . فقد ثبت الشبهة في اذهانهم ويكون الخطيب عاجزاً عن ردها او عن اقناع السامعين بالرد. فيتورط بالحرام من حيث لا يعلم. وليس ذلك فقط . اعني فيما يخص كربلاء أو حركة الحسين عليه السلام.

    بل كل امور الشريعة على هذا الغرار . فلا ينبغي لأي فرد التعدي إلى التفلسف فيها ما لم يحرز في نفسه الاهلية والقدرة. والا فمن الآولى له ايكال علمها إلى الله سبحانه : ( والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا)(280).

    ومن امثلة ذلك: ما سمعته شخصياً من بعض الخطباء، حيث كان يحلل معنى ما ورد : (لا عدوى في الاسلام)(281) . ولم يكن يفلح في ذلك. وسمعت من بعضهم ايضاً : انه كان يحلل قول رسول الله (ص) لعلي (ع) ، على ما هو مروي في نهج البلاغة : ( يا علي انك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع))(282).
    _________________________
    (280) سورة آل عمران . آية 7
    (281) لم نعثر على هذه المقولة . بما موجود في ايدينا من مصادر التحقيق.
    والظاه ران سماحة المؤلف قد ذكر ما سمعه من بعض الخطباء الحسينيين كشاهد عما يريد ان يوضحه لا ان هذه المقولة موجودة كنص وارد في مصادر الحديث والتاريخ.
    (2821) نهج البلاغة – خطبة 192 . ص301 – تحقيق د. صبحي الصالح.

    وكلاهما كان عاجزاً عن الوصول إلى حقيقة المعنى. فلو كانا قد تعرضا إلى ما ينفع الناس من امورهم الخاصة والعامة ، لكان خيراً لهم واحسن تأويلاً.

    حادي عشر : ان يدع الخطيب التشكيك فيما تسالم العامة – اعني جمهور الناس – على صحته ، فضلاً عن انكاره وبصراحة فإنه ينبغي ان يستهدف هدايتهم وتوجيههم نحو الطاعة والعقيدة، ومن الواضح انهم اذا وجدوا مثل هذا التشكيك في كلامه سوف ينتقدونه وسيسقط من انظارهم فيسبب ذلك عدم سماعهم لمواعظه وارشاده او بعده عنهم اومقاطعتهم له عملياً.

    ومن هذا القبيل ما طرق سمعي من ان شخصاً معروفاً في هذا العصر ، طبع كتاباً عن الحسين (ع) حاول فيه بوضوح ان يبرهن على انه سلام الله عليه لم يكن يعلم بمقتله قبل حصوله فسقط الاكتاب والمؤلف عن اعين الناس، كما هو اهل له فعلاً. لو صح النقل(283).

    ثاني عشر : ان لا ينسب الخطيب الحسيني وغيره إلى غير المعصومين من المؤمنين فضلاً عن المعصومين (ع) حاول فيه بوضوح ان يبرهن على انه سلام الله عليه لم يكن يعلم بمقتله قبل حصوله فسقط الكتاب والمؤلف عن اعين الناس، كما هو اهل له فعلاً. لو صح النقل(283).

    ثاني عشر : ان لا ينسب الخطيب الحسيني وغيره إلى غير المعصومين من المؤمنين فضلاً عن المعصومين (ع) : الوقوع في الحرام قلّ ذلك ام كثر. فإن غير المعصومين وان كان يمكن ذلك في حقهم . الا انه مع ذلك يجب السكوت عن مثله:

    أولاً : لانهمعلماء عظماء من تربية الائمة المعصومين عليهم السلام.
    ثانياً : لان نسبة المحرم إليهم لم يثبت بطريق معتبر لو وجد فيكون ذكره من الكذب الحرام.
    ثالثاًَ : لو تنزّلنا وفرضنا ثبوته بدليل معتبر فالستر على فاعله اولى وافضل.
    رابعاً : لوتنزلنا عن كل ذلك، فلا اقل من عدم تحمل الجمهور لمثل هذه
    _______________
    (283) كتاب (شهيد جاويد) بالفارسية وقد ترجم إلى العربية بأسم وقعة كربلاء (ط)

    الروايات مما يحصل رد فعل غير مناسب لديهم. فأما ان يسقط الخطيب من انظارهم ، وأما أن يتجرأوا على الحرام، بعنوان : ان اصحاب الائمة عليه السلام، كانوا يعملون الحرام فلماذا لا نعمله، وتكون الخطيئة في النتيجة في ذمة الخطيب الناقل للرواية . ويحسن بنا الآن ان نذكر لهذا الامر مثالين يخطران على البال، لأجل التدليل بهما أولاً.ولأجل التعرض إلى فلسفتهمام واسبابهما ثانيا.

    المثال الأول : قوله عن نساء الحسين عليه السلام في وصف حالهن بعد مقتله وذلك في زيارةالناحية: ((فخرجن من الخذور ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وللوجوه سافرات وبالعويل داعيات وبعد العز مذللات وإلى مصرعك مبادرات))(284).

    حيث ان الظاهر الأولي لقوله : ناشرات الشعور، كونهن كذلك امام الرجال الاجانب من المعسكرالمعادي، وهو مما لا شك في حرمته في الشريعةالمقدسة فيكون ذكره من نسبة المحرم إلى نساء الحسين عليه السلام.

    وجواب ذلك من وجوه:

    الوجه الاول : ضعف هذه الرواية سنداً، فهي لا تقوم كدليل معتبر على أي شيء فيها. فينتفي الامر من اصله.

    الوجه الثاني : لوتنزّلنا وفرضناها معتبرة: فالدليل انما يكون معتبراً في حدود ما يمكن تصديقه والاخذ به منالمعاني والافكار واما ما لا يمكن فيه ذلك فلا يكون الدليل معتبراً أوحجة فيه . فاذا نسبت أية رواية إلىهؤلاء الاجلاّء اي محرم، والعياذ بالله ، كانت هي الساقطة عن الحجّية لا ان التصديق بمضمونعا يكون ممكنا . وليست هذه الرواية ببدع عن ظواهر القرآن الكريم، حيث ثبت في علم الاصول انها انما تكن حجة اذا لم تكن منافية للدليل القطعي
    __________________
    (284) زيارةالناحية المقدسة المروية عن الامام الحجة (عج).

    وأما اذا كانت منافية له لم تكن حجة كقوله تعالى : ( يد الله فوق ايديهم ) (285) أو قوله تعالى : ( على العرش استوى)(285) او قوله تعالى : (على العرش استوى) (286) بعد قيام الدليل العقلي القطعي على استحالة ثبوت مثل هذه الامور للذات الالهية المقدسة.

    الوجه الثالث : ان النساء كن مدهوشات وحائرالت الفكر، وغير شاعرات بواقعهن لمدى الحزن والأسى الذي تملكهن وسيطر عليهم لمقتل الحسين عليه السلام واصحابه . فإذا كن قد خرجن امام الرجال الاجانب، فهن غير ملتفتات إلى واقعهن وغافلات عن الحكم الشرعي او قل : ناسيات له . فلا يكون الحكم فعلياً او منجزاً في حقهن اوقل : انهن معذورات بالنسبةإليه. وهذا الوجه له درجة من الوجاهة، بعد التنزل عن الوجهين السابقين. وهو المشهور بين الناس ولعله هو المقصود في ا لزيارة لو كانت معتبرة سناً. الا انه مع ذلك لا يخلو من استبعاد لامرين نذكرهما مع إحالة القناعة بهما إلى وجدان القارئ اللبيب:

    الأمر الأول : ان النساء كانت كثيرات كعشرة او اكثر، ولم تكن واحدة او اثنتين مثلا: فإذا امكن سيطرة الحزن بشدة علىواحدة او اثنتين ونحو ذلك، لم يكن ذلك في ا لجميع باستمرار او قل: طيلة الوقت. فلا اقل من ان واحدة او اكثر تلتفت لحالهن فيجب عليها تنبيههن على ذلك ويتم الامر.

    الأمر الثاني : انه يستبعد جداً ان يكون مقتضى الحكمةالالهية ذلك . لان الحسين عليه السلام واصحابه قتلوا في سبيل الله والدين ، فمنالصعب اومن السخف ان نتصورؤ ان في التقدير الالهي ان يصدر العصيان الصريح والمنظر القبيح من نسائه الاشد ارتباطاً به من بعد مقتله مباشرة.

    _____________________
    (285) سورة الفتح . آية 10
    (286) (286) سورة طه آية 5

    الوجه الرابع : للجواب على هذه الرواية :

    انه لم يقل في الرواية : ناشرات الشعور امام الرجال الأجانب ام امام الاعداء ونحو ذلك. بل من الواضح انهن ناشرات الشعور فقط. وهذا من الممكن بل المتعين ان يكون ضمن التعاليم الدينية او الحجاب الاسلامي. فإذا ضمما إلى ذلك هذه الفكرة، وهي : ان النساء في الشرق كن و لازلن، قد ورثنا عن الاجيال السابق ورأيناه عياناًَ. وهو اعتياد النساء في حالة الحزن والمصيبةعلىالالتزام بنشر شعورهن وارسالها وذلك لامرين:

    احدهما : ان ذلك بنفسه علامة الحزن والحداد.
    وثانيهما : ان ذلك ناشيء من اعراضها عن الزينة حزناً او من ضيق نفسها عن التمشط اساساً. أما حقيقة او ان المرأة تريد انتظهر ذلك امام الآخرين، أوان تكون في هذا الحال كغيرها من النساء.فإن التزام النساء بعادات بعضهن البعض مما هو واضح ومسلّم.

    فإذا ضممنا هذه الفكرة إلى ما سبق امكننا ان نقول : ان نساء الحسين (ع) ناشرات الشعور حداداً على هذا المصاب الجلل وحزنا واظهاراً لزيادة المصاب. وليس في الامر ولا في الرواية بالمرة انهن كنّ ناشرات الشعور امام الرجال الاجانب . بل كن كذلكفي مجتمعهن الخاص ، اعني النساء اما بعضهن البعض.

    فإن قال قائل : ان هذا الوجه محتمل وليس اكيداً. قلنا : انه بعد التنزل عن كل ما سبق مما يقتضي كونه اكيدا، فإن مجرد الاحتمال هنا يكفينا، كاطروحة موهنة للاستدلال بهذه البرواية ضد نساء الحسين (ع) او قيامهن بالمحرّمات واذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.

    المثال الثاني : لما روي من قضايا الحسين (ع) . مما يكون ظاهره العمل

    بشيء من المحرمات. مع التعرض إلى جوابه:

    ما ورد في تأريخ مسلم بن عقيل سلام الله عليه من انه حين أخذ مكتوفاًإلى عبيدالله بن زياد رأى قلة(287) ماء بارد فقال : اسقوني منها : فقال له بعضهم : انظرإليها ما ابردها . لن تذوق منها حتى تذوق الحميم ز إلى ان تقول القصة : انه صب له في قدح ماء وقربه إلى فمه لكي يشربه فامتلاء القدح دماً.
    لأنه كان قد حصلت له ضربة على شفته العليا ووصلع إلى اسنانه فسكب الماء فملؤوه له مرة اخرى فامتلأ القدح دما فسكبه.فلما كانت الثالثة قال : لو كان من الرزق المقسوم لشربته(288).

    ففي هذه الحادثة يمكن ان نلاحظ، كملاحظة اولية عدم مشروعيّة مطالبة مسلم بن عقيل (ع) بالماء. لآنه لا يخلو اما ان يكون ملتفتاً إلى جرحه الذي في فمه ام لا . والجرح لم يكنقد مضت عليه مدة طويلة . ولعله كان ينزف لحد الآن.

    اما عدم التفاته إليه فهذا مستبعد جدا، باعتبار الدم الذي ينزف ، وان لم يكن له دم كان الالم موجوداً. ومن الصحيح انه سلام الله عليه يتحمله ويصبر عليه، الا ان ذلك لا يعنينسيانه. بحيث يستطيع ان يأكل او يشرب كأي انسان انسان اعتيادي.

    فإذا كان ملتفتاً إلى الجرح فلماذا طلب الماء وهو يعلم سلفاً باختلاطه بالدم، لأن الدم وان لم يكن ينزف بشدة ولكنه اذا شرب الماء فسوف يدخل الماء في الجرح ويحدث نزف جديد يقيناً.فهذا فيه احتمالان باطلان لاتمام الاستشكال ومحتمل ثالث صحيح للجواب عليه.
    _______________________
    (287) القلّة: بمعنى الجرة وقيل الكوز الصغير (اقرب الموارد ج2ص1034- بتصرف-)
    (288) الارشاد المفيد ص215 ط نجف – تاريخ الطبري ج6ص212 – الكامل لابن الاثير ج3ص274- مقاتل الطالبين ص107

    اما الاحتمالان الباطلان فهما:

    الأول : ان يكن مسلم بن عقيل (ع) مستعداً لشرب الماء المختلط بالدم بالرغم من نجاسته. وهذا باطل لانه حرام –اولا-وينص التاريخ على تركه واراقة الماء ثلاث مرات –ثانياً- .

    والثاني : تبذير الماء بحيث كان كلماً امتلأ دما أراقه وخاصة في المرة الثالثة حيث كان من المعلوم حصول نفس النتيجة . وهذا الاحتمال باطل ايضاً لأنه وان كان تبذيراً الا انه ليس بمحرم على مسلم بن عقيل في ذلك المورد لوجود المصلحة فيه على ما سيأتي.

    ولكن لو صح احد هذين الاحتمالين لتم الاستشكال، ولم يبق عننا من جواب الا الطعن بسند هذه القصة نفسها. واحتال كونها مكذوبة اساساً او تأكيد ذلك. لأننا نجل مسلم بن عقيل عن مثل هذا الاسفاف.

    ولكن الاحتمال الثالث والاخير يصلح جواباً علىالاشكال اساساً. وهو اننا ينبغي ان نلتفت إلى ان طلبه للماء كان في اول دخوله على عبيد الله بن زياد، فأراد ان يرهن له عملياً وحسياً على حاله السيئة دنيوياً والبلاء الحاصل عليه قل القبض عليه وشد وثاقه . فهومتعب جداً وعطشان جداً ومجروح جرحاً بليغاً. مضافاً إلى كونه اسيراً ومكتوفاً. ولئن كان في شرب الماء نوع من الراحة له فهو قد أصبح بحال بحيث لا يستطيع ان يشرب الماء ليرتاح حتى بهذا المقدار. كل هذا فهمه عبيد الله بن زياد من تنفيذ طلبه ومحاولته لشرب الماء . بل اكثر من ذلك وهوان الجرح بليغ إلى درجة لا يؤمل معه انقطاع الدم حتى في الصبة الثالثة للماء.

    وهذا الذي اشرنا إليه من ان المصلحة تقتضي وجود هذه الصّبة فلا تكون تبذيراً . فقد كان طلبه بيان عملي لشرح حاله لا أكثر . وبهذا يندفع الاشكال السابق جملة وتفصيلاً.



    مسلم بن عقيل في الكوفة

    حيث تحدثنا عن مسلم بن عقيل ويعتبر الحديث عنه حديثاً عن اول قضايا الحين عليه السلام تقريباً. وأود بهذه المناسبة ان اعرض عدة أفكار، اعرضها في العناوين التالية:

    الأخّوة

    حين ارسل الامام الحسين (ع) مسلم بن عقيل إلى الكوفة كتب معه كتابً يعّرفه لأهلها ويصفه بانه ((اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي والمفضل عندي))(289). فهذه عدة صفات . أما كونه ابن عمه، فهو تعبير عن قرابته فعلاً، لأن علياً وعقيل سلام الله عليهما اخوان شقيقان. وهما ابوا الحسين ومسلم.

    وأما كونه أخاه فهي على ما أعتقد اهم هذه الصفات على الاطلاق. أنه بعد ان لم يكن أخاً شقيقاً حقيقة و لا غير شقيق فلا بد من حمله على احد معنيين ، اما المعنى المجازي أوالمعنى المعنوي. ولا تنافي بينهما.

    لأنه فيا لظاهر أخر مجازي وفي الباطن أخ معنويز وفي هذا الصدد ينبغي اننلتفت إلى ان رسول الله (ص) حين آخى بين افراد المهاجرين والانصار وترك علياً (ع) شكى إليه علي بأنه لم يعين له اخاً فقال : (( جعلتك اخا لنفسي))(290) . ومن هنا ورد تشريفه بهذه الصفة بأنه ، المخصوص بالاخوة يعني مع رسول الله (ص) وهذه ليست اخوى مجازية بل اخوى معنوية وحقيقية
    _______________________________
    (289) تاريخ الطبري ج6ص198 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص242 – مقتل الخوارزمي ج1ص195 – الارشاد للمفيد ص204 ط نجف
    (290) أسد الغابة لابن الاثير ج4ص16 – مناقب ابن شهر آشوب ج2ص85 بتصرف.


    على المستوى الالهي .

    ومحل الشاهد من ذلك اننا نسأل : لماذا نحمل اخوة رسول الله (ص) علىالاخوة المعنوية ولا نحمل اخوة الحسين على نفس المضمون، فأما ان نحملها معاً على عالم المجازوأما ان نحملها معاً على عالم المعنى . و لا يحق لنا ان نحمل بعضها هكذا وبعضها هكذا . وحيث تعين ان تكون اخوى علي عليه السلام لرسول الله (صلى الله عليه واله) معنوية. كذلك ينبغي ان تكون اخوى مسلم بن عقيل للحسين عليه السلام معنوية . كل ما فيالامر : ان الفرق بين الاخوتين هوالفرق بين الشخصين اعني علياً ومسلماً من ناحية، ورسول الله (ص) والحسين من ناحية ثانية. فهذه الاخوة ادنى من تلك الاخوة، لانها تختلف عنها باختلاف الحسين عن رسول الله (ص) ولكنها مع ذلك شريفة وعظيمة جداً، بحيث لا تقاس معها اي اخوة اخرى في البشرية.

    هذا . واما قوله : ثقتي من اهل بيتي فهوواضح المعنى . غيران فيه جهتين من الحديث لا بد من خوضهما:

    الجهةالأولى : ان الوثاقة لا محالة تختلف ، فهناك الثقة وهناك الاوثق وهناكالاوثق منه وهكذا.اما كلام الامام الحسين (ع) فيدل على ان مسلم بن عقيل، سلامالله عليه ثقة للامام المعصوم عليه السلام. وهذه اعلى اشكال الوثاقة بعد العصمة.

    الجهةالثانية : انه قد يقع السؤال ان في العبارة دلاله اواشعاراً بأنه اوثق من غيره من الهاشميين (ن اهل بيتي) ولا يوجدمن هو في مستواه . مع ان فيهمالكثيرين ممن يعدلونه في الوثاقة كالعباس بن علي وعلي بن الحسين الأكبر والقاسم بن الحسين السبط فضلاً عن الامام السجاد علي بن الحسين عليه وعليهما السلام ، وهو الامام المعصوم بعدالحسين عليه السلام .

    وجواب ذلك على مستويين

    المستوى الأول :ان قوله : ثقتي من اهل بيتي، لا دلالة فيه على ان ثقاته عليه السلاممنحصرون فيه وان غيره ليس من ثقاته او ادنى منه في وثاقته. فإن هذه الاستفادة وامثالها تسمى في علم الاصول من مفهوم الوصف وهوباطل على ما هو المبرهن عليه هناك. فإنك لو وصفت شخصاً كريما لم يكن معناه ان الآخرين ليسوا كرماء او لا يوجد كريم غيره. وخاصة اذا فصلنا نقطة بين الصفين : اعني (ثقتي) من ناحية و(من اهل بيتي) من ناحية اخرى . فإن هذا المعنى يكون واضح جداً . ولا دليل علىارتباطهما من هذه الناحية . وعلى اي حال ، فلو كان ظاهر العبارة ذلك، لا بد من حرفها عن ظاهرها وتأويلها، لأن الظاهر انما يكون حدة معم عدم قيام الدليل على بطلانه. ومن العلوم بالضرورة ان مثل هذا الظاهر ، بعد التنزل جدلاً عما قلناه، يكون غيرمحتمل الصحة.

    هذا ، وكل هذه المستويات من الكلام يمكن ان نقولها في الصفة الأخرى، وهي قوله: والمفضل عندي. فراجع وتأمل . مضافاً إلى انها روايةغير معتبرة السند.

    وأما قياسه اعني مسلم بن عقيل(ع) بالامام المعصوم عليه السلام، فهو غير محتمل اصلاً.في ضميرالمؤمنمي ووجدانهم . وانما مراد الحسين عليه السلام. لوارادتفضيله علىالاخرين، فإنما يريد غير المعصومين منهم بطبيعة الحال.

    المستى الثاني : ان ننظر إلى ان الحسين عليه السلام لماذا اختار مسلماً بالذات للسفارة عنه في الكوفة مع ان اهل بيته عديدون . فاذا اجبنا- كمام سنسمع بعد قليل – انه هو الوحيد الصالح منهم للسفارة ، امكننا عندئذ ان نفهم من العبارة، انه (ثقتي من اهل بيتي والمفضل عندي) ممن هو صالح لهذه السفارة والمهمة. وعندئذ لا بأس أن يكون هوالوحيد الموصوف بها.

    وعلينا الان استعراض بعض الموانع المحتملةالتي كانت تحول دون ارسال غيره في هذه المهمة:

    أولاً: كان هناك جماعة لا يناسبهمالعمر اجتماعياً للقيام بهذه المهمة مهمام كانوا علماء حكماء. لأنهم كانوا شبانا صغاراً، كالقاسم بن الحسن والامام السجاد عليه السلام وكذلك علي بن الحسين الاكبر على بعض الروايات(291) .

    ثانياً: كان هناك اكثر من واحد ، يتصف بالعوق المانع عن اداء المهمة. كالعمى في عبد الله بنجعفر بن ابي طالب عليه السلام والضعف العام عن الحرب او ضعف الذراعين عنالضرب، كما وردعن محمد بن الحنفية وهو بن علي بن ابي طالب عليه السلام.

    ثالثاً : يبدو ان الامام الحسين عليه السلام تجنب عن عمد ايكال المهمةم إلى اولاد علي عليه السلام واحفاده. بل اخرجها عن هذه العائلة تماما. والوجه الذي يبدو من ذلك، بغض النظرعما ياتي ك هو اجلال هذه العائلة عن مهمة ادنى منها ويمكن لكثيرين من غيرهم القيام بها. وسيكون مسلم بن عقيل هوخير من يكون من خارج الاسرة.

    رابعاً : ما يذكره عدد من الخطباء من ان الحسين عليه السلام، حيث حجب المهممة او منعها عن اخيه العباس عليه السلام وابنه الاكبر واضرابهم، انما ذخرها بذلك لنيل الشهادة معه في كربلاء. وهو مقام اسمى واعظم ، فإن مسلم بن عقيل عليه السلام وان كان من شهداء الحسين عليه السلام الا ان الشهادة بين يدي الحسين وسمعه وبصره ولاجل الدفاع المباشر عنه مهمة اعلى واصفى واقدس امام الله عز وجل . وهذا على اي حال مربوط بالعلم الالهامي الذي يعرفه الامام الحسين عليه السلام من قضاء الله وقدره.
    ______________
    (291) حيث كان عمر علي الأكبر على ما هو الاشهر بين المؤرخين وارباب المقاتل والنسب نحو 27 سنةكما عنا لطريحي في المنتخب وعمر السجاد يوم الطف 23 سنة كما في الايقاد للعظيمي وكان عمر القاسم يوم الطف لا يتجاوزالحلم كما في مقتل الخوارزمي

    احتلال الكوفة

    قديخطر علىالبال السؤال : ان مسلم بن عقيل لماذا لم يحتل الكوفة احتلالاً عسكرياً ويسيطر على الحكم فيهاز وخاصة بعد ان تم لديه مبايعةاثني عشر الفاً من انصاره(292) و قد كانوا وعدوه او وعدوا الحسين عليه السلام في بعض كتبهم إليه ان يطردوا النعمان بن بشير حاكمالكوفة ممثلاً عن الحاكم الاموي . وقالوا : ( والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيدز ولو بلغنا اقبالك إلينا اخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله تعالى)(293) . وواضح : ان اقبال ممثل الحسين ورسوله عليهم ، كاقبال الحسين نفسه. فلماذا لم يفعلوا ذلك ، ويتسببوا في اخذ زمام السلطة من قبل مسلم بن عقيل عليه السلام؟

    والجواب على ذلك بغض النظر عما قلناه في مقدمات هذا البحث من ان عقولنا قد تقصر عن نيل الواقعيات اولاً ز وان هؤلاء العظماء عندالله كأمثال مسلم بن عقيل ممن لهم التأييد والتسيديد من الله سبحانه ثانياً. ومعه ينسد السؤال عن ذلك وغيره. ولكن بغض النظر عن ذلك يمكن الجواب بأمور :

    الأمر الأول : ان مسلم بن عقيل سلامالله عليه لم يكن مخولاً من قبل الحسين عليه السلام بالحرب ولا باستلام الحكم فيالكوفة. وانما كان مخولاً
    ___________________________
    (291) هذا ما ذكره المسعودي في مروج الذهب ج3ص66 والكلييني في كفاية الطالب ص282 ز اما في مقتل الخوارزمي ج1ص20 ذكر انهم عشرون الفا. اما في تاريخ الطبري والارشاد للمفيد ونهاية الأرب للنويري والايقاد للعظيمي انهم ثمانيةعشر الفاً. وقد ذكرابن نما الحلي في مثير الأحزان انهم اربعون الفاً.

    (293) الخوارزمي ج1ص194 ص15 – الطبري ج65ص197 – الكامل لابن الاثير ج3ص266- مناقب ابن شهر آشوب ج3ص241.

    فقط لاسكشاف الحال في الكوفة وارسال الخبر إلى الحسين عليه السلام . ومن الملعوم ان السيطرة على الكوفة تحتاج إلى قتال وهو مما لم يأذن به الحسين عليه السلام.

    فإن نص جواب الحسين عليه السلام يقول : (( اما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم . وقد بعثت لكم بأخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي ملسم بن عقيل وامرته ان يكتب إليّ بحالكم وامركم ورأيكم. فإن كتب إلى انه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجي منكم على مثل ما قدمت به رسلكم اقدم إليكم وشكياً ان شاء الله ))(294) إلى اخر ما قال . وهو خال من التخويل بالحرب، كما هو واضح.

    الامر الثاني : ان استلام حكم الكوفة من قبل مسلم بن عقيل ان كان بدون حرب، كما يشعر به كتاب اهلها الذي سمعناه حين يقولون عن حاكمها: (اخرجناه والحقناه بالشام) هكذا بكل سهولة . لهان الامر ، بل امكن القول شرعا، بانه تجب السيطرة علىالكوفة عندئذ. الا ان الامرلم يكن كذلك جزماً، لعدة امور منها:-

    أولاًً: وجود المنافين والمعاندين في الكوفةبمقدار معتد به، وهم بلا شك مستعدون للوقوف ضد هذا الاتجاه ، سواء بالحرب لمنعه او بالتأمر لافشاله واسقاطه ل، لو تم . ومن هنا يصعب حصول الامر بالنجاح التام والمستمر .

    ثانياً : ان حاكم الكوفة يؤمئذ ، النعمان بن بشير وان كان حسب ما رود في التاريخ انه كان رجلاً متخاذلاً مشككا يحب العافية، ويفضل الراحة والسلامة(295) ولكنه مع ذلك ورد: انه خطب وهدد الكوفيين بأن استعالهم
    ____________________________
    (294) تاريخ الطبري ج6ص198 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص242 – مقتل الخوارزمي ج1ص195.
    (295) اعلام الورى للطبرسي ص 224 – الفتوح لابن اعثم ج5 ص75

    للسلاح ضده يعني استعماله ضدهم ولن يتطيعوا ان يزيلوه بسهولة وانما لا بد من ان تنشب الحرب بينهم، وسيستعين في نفس الوقت بالمعاندين والمنافقين والفسقة الذين هم علىاستعداد لمعونته جزماً.

    ونسمعه يقول في خطبيته :(( اني لا اقاتل من لا ياتلني ولااثب على من لايثب عليّ....... ولكنكم ان ابديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم امامكم (يعني الحاكم الاموي) فو الذي لا اله غيره لاضربنك بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولم يكن لي منكم ناصر ولا معين))(296) . إلى آخر ما قاله وهذا يعني عدة امور.

    أولاً : مناجرتهم الحرب لهم اذا هم حاربوا.
    ثانياً: اعطاء الحرية لهم في ان يفعلوا ما يشاءون ضمن التصرف السلمي غير القائم على السلاح. واعتقد ان هذا من النعم الالهية على مسلم بن عقيل وانصاره استطاعوا فيه ان يثبتوا وجودهم تاماً.

    ويكفينا تقيماً للحالة، لواستطعنا المقايسة بينها وبين ما اصبح عليه الحال عند حكم عبيد الله بن زياد الذي عينه الحاكم الاموي بعد النعمان بن بشير.

    ثالثا: المسؤولية الاخلاقيةتجاه النعمان بن بشير هذا، من حيث انه كفّ عنهم شره، فاللازم ان يكفوا عنه شرهم . واذا لم يحاربوه، لم يمكنهم عزله والسيطرة على الحكم. وعلى اي حال فقد استطاع النعمان بن بشير بذلك ان يبقى هو الحاكم ما دام غير معزول من قبل سيده الاصلي ، الحاكم الاموي.

    الامر الثالث : ان مسلم بن عقيل عليه السلام شعر ان قيام حرب واسعة في داخل المجتمع الاسلامي الجديد، الذي لم يكن قد تجاوز قرنه الاول، سوف
    ___________________
    (296) الكامل لابن الاثير ج3ص267 – الارشاد المفيد ص250 – الاخبار الطوال ص211

    يكون كارثة على الاسلام كله، وسيقتل من المسلمين عامة ومن المخلصين خاصة العدد الكثير. وسيفتح ثغرة وفرصة لاعداء الاسلام من الخارج والداخل على السيطرة على المجتمع سيطرة كاملة ومحكمة.

    اذن، فقد اقتنع مسلم بكلا الامرين وهما : تعذر السيطرة سلمياً على الكوفة والاخر: عدم المصلحة في السيطرة عليها عسكريا. اذن فلا ضرورة إلى تلك السيطرة حتى لو كان مسموحاً له من قبل الحسين عليه السلام بها ما لم يكن مأموراً بها . وهو جزماً لم يكن كذلك.

    الامر الرابع : ان هناك امراً قلما يأخذه عامةالناس بنظر الاعتبار ز وهو التناسل البشري. يعني احتال ولادة مؤمن من مؤمن او من كافر او منافق غير ان هذا مما يؤخذ فيالحكمة الالهية جزماً.

    فيكون من الحكمة المحافظة على بعض النفوس، لكي يوجد من ذراريها ولو بعد جيل او اجيال ، جماعة من المؤمنين الذين يعبدون الله وينصرون دين الله بأخلاص .واذا كانت اي حرب مانعة عن ذلك، والحرب بطبيعتها مانعة عن ذلك، اذن فمن الضروري عدم وقوعها.

    وهناك وجه آخر مهم ذكرنا اسسه في كتابنا اليوم الموعود الا ان ايضاحه الكامل يتوقف على ذكر تلك الاسس فيطول المقام بنا. ومن هنا يكون الاحجى الاعراض عن ذلك مؤقتاً.

    اغتيال بن زياد

    يقول لنا المؤرخون ما مضمونه باختصار : ان شريك بن عبدالله الحارثي ومسلم بن عقيل، كانا معا نازلين في دار هاني بن عروة المذحجي(297) فتمرض شريك واشتد به المرض. فعلم بذلك عبيد الله بن زياد
    ________________________
    (297) هاني بن عروة المرادي المذحجي : لقد ذكر المؤرخون انه كان شديد التشيع ومن اشراف الكوفة وقرائها ومن خواص امير المؤمنين (ع) حضر حروبه الثلاث وادرك النبي (ص) وتشرف بصحبته

    حاكم الكوفة ، يومئذ . وكان له معه رفاقه، فأرسل إليه انه سيعوده في دار هاني. وقبل مجيء ابن زياد تواطأ شريك مع مسلم على ان يغتال بن زياد عند مجيئه . فلما كان من العشي اقبل بن زياد وتخفّى مسلم في احدى الغرف كأنه يستعد لاغتياله. ولكنهانئا اعترضه قائلاً : ( اين لا احب ان يقتل في داري).

    والمهم ان مسلماً لم يقبل لقتل بن زياد وخرج ابن زياد سالماً . فخرج مسلم من مكانه .

    فقال له شريك : ما منعك من قتله. قال خصلتان ، اما احداهما : فكراهة هانيء ان يقتل في داره. واما الاخى : فحديث حدثنيه الناس عن النبي (ص) : (( ان الايمان قيد الفتك))(298) . ولا يفتك مؤمن.

    فقال هانيء : اما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً افراً غادراً. ولكن كرهت ان يقتل في داري(299).

    فمن هنا قد يخطر في البال السؤوال عن السبب الذي حدا بمسلم بن عقيل على ان لا يقتل عبيد الله بن زياد بعد ان اصبح كاللقمة السائغة بيده وهو
    __________________________________
    = وكان له يوم قتله بضع وتسعون سنة وكان شيخ مراد وزعيمها اذا ركب ركب معه اربعةالاف دارع وثمنية الاف راجل فاذا اجابتها احلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين الف دارع (واقعة الطف لبحر العلوم ص286).
    (298) الفتك : (فتك فلان بفلان) اي قتله على غفلة او انتهز منه فرصة فقتله . (اقرب الموارد ج2ص901 – مجمع البحرين ج5ص283 بتصرف).
    (299) هذا ما ورد في تاريخ الطبري ج6ص204 وكذلك في مقاتل الطالبيين والدمعة الساكبة م1ص309 نقلاً عن البحار. وقد ذكر هذه الرواية ابن الاثير في الكامل في التاريخ ج3ص270 الا انه ذكر ان مسلماً عندما سئل عن عدم خروجه قال((…… واما الاخرى فحديث حدثه علي (ع) عنالنبي (ص) : ان الايمان . ….. ألخ)) وهذا ما اورده الخوارزمي ايضاً في مقتله ج1ص202 وفي الاخبار الطوال للدينوري ذكر ان مسلماً قال (قال رسول الله (ص) ان المؤمن قيد الفتك) ولم يسند الحديث ز اما ابن نما الحلي فقد ذكر في مثير الاحزان ص20 ان زوجة هانيء هي التي منعت مسلم من قتل عبيد الله بن زياد ولم يذكر الحديث.

    يعلم انه عدوه وعدو الحسين عليه السلام وعدو الله عزوجل، وان قتله مهم جداً في امكان السيطرة على المجتمع في الكوفة ، وتفريق القيادة من المنافقين الذين جمعهم ابن زياد وتركيزها بيداهل الحق:
    والجواب على ذلك يكون من وجوه:

    الوجه الأول : كراهة هانيء بن عروة ان يقتل عبيد الله بن زياد في داره، ومسلم بن عقيل كان ضيفاً لدى هانيء . وكا ولا يزال يخدمه بالسمع والبصر ويؤدي لمسلم اي مصلحة عامة او خاصة . فاذا فعل في داره ما يكرهه حصلت عدة مضاعفات:

    اولاً : الاحراج اما هانيء نفسه اخلاقياً. فإن مقتضى المسؤولية الاخلاقية ان لا يفعل في داره ما لا يحب. وخاصة وهو بهذه الصفة العظيمة في الانتصار له.

    ثانياً: تحريم تصرفه في الدار بعد ذلك، لو كان قد فعل ما يكرهه صاحبها، مما يضطره للانتقال إلى دار شخص آخر، وقد لا يجد شخصاً جامعاً للشرائط المتوفرة في هانيء او قل : لا يجد له مثيلاً في سكان الكوفة.

    ثالثاً: احراج موقف هانيء من حصول هذا القتل في داره . الامر الذي اثار في نفسه هذه الكراهة. فإنه كان رئيسا لقبيلة مذحج، وله اتصالات ومجاملات ومصالح في مختلف اوساط المجتمع. فإذا قتل ابن زياد في داره كان ذلك احراجاً له ماما شريحة مهمة في المجتمع ، وهذا ما يكرهه.ولا يريد مسلم بن عقيل اثارة هذا الاحراج امامه. وتفكير هانيء بهذا الشكل تفكير على المستوى الدنيوي . ولكنه قائم على اي حال.

    وهو بطبيعةالحال، لا يدرك ما ندركه او نحتمله نحن الان بعد الف سنة وحوالي النصف من ذلك التاريخ من وجود مصلحة عامة في قتله، بحيث تجب

    عليه التضحية في سبيلها بكل غال وعزيز . واذا كان غافلاً عن ذلك، وهو غير معصوم على اي حال، فالله سبحانه يعذر الغافل.

    الوجه الثاني : لعدم اغتيال ابن زياد ك

    ما ذكره مسلم نفسه حسب الرواية (ان الايمان قيد الفتكولا يفتك مؤمن)

    الا ان هذا بمجرده لا يتم، الا ان يرجع معناه إلى الوجه الاتي . وذلك لان هذا الخبر يحتاج إلى الصحة سنداً ودلالة ز اما السند، فيظهر حصول مسلم علهي مرسلاً غير موثوق لأنه عبّر عن انه : حديث حدثنيه الناس عن رسول الله (ص) . الامر الذي يدل على ان يجهل روايته او لايوثقه على اقل تقدير.

    واما من ناحية الدلالة ، فهذا الامر الذي كان عازماً عليه هو الغيلة او الاغتيال . وليس الفتك فإنه وان ان قد يرد في اللغة بهذا المعنى ايضاً، الا ان له معان اخرى كالشجاعةبحيث لا يهاب احداً والاستقلال بالرأي عن الاخرين وغير ذلك(300) . فلا يتعين ان يكون المراد من الخبر ذلك.

    مضافاً إلى ان الاعتماد على خبر من هذا القيل بل حتى ولو كان صحيحاً، في دفع مصلحة عامة في قتله، او جلب مفسدة عامة في حياته، كما قد حصل فعلاً، غير صحيح جزما وغير مرضي لله عزوجل . ما لم يعد الامر غلى وجوه اخرى او إلى الوجه الاتي الذي سنذكره الان.

    الوجه الثالث : الاخلاقية في العلاقات مع الاخرين : الاصدقاء منهم والاعداء سلماً كانت العلاقة ام حرباً ام قتلاً. ومن جملة الاسس الاخلاقية التي التزم بها المسلمون ونصحت بها تعاليم الاسلام عدم البدء بالحرب والضرب ، وانما يكون اهل الحق هم ثاني الضاربين لو صح التعبير . ليكون
    ___________________
    (300) ومثله قولهم الفاتك : أي الجريء الشجاع وقال بن دريد هوالذياذا هم بشيء فعل : (اقرب الموارد ج21ص901)


    موقفهم امام الله والناس هو الدفاع فقط. وكان ولازال النبي (ص) هو نبي الرحمة، وليس من مقتضى الرحمة البدء بالهجوم . حتى ان الحسين عليه السلام في ساحة كربلاء العسكرية التزم بذلك . وهذه مصلحة اخلاقية جليلة في الحرب والقتل والقتال، ذات تأثير عام في احسان الظن بالمعسكر المحق وجلب القلوب نحوه. وهي مصلحة عامة تعدل الكثير من المصالح العام ةالأخرى التي قد ندركها مما تكون مصالح وقتية وان كانت صحيحة ، في حين ان هذه القاعدة الاخلاقية دائمة الصحة جيلاً بعد جيل.

    فإذا عرفنا ذلك استطعنا تقييم وتمييز موقف ابن عقيل من ابن زياد من حيث ان ابن زياد لم يكن محارباً في ذلك الحين ولا ناوياً لقتل احد. اذن، فهو لم يبدأ بالقتال ولم ينو السوء ، فلا يجوز بدؤه به او نية السوء ضده . لانه خلاف القاعدة الاخلاقية المشار إليها.


    الوجه الرابع : ما ذكرناه فيمام سبق، من كون مسلم بن عقيل عليه السلام ، مسدداً ملهماً، ولا اقل من احتمال ذلك . اذن فيمكن ان يكون قد واجه نهياً عن قتل عبيد الله بن زياد. كما يحتمل ان يكون هذا النهي مأخوذا عنده من الحسين علهي السلام أو من جده النبي (ص) بخصوص هذه الواقعة او ما يشملها . فيجب عليه الامتثال. وقد سبق ان قلنا في امثال ذلك: انم مجرد الاحتمال يكفينا لأن اذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. يعني يفسد السؤال عن اعراضه عليه السلام عن اغتيال ابن زياد. وان ذلك كان على خلاف المصلحة او السياسة العامة.


    الوجه الخامس: ما اشرنا إليه او إلى مثله. من احد الوجوه التي قلناهنا في نفي سيطرة مسلم بن عقيل على الكوفة. وهو اقتضاء الحكمة الالهية الابقاء على بعض الفاسقين والكافرين، من اجل ميلاد بعض المؤمنين من ذراريهم ولو في جيل متأخر ولو عدة مئات من السنين او اكثر فليكن ابن زياد كذلك

    وهذا لا يتوقف على علم مسلم بن عقيل او التفاته إلى ذلك. بل اما ان يكون ملتفتا واما ان الله سبحانه صرفه عن قتله لهذه الجهة . والاحتمال في ذلك يكفينا لقطع الاستدلال المعاكس، كما كررنا في امثاله.

    الوجه السادس : ما ذكرناه ايضاً هناك من الامر المربوط بكتابنا (اليوم الموعود) . فإنه ايضاً من الامور المربوطة بتلك الاسس فراجع.



    السيطرة على الكوفة مؤخراً

    اذا قد يخطر على البال : ان مسلم بن عقيل سلام الله عليه، ما دام لم يسيطر على الكوفة في زمن النعمان بن بشير وكلم يقتل عبيد الله بن زياد فلا أقل من أن يحاول السيطرة على الكوفة عندما اصبح ابن زياد حاكماً عليها . اذ كان الشر قليلاً وغير واضح، في زمن ابن بشير في حين اصبح واضحاً في زمن عبيد الله بن زياد. ومن هنا كانت السيطرة على الكوفة ارجح جداً من ذلك الزمن السابق. فلماذا لم يفعل ذلك مسلم؟.

    وجوا ب ذلك : انه يمكن القول بورود جميع الأجوبة التي قلناها فيما سبق عن سييطرة مسلم بن عقيل في الماضي (يعني في عهد النعمان بن بشير)، كلها تاتي عن سيطرته الان. مع زيادات معتد بها كما سنذكر ويكفينا ان نلتفت إلى ان زيادية الشر تقتضي زيادة الصعوبة في السيطرة ، الامر الذي يجر إلى امور غير محمودة، كما سنرى. وهذه الصعوبة تتمثل في امور:

    الأمر الاول : الزيادة في الضيق لجانب مسلم بن عقيل اعني في الحرية العامة ، واعطاء الجانب الافضل والتحرك الاشمل لاعدائه.

    الأمر الثاني: وجود تجسس دقيق وكامل على كل اقوال وافعال ابن عقيل واصحابه، ويمكن ان تكو ن العيون كثيرة غير ان التاريخ ينص على واحد بعينه يسمى معقل استطاع الوصول بدهاء إلى الدار التي يرتادها مسلم

    وأصحابه .فكان أول داخل وآخر خارج، بعنوان كونه مؤيداً لهم . وينقل كل ما سمعه ورآه إلى عبيد الله بن زياد(301) .

    الأمر الثالث : السرّية والتكتم التي تعمدها جانب مسلم بن عقيل واصحابه، بغض النظر عن التجسس المشار إليه. ومع التكتم المتعمد ، يصعب جداً وضع برنامج واضح وواسع لاجل السيطرة على المجتمع ، كما يتوقع السائل ان يكون.

    الامر الرابع : امكان التشكيك في العّدة والعدد اللذين يمكن لابن عقيل ان يجمعهما في ذلك المجتمع، فإن افراد الناس هناك لم يكونوا معتادين على الحرب ومصاعبها ويلاتها. وانما استطاع عبيد الله بن زياد ان يجمع منهم جيشاً ضخماً بعد التفكير بعدّة خطط ماكرة أكتسبها بصفته ممثلاً للدولة الحاكمة لا اكثر. وهذا ما لا يستطيع طبعاً مسلم بن عقيل توفيره للناس بصفته معارضاً للدولة . فيكون احتمال حصوله على الجيس الكافي في العدّة والعدد، احتمالاً غير قوي.

    وحسبنا ان ننظر إلى اهم الافكار التي حاول عبيد الله بن زياد بثها في المجتمع صدقاً أو كذباً ليستقطب الناس إلى جانبه:

    أولاً : التهديد العسكري ، حيث زعم لهم ان هناك جيشاً مقبلاً عليهم من الشام، ضخم جداً، يريد استئصالهم ان هم عصوا الدولة.
    ثانيا : التهديد الشخصي بالسجن والضرب بل والقتل ايضاً.
    ثالثا: التهديد الاقتصادي بالمقاطعة مع كل معارض.
    رابعاً: الطمع ، باضافة مبلغ من المال إلى راتب كل واحد يكون إلى جانبه

    ويخرج في حرب الحسين عليه السلام. وينقل ذلك تاريخياً على شكلين: اشهرهما : اضافة عشرة دنانير ذهبية إلى أي فرد. والآخر مضاعفة الراتب الذي يصله(302).

    خامساً : الاحراج الاجتماعي ، عن طريق العلاقات والصداقات المبثوثة في تلك المدينة المنكوبة.

    وكل هذه الامور قائمة ضد مسلم بن عقيل ومن المتعذر ان يكون مثلها إلى جانبه، سوى التضحية في الرضوخ للحق لا اكثر، وهو مما يقل العاملون به في اي مجتمع، وخاصة تحت ظروف من ذلك القبيل.

    وقد بادر عبيد الله بن زياد إلى تغيير كفة المجتمع إلى جانبه بمجرد وروده . والقى في الناس خطبة تتكفل بيان تلك التهديدات والاطماع . مع بث شرطته وانصاره بين الناس.

    لأجل الطمع والتخويف والاحراج. مما انتج ما ينقله بعض الخطباء الحسينيين من ان الام اصبحت تاتي إلى ابنها والزوجة إلى زوجها والبنت إلى ابيها والاخ إلى اخيه. فيحذرونه مغّبة مناصرة مسلم ويقال لهم:

    (مالك والدخول بين السلاطين). ويأخذون بيده ويرجعونه إلى بيته. ومهما يكن في هذا النقل التاريخي من المبالغة ان اخذناه على سعته. كما سبق ان قلنا ان الكوفة والمجتمع الكوفي لا يمكن ان ينقلب تماماً من الولاء إلى العداء بين عشية وضحاها وقد اقمنا على ذلك ما يكفي من القرائن والدلائل. الا انه من الممكن ان يكون قد حدث مثل هذا التخذيل فعلاً على نطاق ضيق قلّ او كثر. فإنه على اي حال مضر بجانب مسلم بن عقيل، ويضاعف عليه الصعوبة والبلاء.

    معقل

    يقول المؤرخون ان معقلاً حين اراد التجسس لابن زياد. اقبل إلى المسجد، فراى مسلم بن عوسجة يصلي فيه فيسأل عنه. فقيل له : هذا يبايع للحسين بن علي . فجاءه وجلس إلى جانبه حتى اذا فرغ من صلاته سلم عليه واظهر له انه رجل من أهل الشام وانه مولى لدى الكلاع الحميري. ومن انعم الله عليه بحب اهل البيت وحب من احبهم وتباكى له. وقال له : ان عنده ثلاثة الاف درهم يريد بها لقاء رجل من اهل البيت بلغه انه قدم إلى الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله (ص) . فقبل منه مسلم بن عوسجة وأخذ منه البيعة على يده فوراً. ثم اخذه إلى مسلم بن عقيل فأخذ عليه البيعة والمواثيق المغلّطة ليناصحن وليكتمنّ. فاعطاه (معقل) من ذلك ما رضي به. ثم امر مسلم ابا ثمامة الصائدي(303) بقبض المال منه وكان قد عيّنه مسلم لقبض الأموال من الناس وتجهيزهم بما يحتاجونه من السلاح والتعاد . وضل معقل يختلف إلى دار هاني كل صباح ومساء، فهو اول داخل وآخر خارج، فينطلق بجميع الاخبار والاسرار، فيقرؤها في اذن ابن زياد(304). مما ادى في النتيجة إلى فشل مهمة هذه الجماعة المحقة وتفرقها عن مسلم بن عقيل.

    فهنا قد يرد السؤال عن السب بفي انخداع مسلم بن عوسجة ومسلم بن
    ________________________
    (303) أبو تمام الصادئدي : هو عمرو بن عبد الله بن كعب الصائدي من شهداء الطف كان من foraten.net/?foraten.net/?foraten.net/?foraten.net/?foraten.net/? العرب ووجوه الشيعة وكان بصيراً بالاسلحة ولهذا لما جاء مسلم بن عقيل إلى الكوفة قام معه وصار يقبض الاموال ويشتري بها الاسلحة بامر مسلم بن عقيل (وفي نفس المهموم) ان ابا تمام قال للحسين (ع) ابا عبد الله نفسي لك الفدى اني ارى هؤلاء قد اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتى اقتل انشاء الله واحب ان القى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنى وقتها قال فرفع الحسين رأسه ثم قال : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا اول وقتها(الكنى والالقات ج1ص33)
    (304) الارشاد للمفيد ص20 مثير الاحزان لابن نما ص21 - مناقب ابن شهر آشوب ج3ص242.

    عقيل واصحابهما بهذا الرجل المعين ضدهم. ولئن كان مسلم بن عوسجة رجلاً اعتياديا، مهما كان عالي الايمان، فإن مسلم بن عقيل سلام الله عليه ، قد اثبتنا له انه مؤيد ومسدد بالالهام ، فكيف لم يلتفت إلى ذلك؟!

    وجواب ذلك يكون على عدة مستويات :

    المستوى الأول : ان هذا موجود في قضاء الله وقدره . وكلما كان ذلك، فلا بد من حدوثه ، ومطابق للحكمة الالهية ، سواء علمنا بسببه او جهلنا.

    المستوى الثاني: مستوى من نعلم او نحتمل عدم تسديده وتأييده بالالهام المباشر – لو صح التعبير- وهم اصحاب مسلم بن عقيل، سواه . فمن الواضح ان العادة في تلك الاجيال، وهي عادة استمرت مئات والاف السنين ، حتى لم تكن كتابة واوراق تدل على الشخصية ، كما في الدول الحالية. فكان الناس يسألون الفرد عن اسمه وانتسابه، ويصدقون منه ذلك على السجية والعادة المتبعة. وواضح انه لو كذب اي شخص في اسمه او نسبته فسوف يقع في انواع من المصاعب اجتماعياً واقتصادياً. او يحتمل وقوعه في ذلك على بعض التقدير. فكان الناس يصدقون في اقوالهم تلك، وكانوا يصدقون اقوال الاخرين في ذلك. وليس اصحاب مسلم بن عقيل سلام الله عليه وعليهم الا جماعة من ذلك المجتمع المعتاد على ذلك.

    فإذا انضم إلى ذلك حسن الظاهر والملاينة والمسايسة، فقط اصبح الفرد ناجحاً في الامتحان او الاختبار الاجتماعي ، وانتهى الامر.

    المستوى الثالث : مستوى النظر إلى المواثيق المغلطة التي اخذها مسلم بن عقيل واصحابه على (معقل) وقد اعطاهم ن نفسه ما يريدون . ولم يكونوا يتصورون ان شخصا ما من المسلمين يمكن ان يحيف بالعهد او يحيف


    باليمين. وانما قيام العلاقات بين الافراد والمجتمعات كانت ولا زالت على شرف الالتزام بالعهود. والا كان الفرد ساقطاً بالمرة اما الله والناس. ولم يكن يخطر على البال ان هذا الانسان من الساقطين وبهذه الدرجة.

    وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ماورد في تفسير قوله تعالى عن قول ابليس:
    (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان نكونا ملكين او تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين)(305) . (7/21) من ان ادم وزوجته لم يتصورا شخصا يقسم با لله كذبا. يعني انهما حين سمعا ابليس يقسم بالله سبحانه صدقاه واكلا من الشجرة. اقول : فكذلك الحال في مسلم واصحابه من حيث ان العهد ملزم في الدنيا واليمين ملزم في الآخرة. فماذا بقي مما يكون ان يفعلوه امامه؟

    المستوى الرابع : ان مسلماً واضرابه من خاصة اصحاب المعصومين عليهم السلام، وان قلنا بانهم مؤيدون ومسددون بالالهام . الا ان ذلك مما لا ينبغي ان يؤخذ على اوسع نطاق:

    اولاً : لانهم ليسوا معصومين بالعصمة الواجبة، كما يعّبر عنها في (علم الكلام). والمعصوم بالعصمة الواجبة، يكون معصوماً من الخطأ والنسيان، مضافاً إلى عصمته من الذنوب والمحرمات. بخلاف المعصوم بالعصمة غير الواجبة، فانه يكون معصوماً من الذنوب لا من الخطأ والنسيان.

    ثانياً: ان الالهام والتسديد إلى امثال هؤلاء يختلف في السعة والضيق أو القلة والكثرة . ينال منه كل منهم . بمقدار قابليته واستحقاقه وعمله وغير ذلك من الاسباب. وليس بالضرورة ان يناله بشكل مطلق ومستمر . اذن فمن الجائز ان يحجب الالهام والتسديد عن الفرد حيناً او احياناً. بمقدار ما تقتضي الحكمة
    ________________________
    (305) سورة الاعراف آية (20 -21 )

    الالهية ذلك وهناك مستويات اخرى للجواب لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.

    تفرق الناس عنه

    ولعل السؤال الاخير الذي يمكن عرضه في هذا الصدد. ما قاله بعض الاذكياء لبعض العلماء عما روي في التاريخ من ان مسلم بن عقيل تفرق عنه اصحابه كلهم في يوم واحد او عشية واحدة، حتى اصبح يتلدد في ازقة الكوفة في ظلام الليل لا يجد من يؤويه(206) . مع العلم ان من الكوفيين من هم على دلاجة عالية من الاخلاص للحق المتمثل في مسلم بن عقيل والحسين عليهما السلام، امثال : حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وآخرين . بدليل على ان هذين المذكورين قد استشهدا مع الحسين في كربلاء. اذن فإخلاصهم محرز فلماذا تفرقوا عن مسلم في تلك الليلة وتركوه وحيداً حائراً؟

    وقد اجاب ذلك العالم : بأنهم اعدوا انفسهم للشهادة بين يدي الحسين عليه السلام. اقول : وهذا وحده لا يكفي للاقناع. لان حادثة الحسين (ع) كانت في ضمير المستقبل بالنسبة إليهم، ولم يكونوا يعلمون من حصولها شيئا. فكيف نتعقل كونهم استهدفوها بصراحة ؟.

    ولكن تفصيل الجواب ان يقال : ان المخلصين الكاملين كانوا قلة لا يستطيعون وحدهم الدفاع عن مسلم بن عقيل ولا حفظ حياته وحياتهم.

    فلما رأوا فشل الحركة وتفرق الجيش عنه، لم يشعروا بوجوب المحافظة على حياته شرعاً، لليقين بكونه مقتولاً لا محالة، حتى ولو كانوا هم إلى جنبه بل سيقتلون معه ايضاً. اذن فمسؤولية الدفاع عنه والحفاظ عليه ساقطة عنهم يقيناً. اذن فخير لهم ان يحافظوا على حياتهم، وهم كوفيون يعرفون المدينة
    _____________________
    (306) اللهوف لابن طاووس ص23 – تاريخ الطبري ج6ص209 – مقاتل الطالبيين ص102

    وطبيعة سكانها . وهو غريب جديد العهد بهذا المجتمع.

    واما سبب محافظتهم على انفسهم، فلا ينبغي الاشكال فيه في الدنيا والآخرة. واما في الدنيا فواضح لصعوبة تعريض النفس للقتل . وخاصة اذا كان بلا موجب وبشكل غير منتج كما عرفنا. واما في الآخرة ، اعني في التكليف الشرعي في الدين، فلأن بقاءهم خير من موتهم، لاحتمال ان يفيدوا المجتمع مبقليل او بكثير، وان لا تخلو الساحة بالمرة لعبيد الله بن زياد وجماعته يفعلون ما يشاءون دون وازع من دين او ضمير او رقيب او حسيب.

    مضافاً إلى احتمال تأييدهم للحسين عليه السلام. فإنهم كانوا عالمين بأنه مقبل عليهم وقريب الوصول إليهم بالرغم من طول السفر وبعد المشقة. اذن فلعلهم يستطيعون رؤيته او معونته او نصرته او امتثال اوامره.

    صحيح : انهم لم يكونوا يعلمون بحادثة كربلاء كما وقعت، لأنها لم تكن قد وقعت. الا ان نصرتهم للأمام الحسين عليه السلام اجمالا ولقاءه وامتثال اوامره ايا كانت، هذا. مما كان هؤلاء الخاصة يستهدفونه بصراحة ووصوح . فإن بقي الحسين وانتصر بقوا معه. وإن قتل قتلوا معه. وعلى اي حال فينبغي لهم في التكليف الشرعي الذي يعرفونه، ان يحافظوا على حياتهم الآن ليطبقوا مثل هذا التكليف في المستقبل عند لقاء الحسين عليه السلام.

    بقي السؤال الذي يخطر في الذهن: وهو ان مسلم بن عقيل عليه السلام لماذا بقي متلدداً في ازقة الكوفة، وقد كان من الافضل له ان يلتجئ إلى بيت احد الثقاة من اصحابه او ان يخرج إلى البر ويلتحق بالاعراب فلا يعرفه احد.

    والجواب عن ذلك يكون على مستويات:

    المستوى الاول : ان مسلم بن عقيل سلام الله عليه رجل غريب في الكوفة لا يعرف بيوتها ولا طرقاتها. وقد كان اصحابه يقصدونه من منازلهم وهو لا يعلم اين تقع منازلهم . ولم يكن خلال هذه المدة التي عاش فيها في

    الكوفة متيسراً له المشي في الطرقات والتعرف على البيوت، لأنه كان بمنزلة القائد، فلا بّد له من البقاء في مركزه، وانما يشتغل له الاتباع فقط.

    المستوى الثاني : ان مسلم بن عقيل سلام الله عليه، ادرك لا محالة ما التفتنا إليه قبل قليل، من تفرق خاصته عنه، وادرك سبب ذلك. وهذا السبب مما ينغي ان يحترمه تجاههم، مضافاً إلى ادراكه كراهتهم البقاء معه في ذلك الحين . وكان اذا اراد متابعتهم فسوف يعمل ما يكرهونه ويدخل بيوتهم عنوة عنهم، ويبقى فيها فيكون حراماً عليه.

    المستوى الثالث ك انه لا يوجد في ذلك الحين من اصحابه من يستطيع حمايته على الاطلاق. لأن بعضهم كان قد سجن كهاني بن عروة والمختار بن عبيدة الثقفي وآخرون. اذن فدورهم مغلقة في وجهه، وهم منكوبون قبل نكبته. وبعضهم مراقب ومطارد . وليس اسهل على الحكام من ان يجدوا مسلماً في بيت احد اصحابه ، فإنها ارجح الاحتمالات لوجوده. بخلاف ما اذا تخفي في محل غير ملفت للنظر كما فعل.

    المستوى الرابع: ان خروجه بالبر لم يكن منجياً له، لأنه لم يكن يملك فرساً، او اية دابة في ذلك الحين، وانما كان يمشي راجلاً في الطرقات ومتعبا بعد يوم حافل بالنشاط والحركة.

    اذن ، فحتى لو خرج إلى البر فسوف لن يستطيع ان يبتعد كثيراً، حتى يطلع الصبح وسوف يدركه اعداؤه لا محالة . بل سوف يقبض عليه عاجلاً، لأن ابن زياد جعل في المدينة واطرافها عيوناً ساهرة تراقب الحال باستمرار . فما اسهل ما يعق مسلم بن عقيل بيد احد هؤلاء او جماعة منهم . اذن فما فعله سلام الله عليه كان افضل الاحتمالات وهو الالتجاء إلى محل غير ملفت للنظر على الاطلاق، عسى الله ان يكتب له فيه الخير.

    المستوى الخامس : انه قد يقع السؤال عنامكانه النجاة بالمعجزة او طي الارض ونحو ذلك. وقد ناقشنا ذلكفيما سبق والتفتنا إلى انه لم يكن في الحكمةالالهيةحصول المعجزات لنصرة اهل الحق. بل يبقى الامر مطابقاً للقانون الطبيعي باستمرار . والا لم تكن ايةحاجة إلى اي حرب خاضها رسول الله (ص) أو امير المؤمنين او الحسين عليهم السلام او اي شخص آخر.

    تآلب الناس ضده

    وكما نفينا فيما سبق امكان المبالغة في تآلب ضد الحسين (ع) كذلك ننفي هنا المبالغة في تآال الناس ضذ مسلم بن عقيل سلام الله عليه وذلك: ان مقتضى كلام الخطباء الحسينيين عنه: انه عليه السلام جمع الناس في احد الايام كجيش محارب وزودهم بالاسلحة وأمّر عليهم الامراء والقواد ونادى بشعار رسول الله (ص) يوم بدر : ((يا منصور امت امت))(307).

    واجتمعت إليه الكوفة برمتها. حتى اذا كان المساء نفسه تفرقوا عنه حتى بقي وحده يتلدد في ازقةالكوفة. فلما كان الصباح نفسه تآلبوا جميعاً ضده وقاتلوه حتى النساء والأطفال كانوا يرمونه من السطوح بالحدارة ويشعلون النار في اطناب القصب ويرمونها عليه.

    وهذه (خريطة ) ذهنية غير معقولة. ولئن كان يمكن حصولها في مدة طويلة، فلا يمكن حصولها في مدة قصيرة، في عشية واحدة. فلئن كان يمكن تفرق الناس عنه لمدى الضغط والمكر الذي مارسه ابن زياد واصحابه، غير انه لا يمكن تآلبهم ضده إلى هذه الدرجة. فإذا علمنا انه كان يحارب وحده حين هجموا عليه الدار، بقصد القاء القبض عليه. اذن لم يكن الحاكم في حاجة إلى جيش عرمرم ضده مهما كان شجاعاً ومقاتلاً بارعاً.
    ______________________________
    (307) تاريخ الطبري ج6ص207 – الكامل لابن الاثير ج3ص271 ط مصر.

    ويكفي ان يجد ابن زياد من اصحابه عدة مئات يكفونه المؤونة، بدون حاجة إلى ان نتصور إلى ان الكوفة كلها قد انقلبت ضده في عشية واحدة.

    وقد نظرت في المصادر التاريخية فوجدت ان الرمي من سطوح المنازل ضد مسلمبن عقيل. مذكور فعلاً(308) ، الا ان هذا لا يعني ان الشعب كله فعل ذلك، وذلك:

    أولاً : انه لا وجود لذكر النساء والاطفال الفاعلين لذلك.
    ثانياً : اننا لو سلمنا ذلك. فإنما هم شرذمة من عوائل اعدائه.
    ثالثاً : أن اصحاب بعض البيوت من اعدائه من الرجال فعلوا ذلك.
    رابعاً: ان الجيش المعادي له الذي ارسله ابن زياد للقبض عليه. وجد من الحيل للسيطرة عليه ان يدخل البيوت عنوة ويرميه البعض من السطوح بالحجارةوالنار. فإذا كان ذلك محتملاً. والاحتمال مبطل الاستدلال، فلماذا نفترض ما هو مستبعد في نفسه، وهو انقلاب الشعب كله ضده في عشية وضحاها.

    تأسيسه الجيش

    سمعنا قبل قليل ما نقله التاريخ من تأسيسه سلام الله عليه في ايامه الاخيرة من حياته ومن وجوده في الكوفة. جيشاً مهماًا أمرّر عليه القادة ونادى بشعار رسول الله (ص) واصبح هو القائد العام له. ولكنهم تفرقوا عنه بسبب مكر اعدائه.

    والمهم الان انه قد يخطر في الذهن سؤالان :

    الأول : انه لماذا اراد تاسيس الجيش مع اننا عرفنا فيما سبق انه غير مخوّل
    __________________
    (308) مناقب ابن شهر آشوب ج2ص212 – مقتل الخوارزمي ج1ص209

    بذلك . وان نص الرسالة التي ارسلها الامام الحسين عليه السلام معه لا يساعد على ذلك؟.

    الثاني : انه لماذا لم يحتل بهذا الجيش قصر الإمارة في نفس اليوم ويقضي على عبيد الله بن زياد ويستلم الحكم. ولقد كان ذلك افضل بكل تأكيد له وللحسين (ع) وللدّين عموماً، من هذا التأخير الذي حصل، والذي ادى إلى فشل تلك المهمة؟.

    اما السؤال الأول ، فيمكن ان يجاب عنه بعّدة مستويات:

    المستوى : ان تأسيس هذا الجيش لمجرد الدفاع عن الوضع الذي كان فيه مسلم بن عقيل عليه السلام واصحابه. أو قل: انه محاولة لإرجاع الوضع المرتبك الذي استطاع ابن زياد زرعه ضده، إلى اول حالة من حرية التحرك والكلام. واذا كان هذا الجيس لمجرد الدفاع لم يكن فيه بأس على الاطلاق لانه لا يستلزم اهراق اي دم.

    المستوى الثاني : ان تأسيس الجيش والسيطرة على الحكم في الكوفة وان لم يكن مذكوراً في كتاب الحسين عليه السلام، غير ان مسلم بن عقيل، ضمناً مخول لا محالة بأن يفعل في الكوفة كل ما يرى فيه المصلحة والاصلاح. فإن وجد في حال الكوفة ومن حال اصحابه امكان او وجوب تأسيس مثل هذا الجيش، لم يكن فيه بأس، حتى لو استلزم الحرب واراقة الدماء. لكننا سبق ان قلنا ان مسلماً سلام الله عليه كان يتجنب ذلك جهد الامكان ، لكي لا يكون مسؤولاً امام الله سبحانه في التسبيب لضرب المجتمع بعضه بعضاً وهو جديد عهد بالاسلام . وقد فعل ذلك إلى آخر لحظات حياته.

    مضافا إلى اننا يحسن ان نلتفت إلى انه اذا كان قاصداً للسيطرة على الحكم، فالمظنون جداً، انها سوف تتم بدون اراقة دماء على الاطلاق او بدماء

    قليلة جداً. لا مكان السيطرة على قصر الامارة بسهولة وسرعةمع نجاح الجيش العقيلي وانضباطه.

    المستوى الثالث: ان تأسيس هذا الجيش، ليس لكل ما ذكرناه، بل لاستقبال الحسين عليه السلام به حين يرد الكوفة، فيرد على جيش منظم ومن نقطة قوة عالية وكافية. وهذا سبب محترم جداً لانتصاره وسيطرته على العراق كله لو شاء الله له الاستمرار.

    ومسلم عليه السلام. وان لم يصرح بذلك لاحد لكنه من الارجح جداً، ان يكون قد احتمل ذلك واذا تم له الجيش لم يكن في الادارة المعادية له في الكوفة أية اهمية عملية وهي ضعيفة عندئذ، بل يمكن السيطرة عليها لحظة ورود الحسين عليه السلام، اوقبل ذلك لو اقتضت المصلحة ذلك.

    واما الجواب على السؤال الثاني : فلعل نفس اثارة السؤوا ليعتبر هذراًوسخفاً، وان كان طالما خطر في عدد من الاذهان، لوضوح ان العمل الجاد والحقيقي يكاد ان يكون مستحيلاً في اليوم الاول. حين لم يكن الجيش مرتباً ولا مضبوطاً لحد الآن، وانما يعتبر اليوم الاول جمعاً للافراد وتسجيلاً لهم في هذا الجيش . وينص التاريخ ان الكوفة بقيت خلال ذلك اليوم في حركة ولغط طيلة ذلك اليوم(309)، وليس هناك من هدف لهم الا التجمع وتطبيق الشعار الذي قاله مسلم بن عقيل سلام الله عليه. وان مسلم نفسه فمع استمرار هذا الارتباك والغط وكثرة الحركة، فمن المتعذر عليه اصدار الامر باحتلال قصر الإمارة بهذه السرعة والسهولة. ولعل فيه او في خارجه من يحارب إلى جانبه فيسفحل الامرإلى مالا تحمد عقباه.

    ونحن لوالتفتنا إلى تفرق الناس عن مسلم عليه السلام لمجرد التهديد
    __________________________
    (309) مقتل الخوارزمي ج1ص207 - مروج الذهب للمسعودي ج3ص69

    والخديعة ، فكيف لا يكون تفرقهم عنه اذا دخلوا تحت ضغط الحرب الحقيقة.

    وهذا امر لايفوت ادراكه لمسلم عليه السلام وقد عاشرهم هذا الردح من الزمن . اذن فتأسيسه للجيش ليس للحرب الفعلية وانما للدفاع الفعلي، او قل للاطمئنان الفعلي ودفع مكر الاعداء عنه أولاً. وانتظار دخول الامام الحسين عليه السلام إلى الكوفة ثانياً. ثم يكون هو المتكفل بما يفعل ويأمر بعد ان ساعده مسلم عليه السلام بتأليب القلوب والنفوس إلى جانبه. غير ان كل ذلك أو غير ذلك، فمما لا يذعن له اعداؤه بطبيعة الحال. ومن هنا تسبب ابن زياد إلى افشال هذه المهمة على كلك حال.

    اسئلبة حول واقعة الطف

    بعد ان انتهينا من المهم من موارد ومقدمات واقعة الطف، لو صح التعبير. فلنا الان ان نلتفت غلى الواقعة نفسها لنسمع ما قد يثار حولها من استفههامات يمكننا ان نعرضها في الجهات التالية:

    الجهة الأولى : انه ورد في التاريخ (ان الحسين عليه السلام جمع اصحابه ليلة اليوم العاشر من محرم واذن لهم بالانفصال عنه والتفرق في البلدان لكي ينجوا من القتل. وقال فيما قال : ((الا واني لأظن يومنا من هؤلاء الاعداء غداً. الا واني قد اذنت لكم جميعاً. فانطلقوا في حل ليس عليكم مني حرج ولا ذمام . وهذا اليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً . ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من اهل بيتي ، وتفرقوا في سواد هذا الليل. وذروني وهؤلاء القوم ، فانهم لا يريدون غيري، ولو اصابوني لذهلوا عن طلب غيري))(310) . فرفضوا ولم يتفرقوا ) . فهنا قد ترد عدّة اسئلة :

    احداها : لماذا اذن لهم بالتفرق عنه مع حاجته إليهم في الدفاع عنه؟
    ثانيها : لماذا لم يتفرقوا عنه وماذا كان هدفهم في ذلك؟.
    ثالثها : انهم كان يجب عليهم ان يهربوا لان التعرض للقتل حرام . فلماذا لم يفعلوا؟.

    اما عن السؤال الأول : فأول خطوة ينبغي اتخاذها بهذا الصدد هو نفي ما زعمه السائل من ان الحسين عليه السلام كان محتاجاً إلى اصحابه في الدفاع
    _________________
    (310) تاريخ الطبري ج6ص238 - الكامل لابن الاثير ج4ص24 – الخوارزمي ج1ص246

    عنه. بل لم يكن من حاجة إلى ذلك أصلاً. لانه يعلم انه مقتول لا محالة ، ولم يكن في وضع يؤهله للنجاة طبيعياً بكل صورة . ولم يكن كل اصحابه بالعدد الكافي للدفاع عنه ، وانما يدور الامر بين مقتله وحده او قتله مع اصحابه . اما التسبيب إلى نجاته فهو غير محتمل اطلاقاً.

    وقد كان ذلك غير محتمل في زمن سابق: حال وجوده في الحجار او حين بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهو في الطريق، او حين جعجع به الحر الرياحي . ففي مثل وقته هذا وتجمهر عليه الجيش كله يكون العلم بالنتيجة اولى وروداً واوضح ثبوتا. هذا مضافا إلى ما حصل فعلاً، تاريخياً، وهو ان اصحابه صمدوا معه وحاربوا إلى جنبه، ومع ذلك لم يدفعوا عنه القتل وهذا كان معلوماًُ. سلفا، وقد ثبت بالتجربة صدقه.

    فإذا انتفت حاجته إليهم عملياً لم يكن هناك اشكال شرعي في الاذن لهم بالتفرق، و لا يجب عليه الاحتفاظ بهم، سوف لن يسعفوه بشيء.

    بل الامر قد يكون بالعكس، وهو انه عليه الصلاة والسلام قد يحس بتكليفه الشرعي بلزوم امرهم بالانصراف، انفاذاً لهم من الموت الذي يمكن ان يكونوا في غنى عنه . مضافاً إلى جهة اخرى، وهي : الحفاظ على النفوس سعني الحفاظعلى جماعة من المؤمنين الذين يصلحون للدعوة إلى قضية الحسين عليه السلام وهداية الناس. قود قام عليه السلام بهذه المهمة. ومن هنا قد يتخيل الفرد انه يجب عليهم ان يتفرقوا لاجل احراز هذه النتائج. وسيأتي الكلام عنه.

    الا ان الحقيقة ان المقصد الرئيسي. حسب ما نفهم لم يكن هو ذلك بل كان لأجل اختبار هممهم في نصره وفي السير في سبيل الشهادة وتحصيل طاعةالله ورضاه سبحانه من هذه الناحية . ومن هنا يمكن ان يقعوا تحت طائلة نفسية قوية في التضاد او في الشعور المتضاد في ضرورة البقاء وضرورة الذهاب. الا انهم مع ذلك لم يفكروا طرفة عين في الذهاب بل ادركوا بكل وضوح ضرورة

    البقاء مع الحسين ونيل الشهادة بين يديه. جزاهم الله خير جزاء المحسنين. وبذلك صاروا افضل الشهداء على الاطلاق(311).
    ___________________________________________
    (311) ويمكن الاستدلال على ان اصحاب الحسين (ع) هم افضل الشهداء وذلك على مستويين:

    الأول: وهو قول الامام الحسين (ع) عندما خطب باصحابه ومن معه من آل هاشم ليلة العاشر من المحرم حيث قال : ((اما بعد فاني لا اعلم اصحاباًاوفى ولا خيراً من اصحابي ولا اهل بيت ابر ولا اوصل م اهل بيتي فجزاكم الله جميعاً عن خيراً........ الخ)) (نقله ابن طاووس في اللهوف – والفتّال في روضة الواعظين – والطبري في تاريخه – وابن الاثير في الكامل – والخوارزمي في مقتله - والمفيد في الارشاد – وابن شهر آشوب في المناقب وغيرهم كثير).
    وبهذا يكون قد صررّح الامام (ع) ان اصحابه افضل الاصحاب فقوله (..... لا اعلم......) ينفي فيها عن وجود اصحاب افضل من اصحابه قد وجدوا قبل زمانه ان كان قبل الاسلام او بعد الاسلام ممن صاحب جده الرسول (ص) أو أباه امير المؤمنين (ع) أو أخاه الحسن (ع) بل يتعدى الامر إلى ما بعد زمانه باعتبار ان الائمة (ع) ومن ضمنهم الامام الحسين (ع) يعلمون من جدهم الرسول (ص) ما يحدث بعدهم إلى يوم القيامة.

    الثاني : انا لو اخذنا اصحاب النبي (ص) وبالخصوص البدريون (باعتبار انه الصحابة الاوائل او افضل الصحابة بشهادة جميع المذاهب الاسلامية وفيهم يضرب المثل وجعلهم القدوة لمن اراد الجهاد في سبيل الله فترى الامام (ع) يخاطب ابا الفضل (ع) عند زيارته واستشهد انك مضيت على ما مضى عليه البدريون-). وقارنا بينهم وبين اصحاب الحسين (ع) لوجدنا فروق كثيرة بين الفريقين وبالاخص ممن قتل بين يدي رسول الله (ص) في بدر وبين يدي الحسين (ع) في كربلاء ومن هذه الفروق ((وبما يسمح به المقام)):
    1- ان اصحاب رسول الله (ص) البدريين حينما خرجوا مع النبي (ص) إلى بدر كان عنوان خروجهم الغنيمةوذلك بالاستيلاء على قوافل قريش ولكن عندما فاتهم ابو سفينان وجاء ابو جهل ومن معه واصرّ على محاربة الرسول (ص) عند ذلك وطّد الرسول نفسه ومن معه للقتال فتغير العنوان من حرب اقتصادية إلى حرب عسكرية بينما اصحاب الحسين (ع) فققد كانوا يعلمون منذ البداية انه لا يوجد غنيمة وانما ذهابهم إلى موت لا بد منه فالحسين اخبرهم بهذا منذ بداية خروجه فنراه مثلاً في احدى خطبه يقول (( ..... وكأني باوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوا ت بين النواويس وكربلاء ......... الخ)).
    اذن اصحاب الحسين كانوا يعلمون انهم قادمون إلى ا لموت وليس إلى الغنيمة بل للقتال فقط.
    2- ان اصحاب الرسول (ص) وعدوا باحدى الطائفتين (واذ يعدكم الله إحدى الطائفتين انها لكم)
    الانفال /ص أي اما الابل (والتي تحمل الاموال والغنائم ) واما النفير (أي القتال ونتيجة الحرب=




    ____________________________________________-
    = تكون لهم ) . وكلا الطائفتين فيها فائدة دنيوية اضافة إلى الثواب الاخروي اما الحسين (ع) فلم يخبر اصحابه الا بطريق واحد وهو الموت الذي يؤدي بهم إلى دخول الجنة.
    3- من الناحية العسكرية : ان الجيش الذي واجه الرسول في بدر لم يكن جيش دولة منظمة انما كان جيش قبلي (أي عشارئري وتركيبته تركيبة قبلية اما الجيش الذي زحف إلى الحسين (ع) فقد كان جيشاً نظامياً فهو يمثل جيش دولة كبرى وهذه الدولة استفادت من تجاربها بحروبها مع الغرب والشرق (كالروم والفرس) ببناء جيش منظم . اذنت فتركيبته من الناحية الفنية العسكرية يختلف تماماً عن الجيش الذي واجه الرسول (ص) في بدر.
    4- من الناحية التعبوية : فلواخذنا النسبة بين اصحاب الرسول(ص) وبين المشركين الذين قاتلوهم في بدر فهي الثلث تقريباً لان المسلمين كانوا (313) بينما المشركين كانوا في حدود الألف تقريباً. اما لو اخذنا النسبة بين اصحاب الحسين (ع) إلى نسبة الجيش الزاحف عليهم لوجدناهم ثلث عشر العشر على اقل تقدير. فلو اخذنا الرواية التي تقول ان اعداء الحسين الذين قاتلوه في كربلاء (30 ألف ) والتي هي عن الامام الحسين (ع) واخذنا اكبر رقم ذكر عن عدد اصحاب الحسين والذي هو مئة فنجد النسبة بينهما ثلث عشر العشر لان عشر (30000) (3000) وعشر الثلاثة الاف هو ثلاثمائمة وثلثها مائة.
    5- ان اصحاب الرسول (ص) كان لديهم وضوح في المعركةبشكل كامل ذلك لان معركةبدر كانت بين كفر صريح يمثله ابوجهل وعتبة واضرابهم وبين الاسلام الذي يمثله المصطفى (ص) فهو واضح ليس فيه لبس بينما في معركة الطف كانت هناك عدة فتن وشبهات تغص بها الامة الاسلامية فمن تلكالفتن مثلاً ان كلا المتقاتلين ينتمون إلى الامة الاسلامية فهما ذات قبلة واحدة ظاهراً اضافة إلى الفتن الاخرى كفتنة الخلافة وهل هي بالتعيين ام بالشورى وفتنه مقتل الخليفة الثالث وما ترتب عليه من الحروب الثلاثة(الجمل وصفين والنهروان) والاحاديث التي خرجها بنو اميةفي طاعةولي الامر المطلقة سواء اكن عادلاً او جائراً........ وان الحسين قد خرج على امامه وخليفة عصره (اي يزيد) وانه بخروجه يلقي نفسه في التهلكة المحرمة وشق عصا المسلمين بذلك وجعل الفتتنةبينهم وقتل الكثير منهم .......... الخ مما كان يجعل وجود شبهات وتساؤلات حول نهضة الحسين (ع).
    6- ان اصحاب الرسول (ص) عند خروجهم لواقعةبدر تركوا عوائلهم في المدينة وبذلت قد اطمئنوا عليهم وانهم في امان اما الحسين (ع) وكثير من اصحابه كانت عوائلهم معهم وهنا يكون خوفهم على عوائلهم من السبي والاذى امر راجح جداً فيكون سبب مهم في تخاذلهم ورجوعهم عن القتال للحفاظ على تلك العوائل والاعراض.
    7- ان الرسول واصحابه سددوا بتسهيلات كثيرة من السماء كنزول الملائكة للقتال معهم وهطول المطر لاطفاء ضمأهم وتسديد الرمية التي يرمونها والربح التي اقتلعت اخبية الاعداء والحصى التي رمى=


    فهذا هو مختصر الكلام في الجواب عن السؤال الاول .

    واما السؤال الثاني وهو عن سبب التحاقهم به وعدم تفرقهم عنه – بالرغم مما سبق قبل قليل من احتمال وجوب ذلك في ذممهم-.

    فجواب ذلك يتم على عدة مستويات نذكر منها:

    المستوى الأول : ان المهم في نظر المؤمن ليس هوالنظر إلى التكليف الشرعي بالذات ، بل إلى رضاء الله عزوجل ، وانما يكون تطبيق التكليف وطاعته مقدمةلذلك واسلوباً لتحصيله . فإذا احرز الفرد ان هناك منبعاً لرضا الله عزوجل، وانما يكون تطبيق التكليف وطاعته مقدمة لذلك واسلوباً لتحصيله. فإذا احرزالفرد ان هناك منبعاً لرضا الله عزوجل افضل واهم واعلى من مجرد تطبيق بعض الاحكام، كما احرزاصحاب الحسين عليهم السلام، كان لهم بل لزمهم اختيار الافضل والمحل الاعلى لا محالة.

    المستوى الثاني : امكان المناقشة في ذينكالتكليفين اللزوميين الذين اشرنا إليهما فيما سبق، وذلك بالقول انهما كان ساقطين تماماً عن ذمة هؤلاء الجماعة الناصرين للحسين عليه السلام. بالرغم من ان مقتضى القواعد المعروفة ثبوتها في كثير من الموارد الأخرى.

    أما التكليف الشرعي بهداية الناس والدفاع الكلامي عن قضية الحسين
    __________________
    = بها الرسول جبهة المشركين فانهزموا على اثر ذلك والنعاس كما في قوله (اذ يغشيكم النعاس أمنة منه) الانفال/11 لتستريح اعصابهم والامر الاخر ايضاً ان الله قلّل عدد المشركين في اعين المسلمين ...... الخ اذن فهناك تسديدات وتسهيلات سماوية لاصحاب الرسول 0ص) اما الحسين (ع) واصحابه لا يستحقون ذلك انما شاء الله ان تسير الامور في واقعة الطف بشكل طبيعي.بل وبوجود بعض الابتلاءات للحسين (ع) واصحابه كابتلاءهم بالعطش بقطع الماء عنهم.

    - فلو علمنا(كما اشرنا إلى ذلك مسبقاً) ان شهداء بدر على ما قيل هم افضل الشهداء فمع هذه الفروق وغيرها يكون اصحاب الحسين (ع) قد تفوقوا عليهم وبذلك تكون الافضلية لهم.

    خاصة والدين عامة. فلأن ذلك كله لم يكن يتوقف عليهم و لايستند إليهم .

    بل هم يعرفون ، وجود ناس آخرين على قدر الحاجة متفرقين في البلدان يمكن ان يقوموا بهذه المهام، ومن المعلوم انه مع وجود ما يكفي للحاجة يكون التكليف الالزامي الكفائي ساقطاً عن الاخرين.

    واما المحافظة على النفس وحرمة القاء النفس في التهلكة، او قل وجوب الهرب عن مثل هذا السبب، فلا شك أنهم علموا بجواز البقاء مع الحسين عليه السلام ، حتى لو اذن لهم بالتفرق. فإنه لم يأذن لهم الزاماً وانما اذن لهم جوازاً للقتل، اذن فقد سقط تكليفهم بذلك امام الله عزوجل. فلم يبق امامهم الا البقاء وتحصيل المقامات العليا التي ينالونها بالشهادة.

    المستوى الثالث : مستوى الامتحان او التمحيص الذي مروا به واحسوا به.

    وقد اسلفنا انه من الواضح ان المقصود الرئيسي للحسين عليه السلام في الاذن لاصحابه بالانصراف هو امتحان درجة همتهم في نصره واستعدادهم للفداء دونه، ومن هنا ورد في الرواية : (( ولقد بلوتهم وخبرتهم فلم اجد فيهم الا الا شوس الاقعس يشتاقون إلى المنيةي دوني اشتياق الرضيع إلى محالب امه))(312).

    فهذه هي نتيجة التمحيص والامتحان وهي نتيجة ناجحة. ولو كانوا قد قالوا غير ذلك لفشلوا في نظر الحسين عليه السلام ولم يؤدوا تكليفهم الكامل امام الله واما امامهم ومصدر شريعتهم. والظاهر ان فيما ذكرناه الكفاية عن الدخول في المزيد منالتفصيل.
    _____________________
    (312) الدمعة الساكبة ص325

    الجهة الثانية : قالوا في تاريخ واقعةالحسين عليه السلام: (ان العباس عليه السلام حين ذهب ليملأ القربة بالماء، وحارب اعداءه إلى ان وصل إلى ضفة النهر، قالوا : ثم اغترف غرفة من الماء وادناها من فمه ليشرب ثم رمى بها من يده وقال :

    يا نفس من بعدالحسين هوني وبعده لا كنت ان تكوني
    هذا الحسين وارد المنون وتشربين بارد المعين
    تا لله ما هذا فعال ديني )(313)

    فقد يخطر في البال السؤال عما اذا كان الأولى بالعباس عليه السلام شرب الماء للتقوّي على الاعداء ، ومن ثم نصرة الحسين عليه السلام، ومن ثم نصرة الحسين عليه السلام ، ومن ثم نصرة الدين اساسا؟

    الا انه ينبغي ان يكون الجواب واضحاً، بعد كل الذي سبق ان عرفناه وذلك على عدة مستويات، نذكر منها:

    المستوى الأول : أنه لم يكن يوجد اي سبب في ذلك الحسين مما يؤدي إلى نجاة الحسين عليه السلام من القتل فحتى لو شرب العباس الماء بالمقدار الذي يحتاجه جسمه اواكثر ، وتشجع وقاتل اكثر مما قاتل، فإنه لم يكن بالممكن ان نيجو هو ولا اخوه الحسين عليه السلام من القتل، بل السبب لقتلهم موجود ومتحكم لا محالة.

    المستوى الثاني : انه وجد من الخيانة لاخيه وذويه ان يكون ريّاناً بالماء وهم عطاشى ، وهذا ما يصرح به التاريخ(314) . وقد نطق به الشعر الذي نقلناه عنه بصراحة. وهو ادب اسلامي عالي امام الله سبحانه . ومن هنا قال ا: (تا لله
    ____________
    (313) البحار للمجلسي ج45 ص41 - رياض المصائب ص313
    (314 ) نفس المصدر


    ما هذا فعال ديني)).

    المستوى الثالث : انه شعر بتكليف في ذلك الحين بوجوب الاعراض عن شرب الماء واطاع تكليفه ذاك. وهذا الشعور يكون باحد اساليب : اما بالالهام او بالرواية عن رسول الله (ص) اوعن فاطمة الزهراء عليها السلام، كما نقل عن بعض الروايات(315).

    المستوى الرابع : انه عليه السلام اراد ان يموت عطشاناً عمداً، امام الله سبحانه ، لأن ذلك اكثر اجراً واعلى مقاماً . ومن هذا القبيل ما روي عن ابيه امير المؤمنين عليه السلام: انه دعاه اخوه(316) في بعض الايام في منزله على مأدية ، فأكل ثلاث لقم فقط ثم سحب يده فقال له (هلاّ اكلت يا امير المؤمنين) فقال : (ان هي الا ثلاث وأريد ان القى ربي حميصاً))(317).

    اذن فكما ان امير المؤمنين يريد ان يلقى الله جوعاناً فكذلك ابه العباس يريد ان يلقى الله عطشاناً.

    وينبغي ان نلتفت ان المستوى الاول هو الاهم فقهياً. وهو الذي فتح الباب للعباس عليه السلام إلى احد المستويات الثلاثة الأخرى لوضوح ان شرب الماء لو كان سبباً للنجاة كان واجباً، ولا تقوم امامه المستويات الاخرى اطلاقاً.
    الا انا عرفنا انه لا يحتمل في ذلك.

    الجهةالثالثة : انه نقل الينا التاريخ ان علي بن الحين الاكبر عليه السلام خرج غلى الحرب فترة من النهار . ثم رجع إلى الحسين عليه السلام فقال : ((يا أبه
    _____________________
    (315) مقتل الخوارزميم ج1ص162
    (316) ومراد سماحة المؤفلف هنا هو اخو ابي الفضل العباس لا امير المؤمنين (ع) فهذه الرواية ذكرها المؤرخون في اخر حياةامير المؤمنين (ع) في شهر رمضان عندما كان يفطر ليلة عند ولده الحسن (ع) واخرى عند الحسين (ع) وثالثةعند عبد الله بن جعفر.
    (317) الكامل لابن الاثير ج3ص195


    العطش قد قتلني وثقل الحديد قد اجهدني. فهل إلى شربة اء من سبيل اتقوّى بها على الاعداء)). فبكى الحسين عليه السلام وقال : ((واغوثاه من اين آتى لك بالماء . قاتل قليلاً . فما أسرع ما تلقى جدك رسول الله ، فيسقيك بكأسه الاوفى شربة لا تضمأ بعدها ابدا))(318).

    وروي ان الحسين (ع) قال له : ((يابني هات لسانك. فأخذ لسانه فمصه ودفع إليه خاتمه الشريف: وقال له : يا بني امسكه في فمك وارجع إلى قتال عدوك))(319).

    اقول : وفي النتيجة انه لم يدفع له شربة ماء . فقد يثار السؤال عن السبب في ذلك وخاصة عن استعمال المعجزة في هذا الصدد؟.

    وجواب ذلك على عدة مستويات نذكر منها:

    المستوى الأول: ما يشبه ما ذكرناه في المستوى الرابع من الحديث عن البعاس عليه السلام. من ان المصلحة عند الله عزوجل. تقتضي ان يستشهد عطشاناً هكذا اراد له ابوه، وهكذا اراد لنفسه وقبل العرض من ابيه.

    المستوى الثاني : ان المستوى الطبيعي او السبب الطبيعي كان متعذراً تماما. ولذا قال الحسين (ع) في الرواية (واغوثاه من اين آتى لك بالماء)) . واما مستوى المعجزة، فقد سبق اكثر من مرة ان اسلوب الاسلام من عصر النبي (ص) فما بعده لم يكن قائماً على ذلك (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة)(320). ولا شك ان اسلوب المجزة يختلف عن ذلك.

    المستوى الثالث : ما تقوله الرواية عن انه مد له لسانه واعطاه خاتمة وكلنا نعرف ان اللعاب يمكن ان يتحلب مع وجود شيء في الفم، فيشعر الفرد
    ____________________
    (318) مقتل الخوارزمي ج2ص13 - اللهوف لابن طاووس ص48 – ابن نما الحلي ص51
    (319) نفس المصدر – البحار للمجلسي ج45ص44
    (320) سورة الآنفال. آية 42

    بشيء من الارتواء. ويساعده ذلك على تحمل الحرب.

    الجهة الرابعة : قالوا : كما في بعض المقاتل عن رضيع للحسين (ع) : (ثم اتى به نحو القوم يطلب له الماء. وقال : (( ان لم ترحموني فارحموا هذا الطفل)). فاختلف العسكر فيما بينهم فقال بعض(ان كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار) وقال اخرون : (لا تبقوا لاهل هذا البيت باقية). وكادت الفتنة ان تقع بينهم . فصاح ابن سعد في حرملة بن كاهل : (اقطع نزاع القوم). قال : فوضعت السهم في كبد القوس . وقلت : (أللوالد ام للولد). قال : (بل الولد). فرميته وهو في حجر ابيه فذبحته من الوريد إلى الوريد فتلقى الحسين الدم بكفه ورمى به نحو السماء)(321) .

    فقد خطر في الذهن : انه لماذا اخذ الحسين رضيعه إلى جانب الاعداء؟.

    مع انه من الواضح حصول قتله على ايديهم . وهو امر لا يخفى على الحسين (ع) حتى بالتسبيب الطبيعي فضلاً عن العلم الالهامي . ويمكن الجواب على ذلك على عدة مستويات نذكرمنها:

    المستوى الاول : اقامة الحجة على الاعداء ، وفضحهم في النتيجة . اذا يثبت بالحس والعيان قتلهم للاطفال والعزل. وهو امر يثبت على عدة مستويات منها: امام افراد الجيش المعادي نفسه. ومنها : اما الجيل المعاصر للحسين (ع) ومنها: امام الاجيال المتاخرة عنه. ودلاله ذلك ما سمعناه عن المؤرخين من وقوع الخلاف بين افراد الجيش المعادي . فقال بعض المنصفين منهم : (اذا كان ذنب للكبار فما ذنب الاطفال (او الصغار)) وقال بعض المعاندين : (لا تبقوا لاهل هذا البيت باقية). فقد حصل التمحيص والامتحان آنياً فضلاً عن اقامة الحدة في المدى القريب والبعيد.
    __________________________
    (321) مناقب ابن شهر آشوب ج3ص257 - مثير الاحزان لابن نما ص52 – اللهوف لابن طاووس ص49.

    وينبغي ان نلتفت ايضاً: إلى ان هذا المستوى من التفكير يقتضي التسليم بان الحسين (ع) راى ان اقامة الحجة امام الاعداء ذو مصلحة اكيدة حتى لو فدى في سبيلها ولده الرضيع. وهذا امر مقنع وجداناً لأن ما حصل من فضيحة هؤلاء لم يكن له مثيل.

    المستوى الثاني : ان الحسين (ع) اراد التضحية بولده امام الله سبحانه قبل موته واستشهاده. ومثله ما روي عن العباس (ع) حيث قال لاخوته الذين كانوا معه في واقعة الطف : ((تقدموا يا بني امي لكي احتسبكم امام الله سبحانه))(322) فهو يعتبر استشهاد اخوته عملاً وطاعة له شخصياً. ففي مثل ذلك فكر الحسين (ع).

    المستوى الثالث : ان الامام الحسين (ع) نفذ قضاء الهل وقدره الذي يعلمه بالالهام او بالرواية . والذي لم يكن منه بد، بل كان واجباً عليه تنفيذه كوجوب صلاة الظهر علينا. وقد ضحى به امتثالاً لامر الله سبحانه وتسلمياً لقضائه. ومن هنا ورد عن نسائه: شاء الله ان يراهن سبايا وعن طفله شاء الله ان يراه مذبوحاً. والمشيئة اما ان تكون تكوينية يعني من القضاء والقدر او تشريعية يعني التكليف والوجوب. وهي على كلا التقديرين محبوبة لاهل الله سبحانه ومنهم الحسين (ع). وهناك مستويات اخرى من الوجوب لاحاجة إلى التطويل بها.

    الجهة الخامسة : ((روي انه كان من جملة اساليب المحاربة ضد الحسين (ع) بعد مقتل اصحابه واهل بيته: انه رماه احد القوم بسهم محدد مسموم له ثلاث شعب وقع على صدره. وفي بعض الروايات : وقع على قلبه فأخذ السهم فاخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزان )(323).

    ___________________
    (322) اعلام الورى للطبرسي ص248 - البحار للمجلسي ج45 ص38 بتصرف
    (323) اللهوف لابن طاووس ص51 - الخوارزمي ج2ص34 – البحار ج45ص53

    فهنا قد يحصل سؤالان:

    السؤال الأول : كيف يمكن ان يكون للسهم ثلاث شعب وهذا غير معهود في التاريخ، بل لا يصلح مثل ذلك للرمي كسائر السهام؟

    والسؤال الثاني : عن اخراجه من قفاه . وهل يمكن ذلك؟ واذا امكن فهو يؤدي إلى الوفاة فوراً، مع ان هذا لم يحصل؟.

    اما الجواب عن السؤال الاول : فبعد تسليم صحة سند الرواية. لا نجد انها تشير إلى ان الشعب الثلاث متساوية في الارتفاع ام لا. ولا انها قد اصابت جميعاً صدر الحسين عليه السلام. بل من المكن انه يكون له رأس واحد كبير ورأسان اصغر منه والتأثير الاساسي سواء في الرمي او في الاصابة للكبير دون الصغيرين. وانما تأثيرهما جانبي او قليل و لا يمنعان الرامي من الرمي ولا السهم من الانطلاق. مضافاً إلى انه من المحتمل ان تكون الشعب الثلاث من خلف النبلة لا من امامها.

    واما الجواب عن السؤال الثاني : بعد تسليم صحة سند الرواية أيضاً، احتمال ان يكون الضمير في قولنا: اخرجه من قفاه، يعني السهم ، اي سحب السهم من قفاه. وهو امر اعتيادي وما لا بد من وقوعه، لو كان في الفرد جرأة على سحب السهام من جسمه. وانما تدفق الدم بكثرة باعتبار كثرة انغراسه في جسم الحسين (ع) ووجود شعب فيه.

    هذ1 مضافاً إلى ان الضمير المشار إليه اذا أرجع إلى الحسين (ع) امكن القول ، بأن السهم لم يقع في وسط صدره بل في احد جانبيه نسبياً.


    ومن هنا لم يكن اخراجه من القفا مستلزما لتشقق القلب او احدى الرأتين لتحدث الوفاة السريعة.

    واما عدم تأثير السم فيه سريعاً، مع انه وردنا في التاريخ كون السهم

    مسموماً(324) كما سمعنا. فإن ذلك يعزى إلى تدفق الدم بكثرة الامر الذي اوجب خروج المواد السامة مع الدم بعد سحب السهم نفسه.

    هذا وفي كل ذلك فإن الاحتمال مبطل للاستدلال وقاطع للسؤال. ولا نحتاج إلى الجزم او التأكيد على احد الوجوه بالذات.

    الجهة السادسة : وردنا في التاريخ (انه بععد ان حارب الحسين (ع) اعداءه وسقط على الارض أمر قائد الجيش المعادي جماعة منهم ان يركبوا الخيول ويدوسوا بحوافرها جسد الحسين (ع) . فانتدب له عشرة من الفوارس فداسوا جسد الحسين بخيولهم حتى رضّ,ا ظهره وصدره)(325).

    وقد سمعت شخصاً من يستشكل على ذلك بما مؤداه: (انني راكب مجيد للخيل واعرف طبائعها. فهي تقفز القفزة الطويلة وتتحاشى في طريقها العوائق. ومن المعلوم ان جسد الانسان مهما يكن ضخماً لا يعد عائقاً مهماً عن سير الفرس. مما يسبب استبعاد ان يتعمد الفرس وضع حوافره على جسد الانسان. بل سوف يتجنبه لا محالة).

    مضافاً إلى سؤالين اخرين لا يخلوان من اهمية:

    السؤال الأول : ان الخيل لو داست الجسد الشريف او جسد اي اناسن، فسوف لن تؤثر فيه اثراً يذكر لصلابة لحمه وقوة عظمه.

    والسؤال الثاني : ان المتوقع ان تتحامى الخيل وتتجنب عن عمد الدوس على الجسد الشريف وتعصى راكبيها، وان كانت حيوانات. لان الجسد الشريف من وضوح الاهمية والعظمة بحيث لا يخفى حتى على الحيوانات وخاصة لحيوان ذكي كالفرس. او لان هذه مهانة لا ينبغي ان
    ____________________________________________
    (324) المصدر السابق.
    (325) تاريخ الطبري ج6ص161 – الارشاد للمفيد ص242 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص259
    - اللهوف ص57 – ابن نما ص59 - الخوارزمي ج2ص38 .

    يريدها الله عزوجل لوليه الجليل(ع) فلا بد ان يصرف هذه الحيوانات عند عملها هذا على كل حال.

    أما الجوا ب عن السؤال الأول ، وهو الرئيسي الذي عرضناه في هذه الجهة، وهو عن تجنب الفرس الدوس على جسد انسان بل نراها تطفر فوقه لا محالة. وهذا صحيح لو نظرنا إلى طبيعة الفرس. في الظروف الاعتيادية أو قل: اذا نظرنا إلى السير الاعتيادي للفرس الا ان هذا النظام سوف يختل بكل وضوح لو اراد راكبها على ان يكون فارساً ماهراً، بأن يأمرها أو يقهرها على ان تدوس على اي شيء، فهي سوف تفعل لا محالة.

    وهذا واضح لا ينبغي الشك فيه. ومعه ينسد ذلك السؤال تماماً بل يبدو سخفه وضعته.

    واما السؤال الثاني: وقد كان عن صلابة الجسد بحيث لا يمكن ان تؤثر فيه الخيل فهو اسخف من سابقه، لاننا ان تحدثنا عن اليدين والرجلين ، كان لهذا السؤال قسط من الوجاهة واما لو تحدثنا عن الجسد نفسه او ما يسمى بالجذع طبياً، وهو المتكون من الصدر والبطن فلا وجه للسؤال اصلاً.

    واما السؤال الثالث: وهو عنتجنب الحيوان فعل ذلك هيبة للحسين (ع) واجلالاً:

    فجوابه : ان هذا انما يكون بالمعجزة دون غيرها وقد كررنا عدم امكان وقوعها في مثل ذلك واذا اراد الله سبحانه مزيد البلاء لمزيد الثواب للحسين (ع)، ففي قدرته جل جلاله: ان يحجب هيبة الحسين وعظمته عن هؤلاء الحيوانات، ويدعها تعمل على المستوى الطبيعي ومن المعلوم ايضاً ان الله عزوجل حين يريد المزيد من البلاء ، فإن جزءاً مهماً منه سيكون هو تحمل المهانة لا محالة وهذا لا ينافي ما قلناه في اول هذا البحث من ان الحسين (ع) لم


    يجد الذلة ولم يمر بها على الاطلاق لان غاية ما يثبت هنا هو ان الاعداء ارادوا له الذلة، وهذا امر اكيد لا نستبعده عنهم اما وقوعها حقيقة عليه او وقوعه فيها، فهذا ما نحاشيه سلام الله عليه فإن(لله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(326).

    الجهة السابعة : (قالوا : واقبل فرس الحسين بعد سقوطه (ع) عنه يدور حوله ويلطخ عرفه وناصيته بدمه فصاح ابن سعد بقومه دونكم الفرس فانه من جياد خيل رسول الله فاحاطت به الخيل فجعل يرمح برجليه حتى قتل رجالاً وافراساً كثيرة . فقال ابن سعد : دعوه ننظر ما يصنع. فلما امن الطلب اقبل نحو الحسين (ع) فاخذ يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلاً عالياً ثم توجه إلى المخيم بذلك الصهيل الحزين)(327) . وفي بعض الاخبار المنقولة: (انه ضرب رأسه بعموج الخيمة حتى مات)(328) .

    فقد يقع السؤال : عن امكان ادراكه وتسخيصه للموقف بغض النظر عن حصول المعجزة، وهو حيوان وليس بانسان بطبيعة الحال.

    وجواب ذلك : اننا إن اخذنا بفكرة المعجزة امكن القول بان معاشرة المعصومين سلام الله عليهم من قبل الانسان والحيوان معاً مؤثرة في تكامله وفهمه، كل واحد بمقداره واستحقاقه واستعداده. اما كيفية تقبل ذلك بالنسبة إلى الحيوان فهو امر غير واضح. لأن مستوى فهم الحيوانات امر غير واضح بدوره. الا انّ عدم وضوحه لا يعني عدم ثبوته ولو بنحو الاحتمال القاطع للاستدلال.

    وان لم نأخذ بفكرة المعجزة، فمن الاكيد ان الفرس من اذكى الحيوانات
    _______________________
    (326) سورة المنافقين آية 8
    (327) امالي الصدوق ص14 مجلس 30 – الخوارزمي ج2ص37 - البحار ج45ص57
    (328) البحار ج45 ص60 – الدمعة الساكبة ص347 – اسرار الشهادة ص436

    وارقامها وهي عند علماء الحيوان تأتي بعد القرد مباشرة وخاصة الافراس العربية الاصيلة، وقد كان فرس الحسين (ع) واحداً منها فهي تعرف صاحبها وتحبه وتعرف ذويه وتصبر على ما ينوبها في سبيله من جوع او عطش، وتحس باكرام صاحبها لها وغير ذلك من الامور. فليس عجباً ان يفعل فرس الحسين (ع9 ذلك. نعم يبقى قتله لنفسه منوطاً بفكرة المعجزة او بصحة الرواية.


    الجهة الثامنة : (نقل التاريخ عن زيد بن ارقم وهو احد الصحابة، وقد كان يومئذ بالشام انه سمع رأس الحسين عليه السلام يتلو قوله تعالى : (ام حسبت ان اصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك أعجب واغرب)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك اعجب واغرب)(330).

    فهل نصدق هذه الرواية او نستبعدها باعتبار انه من المستحيل طبيعياً ان ينطق الموتى مطلقاً ، او قل : ان ينطق الرأس وهو متصل بصاحبه فضلاً عما اذا كان مقطوعاً، فضلاً عما اذا كان مرّ على قطعه ردح من الزمن؟.

    الا ان هذا الاستبعاد في غير محله لعدة مستويات من التفكير نذكر منها:

    المستوى الاول : انه من الواضح ان مثل هذه الروايات لا ينبغي ان نعرضها امام القانون الطبيعي، لانها قائمة على خصوص المعجزة ، وليس لها من القانون الطبيعي اي نصيب. واذا حدثت المعجزة امكن ذلك وغيره وبالمعجزة نطق رأسان في البشرية المعروفة . هما رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام ورأس الحسين عليه السلام.

    المستوى الثاني : ان نطق الرأس انما كان لاقامة الحجة ، على اهل الشام ا لذين كانوا يجهلون شأن الحسين وامامته وصدق قضيته بل كان الحكام لديهم
    ______________________
    (329) سورة الكهف . آية 9
    (330) البحار للمجلسي ج45ص121


    يجد الذلة ولم يمر بها على الاطلاق لان غاية ما يثبت هنا هو ان الاعداء ارادوا له الذلة، وهذا امر اكيد لا نستبعده عنهم اما وقوعها حقيقة عليه او وقوعه فيها، فهذا ما نحاشيه سلام اله عليه فإن (لله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(326) .

    الجهة السابعة : (قالوا : واقبل فرس الحسين بعد سقوطه (ع) عنه يدور حوله ويلطخ عرفه وناصيته بدمه فصاح ابن سعد بقومه دونكم الفرس فانه من جياد خيل رسول الله فاحاطت به الخيل فجعل يرمح برجليه حتى قتل رجالاً وافراساً كثيرة. فقال ابن سعد : دعوه ننظر ما يصنع . فلما امن الطلب اقبل نحو الحسين (ع) فاخذ يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلاً عالياً ثم توجه إلى المخيم بذلك الصهيل الحزين)(327) وفي بعض الأخبار المنقولة : (انه ضرب رأسه بعمود الخيمة حتى مات)(328).

    فقد يقع السؤال : عن امكان ادراكه وتشخيصه للموقف بغض النظر عن حصول المعجزة ، وهي حيوان وليس بانسان بطبيعة الحال.

    وجواب ذلك : اننا ان اخذنا بفكرة المعجزة امكن القول بان معاشرة المعصومين سلام الله عليهم من قبل الانسان والحيوان معاً مؤثرة في تكامله وفهمه، كل واحد بمقداره واستحقاقه واستعداده. اما كيفية تقبل ذلك بالنسبة إلى الحيوان فهو امر غير واضح. لان مستوى فهم الحيوانات امر غير واضح بدوره . الا ان عدم وضوحه لا يعني عدم ثبوته ولو بنحو الاحتمال القاطع للاستدلال.

    وان لم نأخذ بفكرة المعجزة ، فمن الاكيد ان الفرس من اذكى الحيوانات
    ______________________
    (326) سورة المنافقين آية 8
    (327) امالي الصدوق ص14 مجلس 30 – الخوارزمي ج2ص37 – البحار ج45 ص57 .
    (328) البحار ج45 ص60 - الدمعة الساكبة ص347 – اسرار الشهادة 436.

    وارقامها وهي عند علماء الحيوان تأتي بعد القرد مباشرة وخاصة الافراس العربية الاصيلة، وقد كان فرس الحسين (ع) واحداً منها فهي تعرف صاحبها وتحبه وتعرف ذويه وتصبر على ما ينوبها في سبيله من جوع او عطش، وتحس باكرام صاحبها لها وغير ذلك من الامور. فليس عجباً ان يفعل فرس الحسين (ع9 ذلك. نعم يبقى قتله لنفسه منوطاً بفكرة المعجزة او بصحة الرواية.


    الجهة الثامنة : (نقل التاريخ عن زيد بن ارقم وهو احد الصحابة، وقد كان يومئذ بالشام انه سمع رأس الحسين عليه السلام يتلو قوله تعالى : (ام حسبت ان اصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك أعجب واغرب)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك اعجب واغرب)(330).

    فهل نصدق هذه الرواية او نستبعدها باعتبار انه من المستحيل طبيعياً ان ينطق الموتى مطلقاً ، او قل : ان ينطق الرأس وهو متصل بصاحبه فضلاً عما اذا كان مقطوعاً، فضلاً عما اذا كان مرّ على قطعه ردح من الزمن؟.

    الا ان هذا الاستبعاد في غير محله لعدة مستويات من التفكير نذكر منها:

    المستوى الاول : انه من الواضح ان مثل هذه الروايات لا ينبغي ان نعرضها امام القانون الطبيعي، لانها قائمة على خصوص المعجزة ، وليس لها من القانون الطبيعي اي نصيب. واذا حدثت المعجزة امكن ذلك وغيره وبالمعجزة نطق رأسان في البشرية المعروفة . هما رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام ورأس الحسين عليه السلام.

    المستوى الثاني : ان نطق الرأس انما كان لاقامة الحجة ، على اهل الشام ا لذين كانوا يجهلون شأن الحسين وامامته وصدق قضيته بل كان الحكام لديهم
    ______________________
    (331) سورة الكهف . آية 9
    (332) البحار للمجلسي ج45ص121


    يغرسون في اذهانهم، ان هذا الموكب لسبايا غير مسلمين من الروم الو الزنج او الديلم او البط ونحو ذلك وكان لا بد لهذا الجانب اعني لموكب الحسين عليه السلام ، ان يثبت صدق قضيته . وفي الواقع انهم لم يقصّروا في ذلك بعد ان تكلم الامام زين العابدين وزينب بنت علي عليهما السلام وآخرون ، وحدثت له عدة مآتم في الشام فورياً.

    ومحل الشاهد الان ان الحسين نفسه شارك في هذه الحملة الموسعة والاعلام، وذلك بقرائته القرآن وهو فوق رأس رمح طويل. كانت ماشركته اوكد من كل المشاركات لانه الشخص الرئيسي والاهم اولاً. وأن مشاركته اعجازية ثانيا: وهاتان الصفتان لم تحصل لأي من المشاركين الاخرين في معسكر الحسين (ع) وان علا شأنهم وغلى .

    المستوى الثالث : اني شخصياً كنت موجوداً في ليلة منالليالي قبل خمس وعشرين سنة تقريباً في جلسة من جلسات تحضير الارواح . وقد خطر لي ان أسال احداها قائلاً: هل تكل رأس الحسين عليه السلام وكان في حسباني ان تقول : نعم ام لا . فكان من العجب انها قالت : تكلم سبع مرات. فقلنا لعله تكلم بهذا المقدار ولم ينقل من التاريخ إلينا واذ امكن ذلك مرة امكن مرات عديدة وليس في قدرة الله بمستغرب.

    وحصلت على كتاب بعد خمس وعشرين سنة او اكثر بعنوان (الحسين في الفكر المسيحي) تأليف : انطوان بارا وهو مسيحي منصف مجّد الحسين ورثا له ، وقارن شهادته، بما يعتقدونه من مقتل المسيح وشهادته واذا بي اجد في هذا الكتاب النقول التاريخية عن كلام رأس الحسين عليه السلام. فأحصيتها فاذا بها سبعة. كما سمعت من تلك الروح قبل خمس وعشرين سنة. ورب صدفة خير من ميعاد.

    وأود فيما يلي ان انقل عبارة المؤلف، وما أجاده من التعب في نقل

    الجانب التاريخي الاسلامي الناطق بتأريخ رأس الحسين الناطق سلام الله عليه. وسأقوم بترقيمها تنبيهاً للقاريء على عددها ، بالرغم انها من المصدر الذي انقل عنه غير مرقمة ، ولعل المؤلف لم يلتفت إلى انها سبعة موارد او إلى اهمية كونها سبعة. قال :

    1- ولما حمل الرأس الشريف إلى دمشق ونصب في مواضع الصيارفة . وهناك لغط المارة وضوضاء المتعاملين فاراد سيد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليمعوا عضاته فتنحنح الرأس تنحنحا عالياً. فاتجهت إليه الناس.
    واعترتهم الدهشة حيث لم يسمعوا رأسا مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين (ع). فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى (انهم فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدى)(331).
    2- وصلب على شجرة فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع فأخذ يقرأ : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)(332).
    3- وقال هلال بن معاوية رأيت رجلاً يحمل رأس الحسين (ع) والرأس يخاطبه : ((فرقت بين رأسي وبدني)). فرفع السوط واخذ يضرب الرأس حتى سكت.
    4- ويحدث بين وكيدة: انه سمع الرأس يقرأ سورة الكهف فشك في انه صوته او غيره ، فترك (ع) القراءة والتفت إليه يخاطبه : ((يا ابن وكيدة اما علمت انا معشر الائمة احياء عند ربهم يرزقون)).
    5- فعزم على ان يسرق الرأس ويدفنه واذا الخطاب من الرأس الشريف:
    (( يا بن وكيدة ليس إلى ذلك في سبيل ان سفكهم دمي اعظم عند اله من
    _______________________
    (331) سورة الكهف . آية 13
    (332) سورة الشعراء آية 227

    تسييري على الرمح فذرهم فسوف يعلمون ان الاغلال في اعناقهم والسلاسل يسحبون)).

    6- وقال المنهال بن عمرو : رأيت رأس الحسين بدمشق على رمح وامامه رجل يقرأ سورة الكهف حتى اذا بلغ إلى قوله تعالى (ام حسبت ان أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا)(333). نطق الرأس بلسان فضيح :

    ((اعجب من اصحاب الكهف قتلي وحملي)) .

    7- ولما أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم حيث انكر علهي فعلته، نطق الرأس الشريف بصوت رفيع: ( لا حول ولا قوة إلا بالله )) . (انظر المصدرص110 – 11 ).
    أقول : وقد اخرجها المؤلف من مصادرها ، وذكرها في هامش كتابة هذا فراجعه(334).

    وينبغي هنا ان نلتفت إلى ان كثرة النقل يسمى بالاصطلاح بالاستفاضة(335). فلو كان النقل مقصوراً على رواية زيد ابن ارقم التي هي
    ____________________
    (333) سورة الكهف آية 9.
    (334) لقد لفت انتباهي ان هذه الروايات السبع التيت ذكرها صاحب كتاب الحسين في الفكر المسيحي اذا اضيفت إلى الرواية السابقة التي ذكرها سماحة المؤلف عن زيد ابن ارقم لاصبحت ثمانية
    وقد راجعت سماحة المؤلف في ذلك فاجابني قائلاً:-
    ( قد يقال ان هذه السبعة اذا انضمت إلى رواية زيد ابن ارقم كانت ثمانية ويمكن ان يجاب عدة وجوه منها ان فاعل يقرأ في قوله ((يقرأ سورة الكهف)) ((وهي الرواية رقم (6) من التسلسل السابق)) يعود إلى رأس الحسين (ع) وقوله (نطق ) على معنى بيان شكل من اشكال التفسير للاية . وتكون هذه القراءة لسورة الكهف هي التي سمعها زيد بن ارقم والمنهال بن عمرو معاً فرواياها بروايتين مختلفتين الا ان الحادثة واحدة.
    (335) الاستفاضة : وهي كون الرواة للحديث اكثر من ثلاثة في جميع طبقات سلسلة الحديث وصولاً إلى الطبقة الأولى الذين يروون عن الرسول (ص).

    اشهرها، لا مكن مناقشتها او التشكيك فيها. ولكن ليس إلى ذلك من سبيل بعد الذي سمعناه من كثرة النقل : وكان فيما نقل عنه المؤلف المذكور كتبت من الفريقين .

    بقي ان نشير إلى ما ذكرناه في نهاية السؤال نفسه، من طول المدة على الرأس الشريف وسيره من كربلاء إلى دمشق تحت حرارة الشمس، فهل يعني هذا تغيره او تبديل معالمه او تعذر نطقه؟ كلا بطبيعة الحال اذا التفتنا لأمرين :

    احدهما : ان المعجزة لا يختلف فيها طول المدة وقصرها، بل ولا انحفاظ الصورة وعدمها.

    وان كان من الواضح ان رأس الحسين عليه السلام كان باقيا على الشكل الذي قطع فيه لم يتغير اطلاقاً وهذا ما نعرفه فيما يلي.

    وثانيهما : اننا نعرف بوضوح في الدين ان اجساد الافراد الذين يكونون في درجة عالةي من الايمان قابلة للبقاء والاستمرار بدون ان تبلى او تتفسخ او تحصل منها روائح نتنة ونحو ذلك. بل يبقى الجسد نظيفاً طرياً كانه مات من ساعته. وهو امر متواتر ومحسوس في كثير من الموارد.

    ومحل الشاهد الآن : ان هذا لا يفرق فيه بين المدفون وغير المدفون. وهذا هو الذي يفسر حفظ الاجساد لشهداء كربلاء وقد بقيت قبل الدفن ثلاثة ايام كاملة تحت الشمس، فلم تصب بسوء . ويفسر ايضا ًحفظ الرؤوس وقد سيرت على الرماح من كربلاء إلى الكوفة إلى دمشق في الفصل القائض الشديد الحر فلم تصب بسوء.

    وهذا من جملة الأمور العديدة التي كانت سببا ً لاقامة الحجة على كل الجيل المعاصر لقتل الحسين (ع) ، بل والاجيال المتأخرة عنه وخاصة اولئك الاعداء الذين قطعوا الرؤوس بكل قسوة ولا انسانية وحملوها على الرماح وسيروها كل هذا السير الطويل.


    بل الامر يمكن ان نسير فيه خطوة اخرى: وهو الجزم بان هؤلاء الاعداء، كانوا يعلمون لدى قطعهم الرؤوس لأول مرة وعزمهم على حملها وتسييرها، الاعتيادية سوف لن (نعيش) تحت الشمس بشكل سليم اكثر من نهار واحد. ثم يكون لها رائحة نتنة غير قابلة للتحمل بالنسبة إلىحامل الرأس ولا من حوله وهذا ما ينبغي ان يكون معلوماً لهم سلفاً ومع ذلك عزموا على قطعها وتسييرها الامر الذي يدل على علمهم بان قضية الحسين (ع) على حق وانه واصحابه من الاولياء وان اعداءه على خطأ وباطل بما فيهم هم الذين قطعوا الرؤوس. ولا غرابة في ذلك حين نسمع قوله تعالى : ( وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلماً وعلوا)(336) . وقول بعض اعداءه له قلوبنا معك وسيوفنا عليك)(337) . الامر الذي يرهن انهم كانوا يعيشون انشطاراً في الشخصية. وهذا هو الذي يجعل موقفهم امام الله سبحانه اشد مسؤولية واعظم عقوبة.

    فهذه ثمان جهات لأهم الأسئلة التي قد قد تثار حول واقعة الطف وما بعدها واحسب ان الامور الأخرى فيها لا تحتاج إلى توضيح . وانما يحتاج القارئ الكريم بالنسبة إليها إلى اطلاع ، لكي يجد مواطن العظمة والجهاد والصبر للحسين واصحابه سلام الهل عليهم اجمعين


    حرره بتاريخ 19/2/1414 هــ
    محمد الصدر


    _______________________
    (336) سورة النمل . أية 14
    (337) العقد الفريد ج4ص384 – بتصرف – الارشاد للمفيد ص218 ط نجف


    محتويات الكتاب
    مقدمة التحقيق .................................................. .................................................. .. 3
    التعريف بالمؤلف .................................................. ............................................... 6
    نسبه .................................................. .................................................. ............. 6
    ولادته ونشاته............................................ .................................................. ......... 6
    دراسته وتدرجه العلمي .................................................. ........................................ 7
    مؤلفاته .................................................. .................................................. .......... 10
    مقدمة الطبعة الأولى .................................................. ............................................ 15
    مقدمة الطبعة الثانية .................................................. ............................................. 17
    الاعتذار عن الاحاطة التامة .................................................. ................................... 21
    عدم النظر إلى المعصومين كقادة دنيوين .................................................. ................... 25
    الاستدلال بقوله تعالى (وشاورهم في الامر) .................................................. .............. 27
    الاستدلال لذلك : بان الحديث قد يكون مع الكفار .................................................. ......... 30
    تعارض الروايات .................................................. ............................................... 35
    اصحاب المعصومين .................................................. ........................................... 40
    انهم من الراسخين في العلم .................................................. .................................... 42
    انهم من المقربين .................................................. ................................................ 43
    القاء النفس في التهلكة .................................................. ......................................... 50
    مناقشة الاية الكريمة .................................................. ........................................... 51
    بقية الحديث عن التهلكة .................................................. ........................................ 55
    رضا الله رضانا اهل البيت .................................................. .................................... 59
    لماذا لم يعمل الحسين (ع) بالتقية .................................................. ............................. 62
    في ان التقية تخيرية .................................................. ............................................ 64
    حدود أهداف الحسين (ع) .................................................. ..................................... 72
    الاهداف المحتملة للحسين (ع) .................................................. .............................. 77
    1- ان لا يبايع الحاكم الاموي الحسين .................................... 77
    2- الامتثال لامر الله عزوجل .............................................. 83
    3- الانتصار العسكري المباشر ........................................... 84



    4- فضح بني امية واضرابهم ..................................... 85
    5- طلب الاصلاح .................................................. .. 88
    6- الاستجابة لاهل الكوفة ..................................... 90
    7- اعطاء الامثولة للدين الحنيف ................................... 93
    8- اقامة الماتم والبكاء عليه ....................................... 100
    جوانب معركة الحسين مع الاستبشار اوالحزن .................................................. ............ 104
    اسئلة حول شخص الحسين (ع) .................................................. ............................. 111
    1- هل بقي الحسين (ع) وحيداً – معنويا-؟ ولماذا طلب الناصر؟ .............................. 111
    2- هل كان يدافع عن عصبية او عنصرية ؟ .................................................. ...... 124
    3- هل حصل له الذل في واقعة كربلاء ؟ .................................................. ....... 126
    4- هل اهتم الحسين (ع) بعياله ؟................................................. .................... 128
    مبررات البكاء .................................................. .................................................. . 130
    يا ليتنا كنا معكم .. .................................................. ............................................... 132
    حول المعية المعنوية .................................................. ........................................... 135
    في تقديم الحسين الذاكر .................................................. ....................................... 139
    رواة واقعة الطف .................................................. ............................................... 141
    الرواة المتأخرون .................................................. ......................................... 144
    مجوزات النقل شرعاً .................................................. ........................................... 147
    البكاء على الاموات .... .................................................. ........................................ 151
    المبالغة في الشعر ......... .................................................. .................................... 156
    تآالب الناس ضده .................................................. ................................................ 163
    توصيات عامة للخطباء .................................................. ....................................... 173
    حصول المعجزات للحسين (ع) .................................................. .............................. 176
    في ان النساء ناشرات الشعور .................................................. .............................. 180
    طلب مسلم بن عقيل للماء .................................................. .................................... 183
    مسلم بن عقيل في الكوفة .................................................. .................................... 186
    الاخوة .................................................. .................................................. .......... 186




    احتلال الكوفة .................................................. .................................................. . 190
    اغتيال ابن زياد .. .................................................. ............................................... 193
    السيطرة على الكوفة ماخراً............................................ .......................................... 198
    معقل .................................................. .................................................. ........... 201
    تفرق الناس عن ابن عقيل .................................................. ..................................... 204
    تالب الناس ضده .................................................. ................................................ 207
    تأسيسه للجيش .................................................. .................................................. . 208
    اسئلة حول واقعة الطف .................................................. ........................................ 212
    لماذا اذن الحسين (ع) لاصحابه بالتفرق ................................................ 212
    لماذا رفض التفرق .................................................. ......................... 212
    لماذا لم يشرب العباس (ع) الماء؟ ........ ................................................ 218
    لماذا لم يسق الحسين (ع) ابنه علي الاكبر الماء لدى طلبه........................... 218
    لماذا حمل الحسين (ع) ابنه الرضيع إلى الاعداء ....................................... 219
    حديث عن السهم المثلث .................................................. .................. 221
    حديث حول الامر برض جسد الحسين (ع).............................................. 224
    حديث حول فرس الحسين (ع) .......... ................................................ 226
    حديث حول تكلم رأس الحسين (ع) ................................................ 227
    ان الراس الشريف نطق سبع مرات ................................................ 228
    حديث عن قابلية الرؤس للبقاء تحت الشمس ........................................... 231
    مصادر التحقيق .................................................. ................................................. 243
    فهارس عامة ................................................ .................................................. .... 240
    فهرس الايات .................................................. ............................. 241
    فهرس الاحاديث .................................................. .......................... 246
    فهرس الاعلام .................................................. ............................ 252
    فهرس الاشعار .................................................. .......................... 256
    فهرس الاماكن .................................................. .......................... 258
    فهرس الاديان والمذاهب .................................................. ...... 260
    محتويات الكتاب 261


    سوق العراق
    اخر مواضيعي:

  2. #2
    الصورة الرمزية نورالهدى العراقية
    نورالهدى العراقية غير متواجد حالياً شطوط موظف على كد حاله
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    الدولة
    العراق / البصرة
    المشاركات
    2,773

  3. #3
    الصورة الرمزية ملك المحاسبين
    ملك المحاسبين غير متواجد حالياً شطوط اتعيين ويقبض راتب
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    الدولة
    البصرة / اغنى مدينه
    المشاركات
    1,759

  4. #4
    عضو مطرود135 غير متواجد حالياً عضو محجوب
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    1,388

  5. #5
    الصورة الرمزية ♥ ثــامر الـبصرأويـے ♥
    ♥ ثــامر الـبصرأويـے ♥ غير متواجد حالياً ✿ رئيس آقسآم التكنلوجيا ✿
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    ♥ بصرأويـے أجرح وأدأويـے♥
    المشاركات
    10,779

+ الرد على الموضوع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك