من ذاكرة مدينة الرفاعي .. ( مؤتمر السلم والتضامن عام 1959م )

من الأحداث المهمة التي كاد أن يطويها النسيان لندرة من يستذكرها أو يمر عليها والتي شهدتها مدينة الرفاعي في السنوات الماضية من تاريخها المعاصر هو ( انعقاد مؤتمر السلم والتضامن عام 1959م ) في مدينة الرفاعي والذي يعتبر الحدث الثاني المهم في سفر تاريخ هذه المدينة بعد الحدث الأول ( زيارة الملك فيصل الثاني لها عام 1953م ) ، وربما يكون الاكثر حضوراً من الحدث الاول وذلك بسبب شدة التنافس والصراع السياسي بين الأحزاب اليسارية التي اكتسحت الساحة في تلك الفترة الزمنية وبين الاحزاب القومية المناهضة لها , فتوافدت جماهير هذا المؤتمر بأعداد كبيرة من جميع مدن محافظة ذي قار ومن بعض المدن الجنوبية وكذلك حضور وفود من محافظة بغداد ومن مدن عراقية مختلفة .
فلم تعد السيارات والباصات الخشبية ووسائط النقل الأخرى الموجودة على الارض في بعض المدن في ذلك الزمن ان تستوعب الأعداد الهائلة من القادمين وبأصرار للمشاركة في هذا المؤتمر والأحفال الكبير والمهم لديهم فسلك بعضهم طريق النهر للوصول الى مكان هذا المؤتمر وخاصة أبناء المدن القريبة من نهر الغراف من محافظتي واسط وذي قار , وقد رافق كثرة الوافدين وشدة التزاحم بعض الأحداث المؤسفة والمؤلمة التي كان من بينها جنوح أحد الزوارق التي تحمل اكثر من طاقتها من القادمين للمشاركة في هذا الاحتفال وسقوط راكبيه في عمق نهر الغراف في منتصف الممر النهري بين مدينة الرفاعي والقلعة مما أدى الى غرق ووفاة تسعة منهم ، جميعهم من أبناء مدينة قلعة سكر .
انعقد ( المؤتمر الثاني للسلم والتضامن ) في نهاية عام 1959م في مدينة الرفاعي التي اختيرت لتكون مكاناً مميزاً لأقامته وعلى ساحة ثانوية الرفاعي للبنين بعد تهيئة المكان والتحضير له من قبل الكوادر العمالية والفلاحية وبعض الناشطين في حركة السلم والتضامن من ابناء هذه المدينة واعداده بشكل جيد لأستقبال الأعداد الهائلة من الوفود الكبيرة القادمة للمشاركة في هذا المؤتمر , فأمتلأت بهم جميع الاماكن المخصصة للجلوس وغصت الساحة بالحضور وكذلك جميع طوابق بناية هذه الثانوية الكبيرة الواسعة ، وكان من بين الوفود المشاركة عدد غير قليل من النساء من منظمات واتحادات مهنية نسائية ( رابطة المرأة العراقية ) وقد تصدرن المقاعد الامامية لهذا المؤتمر ، أما نحن الصبية الصغار في ذلك الزمن فقد تسلقنا اعالي سطوح هذه البناية لكي نجد لنا مكاناً مريحاً نشاهد من خلاله هذا المهرجان والاحتفال المشوق لنا ، على الرغم من كوننا لانعي ولا ندرك تماماً ونحن في ذلك العمر ما ذا يجري وماذا يدور وكثير ما شد انتباهنا الموسيقى المنبعثة من ألات الفرق الموسيقية المتواجدة على المسرح المقام وسط ساحة الاحتفال ، عبر مكبرات الصوت الموزعة على جميع جوانب هذه البناية الواسعة ، وهي تعزف السلام الجمهوري وبعض الألحان الجميلة ثم انشدت وأنشد معها معظم الحاضرين من النساء والرجال ( عبد الكريم كل القلوب تهواك .. عبد الكريم رب العباد يرعاك ... ) . وألقيت بعد ذلك الكلمات و الخطب من بعض الشخصيات الحاضرة والمنظمة لهذا المؤتمر تخللها هتافات عدد من الحضور تمجد بثورة 14تموز وبالزعيم عبد الكريم قاسم ، وأهازيج وشعارات شارك في تردديها معهم معظم المحتفلين منها ( نحن أنصار السلام .. ماكو حرب بس وئام ) , وشوهدت بعض من العروض المسرحية الجميلة ، وفي نهاية المهرجان وقبل انفضاض هذا المؤتمر اطلقت في الهواء مجاميع من الحمام الأبيض (حمامات السلام ) غطت سماء ساحة هذا الاحتفال .
وعن ضخامة هذا المؤتمر وعن الجماهير الغفيرة التي حضرته والتداعيات التي حصلت بعد الانتهاء منه تطرق اليها أحد حضور هذا المؤتمر الحاج عبد الله ناصر مايع الازيرجاوي عضو هيئة رئاسة مجلس السلم والتضامن ، في احدى مقالاته المنشورة عام 2007 حيث يقول (( ومن نشاطات حركة السلم في مدينة الناصرية عقد مؤتمرها الثاني في مدينة الرفاعي وحضره جمهور كبير من الفلاحين والعمال النشطاء , ورجال الفكر والثقافة وكان على رأس هذا الاجتماع الاخ شهاب احمد التميمي نقيب الصحفيين حالياً والشهيد عزيز السيد جاسم والشهيد عبد الرزاق محمد والشهيد حسين ياسين ووجوه تقدمية ومناضله كبيرة ومنهم مصطلح ابو سلام من الفجر , وانفض الاجتماع بسلام وقراءة سورة الفاتحة على ارواح شهداء الحركة .
وكان الاجتماع ملفتاً للنظر لضخامته ، فبدأت اجراءات الامن بالاعتداءات واعتقال بعض رجال الحركة وناشطيها حتى بلغت حداً لا يطاق , وفي الشهر الثالث من عام 1960 أرتأت الحركة طرح هذه الاعتداءات والاعتقالات على الزعيم عبد الكريم قاسم وفضح المؤامرة التي كانت تدبر للقضاء على ثورة تموز المباركة , وتم ذلك فعلاً وقابلنا الزعيم وتم كشف بعض خيوط المؤامرة والجهات التي وراءها . ))

( راغب رزيج العقابي _قضاء الرفاعي _ذي قار )


شط العرب

شط العرب
مدينة الرفاعي

شط العرب
صورة كاتب المقال راغب رزيج العقابي